الأمن ليس وحده هدف الوجود الأميركي في العراق وإن كان أحد عناصر القوة في الاستراتيجية الأمنية الهادفة إلى تسليم عمليات ضبط الأمن للقوات العراقية، هذه كانت بداية الحوار بين «البيان» ونائب رئيس العمليات في القيادة المركزية الأميركية البريغادير جنرال روبرت هولمز الذي كان مغتبطاً لتماسك الوضع الأمني في العراق خلال الشهور الأخيرة.
وبدا مراهناً إلى أبعد الحدود على العلاقة مع زعماء العشائر (في إطار ما يسمى مجالس الصحوة) فهو يرى فيها «صحوة» لعلاقة جديدة مبنية على الثقة بين الأميركيين والعراقيين الذين يأملون كسر حلقة العنف.
إيران كانت حاضرة بقوة في الحوار، وفي شقين: دورها في العراق وملفها النووي. وكان الجنرال في المجالين مؤمناً بالمضي قدماً حتى نهاية المطاف في خيار الحوار الدبلوماسي قبل أي تحرك نحو الخيار العسكري الذي لم يستسغه قائلاً: «لا نريد حرباً» لأننا نريد الإقليم مستقراً مفضلاً حلاً إقليمياً للخلاف مع إيران وليس فقط حلاً أميركياً وإن أكد استعداد القوات الأميركية في المنطقة لتنفيذ ما يطلب منها.
كان الحوار بين «البيان» وهولمز قصيراً بالقياس إلى حجم الأسئلة والملفات التي تبحث عن أجوبة، العراق وأوضاعه ومستقبله كانت هي المحور الأبرز، وفيه قال الجنرال الأميركي ان الإدارة الأميركية حريصة على توفير بيئة مستقرة للعراقيين وتطوير العناصر اللازمة لمجتمع فيه الأمن متماسك،
ولكن لا يمكن وضع جداول زمنية محددة لأن هناك الكثير من العوامل الموضوعية التي تتداخل في الموضوع، خصوصاً واننا نعمل على تأهيل القوات العراقية (شرطة وجيش وطني) كي تضطلع بمهام الأمن.
وتابع أن القيادة العسكرية الأميركية ترى أن الوضع الأمني آخذ في التماسك وهو ما يعني تحسناً في الأوضاع السياسية الحكومية، والاقتصادية وحتى تأهيل العناصر الاجتماعية. وشدد على أن توفير الاعتمادية لهذه المقومات، لاسيما وان تعزيز الأوضاع المؤسسية يحتاج الكثير من الوقت، «لأنها باختصار ليست أهدافاً عسكرية بحتة» كما في السابق، بل هي أعمق وأبعد.
وسعى خلال الحوار إلى التركيز على الأهمية الكبيرة التي توليها القيادة الأميركية للدبلوماسية وللشأن السياسي المحلي وهي تأخذها كمكون أساسي حين نتحدث عن تحقيق النجاح والتقدم. وتابع القول إن «الرؤية العسكرية» التي تتبعها قواته في العراق تركز على «عدم الاشتباك مع أي كان إلا إذا كان ذلك ضرورياً».
وفيما كان يعدد أوجه النجاح المتحقق في العراق في نواح مختلفة تطرق إلى «الصحوة» التي يشهدها العراقيون، مؤكداً أن الإدارة السياسية والقيادة العسكرية للولايات المتحدة الأميركية تعولان على هذه الصحوة كعنصر قوة ..«إنهم الناس والمجتمع المحلي، والقيادة العشائرية التي بدأت تقوم بفعل لخدمة المجتمع والأمة».
وقال إن «جزءاً كبيراً من الاستقرار المتحقق آت من جذور البيئة والمجتمع، حيث الوعي آخذ في الانتشار»، ولفت إلى أن نحو 500 سياسي عراقي من السنة والشيعة التقوا قبل أيام واتفقوا على ضرورة عبور هذه المرحلة.. «إنها علامات نجاح».
وعن مدى صوابية المراهنة على مجالس الصحوة في العراق وهل يمكن اعتبارها تحولاً عن الاعتماد على الطبقة السياسية التقليدية التي تولت زمام القيادة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، أكد الجنرال هولمز أن السياسة الأميركية كانت على الدوام تعتمد على استراتيجية بناء الثقة على مستوى القاعدة لنجني الثقة أيضاً على شكل مجتمع آمن.
وأضاف ان مشهد العنف في العراق كان يحمل في بعض صوره الكثير من اللاعبين وأكثر من عنصر وبأجندات عدة كان هدفها «خلق العنف». وتحدث بارتياح عن أنه «وسط كل هذا العنف كان العمل على أشده، خلال العامين الماضيين، لتقوية وتأهيل عناصر الجيش العراقي وقوى الأمن،
وهذا ما نرى نتائجه في الوقت الراهن حيث تعتقل قوات التحالف والقوات العراقية العديد من الإرهابيين وقيادات الخلايا الإرهابية كما أحبطت الكثير من الهجمات المسلحة، وأبطل مفعول المئات من العبوات الناسفة كما ضبطنا العديد من مخازن الذخيرة والعتاد».
واعتبر ذلك دليلاً على «تنظيف» عوامل العنف وكسر حلقته. وأوضح أن هذه السياسة تقوم على «مفتاحين»: مساعدة الجيش العراقي على تقوية نفسه، والعمل معه على نيل ثقة الناس الذين يريدون الخروج من شرنقة العنف، والانطلاق، والمشاركة في الحياة السياسية.
وقال إن المواطنين العراقيين يريدون كسر حلقة العنف «ولكنهم لا يعرفون كيف»، وكان متفائلاً بمستوى الصحوة التي باتت تنتشر في صفوف العراقيين، مشيراً إلى أن الذين وقفوا وراء وتيرة العنف وتغذيتها ساعدوا على نجاح هذه الاستراتيجية لأن العراقيين باتوا تواقين للقفز على الوضع الحالي إلى الأمام.
وسألت «البيان» المسؤول العسكري الأميركي الكبير عن الدور الإيراني في العراق في ضوء ما بدا أنه تعاون سوري كبير لضبط الحدود الغربية وما تتوخاه الإدارة الأميركية من جولات الحوار مع الإيرانيين في العاصمة العراقية بغداد، فرد بالتأكيد أن الإدارة الأميركية تعتمد في معالجات الملف العراقي أو أي ملف آخر في المنطقة على الدبلوماسية.
وكرر ما يقوله الكثير من المسؤولين الأميركيين عن التأثير الذي تقوم به إيران على الوضع الأمني في العراق، و«نشاطاتها» في هذا البلد، لكنه استشهد في رد على ما يمكن القيام به لوقف هذا التدخل بتصريحات لرئيس الأركان الجنرال وليام فالون تفيد بأن العمل العسكري ضد إيران ليس بالضرورة محل اهتمام، وهو «بالضرورة ليس في صالح الشعب الإيراني ..
وهو أمر مهم جداً جداً لنا». وأضاف انه في الحالة الإيرانية فالتشجيع ينصب على الإجراءات الدبلوماسية، ليس فقط من طرف الولايات المتحدة بل أيضاً من دول المنطقة «حتى نشجع الإيرانيين على التعامل الإيجابي» وأن يكونوا «شركاء بدل أن يكونوا مصدري عنف».
وتابع القول إنها «ليست قصة أميركية أحادية»، فهناك العديد من الأصوات المعتدلة التي تقول: «لا نريد الحرب» وتفضل انتهاج الأسلوب الدبلوماسي للحفاظ على الإقليم مستقراً، لافتاً إلى وجود «دبلوماسية إقليمية» ناشطة.
وزاد أن القيادة العسكرية ليست بالضرورة طرفاً في هذا الجهد الذي هو في صلب مهمة صانعي السياسة الأميركية، لكنها «تشجع وتنصح في إطار الشراكة بين العاملين العسكري والدبلوماسي اللذين يعطيان للأمة الأميركية قوتها إلى جانب عناصر قوة أخرى، ليست بالضرورة عسكرية».
وفي هذا الشق تحديداً كان الجنرال هولمز مسهباً، إذ قال إن القيادة العسكرية تشجع الحلول «التي تضغط على القيادة الإيرانية» حتى تكون إيجابية وتبتعد عن السلبية، و«المضي في الجهد الدبلوماسي إلى أبعد الحدود الممكنة».
وعن التدخلات الإيرانية في العديد من الملفات الحساسة في المنطقة وما يلاحظ من محاولات أميركية حثيثة لمواجهتها في أكثر من بلد، قال هولمز إنه أمر طبيعي أن يتدخلوا لأنهم جزء من الإقليم، مضيفاً ان «هذا هو التحدي... نريدهم شريكاً إيجابياً». وركز على القيمة الإنسانية في التعامل مع الأمم، في العراق أو إيران أو أي مكان، حيث تتحاشى القيادة الأميركية الخيار العسكري حتى لا تؤثر على حياة الناس.
وفشلت محاولات «البيان» في الحصول من إجابة لتساؤلها عن طبيعة التفاهمات التي تم التوصل إليها مع سوريا حتى تصبح الحدود العراقية السورية أكثر ضبطاً بعد سنوات من الشكاوى والاتهامات الأميركية لدمشق، ونصح بتوجيه السؤال إلى وزارة الخارجية. وسألت «البيان» عن أهداف الرغبة الأميركية في إنشاء قاعدة عسكرية في لبنان، كما تحدثت وسائل إعلام لبنانية قبل أسابيع،
وعن ما تردد أخيراً عن نية إدارة الرئيس جورج بوش إرسال قوات أميركية إلى لبنان للمساعدة في ضبط الوضع الأمني، فقال نائب رئيس العمليات في القيادة المركزية الأميركية إنه «لا علم» له بهذا الأمر. لكنه قال إن هناك اهتماماً أميركياً بهذا البلد الذي يعاني من أجندة خارجية في مسعى لمساعدته على مواجهة خلايا الإرهاب وعوامل تفجير الاضطراب.
واستطرد قائلاً إن هناك «فرصة للإرهابيين لنشر العنف في لبنان ... وربما يختارون ذلك»، لكنه استدرك القول إن «عنصر العنف ليس في لبنان بل في الخارج» وشدد على ضرورة أن يواجه الإقليم، يقصد دول المنطقة، هذا العنف وعناصر تمويل خلاياه وتفكيكها، وتابع ان لبنان بات يتحول إلى رقعة لهذا الإرهاب الذي لا يأتي من جهة واحدة «ونحن نسعى لإبعاد لبنان» عن ذلك بالتعاون مع العناصر المعتدلة في المنطقة.
ثانية، سألنا الجنرال هولمز عن اهتمام الأميركيين في نشر قواعدهم العسكرية في كثير من بقاع الشرق الأوسط، وآخرها ما يجري الإعداد له في العراق من اتفاقية لإقامة قواعد مع أن الإدارة الأميركية كانت تقول قبل الغزو إنها ستغادر «عندما تنجز المهمة» إلى جانب استماتتها في الحصول على موافقة جزائرية لإقامة قاعدة عسكرية في شمال إفريقيا..
فقال إن قرار الخروج من العراق قبل تأهيل القوات العراقية «لن يفيد إلا العدو». وأضاف: «نعم، نحن باقون» ولكن ليس كقوات احتلال.. لن نغرس أقدامنا هناك أكثر مما هو مطلوب»، وشدد على أن الإدارة الأميركية تجد لزاماً عليها توطيد إمكانيات الحكومة والشعب العراقيين حتى يكونا قادرين على مواجهة المسلحين الذين يديرون دوارة العنف، ووصف دور بلاده والقوات الأميركية في العراق بالاستشاري.
وتابع القول إن القوات الأميركية تخفض وجودها في العراق بالتدريج، معتبراً أن لا اهتمام لدى القيادة المركزية أو وزارة الدفاع لإقامة قواعد في العراق وهذا ما أكدت عليه وزارة الدفاع في أكثر من مناسبة وموقف وتكرر القول انها لا تخطط للبقاء في العراق أو إقامة قواعد فيه.
ورأى أن أي تواجد عسكري أميركي في أي بلد يأتي على سبيل الشراكة أو «الاستضافة» لأداء مهمة ذات هدف محدد وبخاصة في ضوء تزايد المخططات الإرهابية وملاحقة الإرهابيين ولكن «لا اهتمام لنا بالتواجد الدائم في أي مكان».
دبي ـ نضال حمدان