مرة أخرى يسقط ضحايا مدنيون في الجزائر في غمرة الاستعدادات للاحتفال بعيد الأضحى المبارك، وبعد ايام من تقرير مشجع على ان الشهر الماضي شهد تراجعا كبيرا للعمليات الارهابية، وترجيح عودة السلم والأمن كليا الى الجزائر، عاد مسلسل العمليات التفجيرية ليضرب العاصمة مجددا ويستهدف مقرا امميا بهدف كسب تنظيم القاعدة صخبا اعلاميا مستغلا التراخي الأمني بعد اجراء الانتخابات المحلية في جو من الهدوء والطمأنينة.
والملفت هنا أن الاعتداءات تطورت من استهداف مقر الحكومة ووزارة الداخلية، إلى موكب الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، ثم مقرات الجيش تم مقر المجلس الدستوري ومقر للامم المتحدة اخيرا، وأن غالبية من قاموا بها انتحاريون في العشرينات من عمرهم قادوا سيارات مفخخة. ويريد تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» من خلال هذه الهجمات الاستعراضية، إعطاء انطباع بقدرته على زرع البلبلة في قلب العاصمة الجزائرية، عبر استهداف مراكز الدولة والبعثات الدولية بهدف تحقيق صدى إعلامي واسع واستغلال الفقر المدقع للعائلات بتجنيد اطفالها للقيام بالعمليات الانتحارية.
والملاحظ من مسلسل العمليات، ان القاعدة في المغرب الاسلامي، تبحث عن الهالة الاعلامية و نشر الذعر في الشارع، من خلال استهداف المناطق الحساسة، التي يوحي مجرد انطلاق خرطوشة فيها، الى التشكيك في جهود و امكانيات السلطة في مطاردة ما تسميه بفلول الارهاب.
فرغم التصريحات المطمئنة التي يطلقها من حين لآخر المسؤولون الأمنيون عن تراجع حدة الارهاب، تحت تأثير ضربات قوات الأمن و الجيش، أو تحت مفعول تدابير المصالحة الوطنية، التي أفضت الى تسليم العشرات من المسلحين انفسهم لمصالح الأمن، للإستفادة من تدابير الميثاق الذي زكاه الجزائريون، الا ان الارهاب لا يزال يدق ابواب الجزائر من خلال انتهاج اسلوب العمليات الانتحارية.
فالمصالحة الوطنية، خيار حتمي للأزمة الجزائرية، وحملة التنديد الشاملة، الا ان الجزائر في حاجة أيضا لترتيب أوراقها، بخصوص التعاطي مع التطورات الأمنية المتصاعدة، لأن إستراتيجية التفجيرات، والعمليات الانتحارية، هي نقلة نوعية في مسار التنظيم، وعليه ينبغي تكييف اليقظة والتعبئة، مع مثل هذه الحوادث المروعة، التي انطلقت في شهر أبريل الماضي من العاصمة، أين تم استهداف قصر الحكومة، ومقار الأمن في حي باب الزوار.
وتطورت لحد استهداف موكب رئيس الجمهورية، الذي حل بعد دقائق من وقوع الحادث في مدينة باتنة، ثم الى بومرداس بالقرب من العاصمة، حيث استهدفت ثكنة لخفر السواحل، بعدها استهدفت امس مقر المجلس الدستوري ومقر المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة.
ويبقى الشيء المؤسف، ان العمليات الانتحارية نفذت من قبل شباب عاطل استغل المتطرفون وضعيته الصعبة لتجنيده في صفوفها ونشر الفكر الضال، لذلك يستوجب الان الى جانب محاربة الارهاب في الجزائر مكافحة الفقر المدقع الذي يهدد 8 ملايين اسرة جزائرية، فأغلب الجزائريين في الوقت الحالي باتوا لا يطالبون بأكثر من لقمة عيش و حياة آمنة تحفظ لهم كرامتهم، و تساهم على الأقل في الحد من أعداد أبنائهم الفارين عبر أمواج المتوسط نحو المجهول فوق قوارب مهترئة تقدمهم ـ في مرات كثيرة ـ طعاماً للأسماك في أعالي البحار وعلى مشارف بلدان «ديمقراطية حرة» تعتبرهم متطرفين.
ليلى بن هدنة