استفاض رئيس مجلس الشعب التركي كوكسال توبتان في حديث صحافي تنشره «البيان» بترتيب خاص مع الزميلة «الأنباء» الكويتية عن كل القضايا المتعلقة بالسياسة التركية داخليا وخارجيا. فعلى الصعيد الداخلي، دعا إلى إزالة كل الهواجس المثارة حول علمانية تركيا، مؤكدا أن بلاده ستبقى علمانية وديمقراطية.

وفي شأن ما يجري الحديث عنه من مشروعات تعديل للدستور سيقوم بتقديمها نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم، قال إنها لم تصله بعد، لكنها ستتضمن المزيد من الليبرالية والحريات. وشدد توبتان، على شأن تأثير المؤسسة العسكرية التركية في الحياة السياسية، مؤكدا أن هذه المؤسسة ملتزمة بالدستور الذي يحدد السلطات ورئاسة الأركان تتبع مكتب رئيس الوزراء،

نافيا وجود أي خلاف بين الجانبين «بل على العكس هناك تطابق في المواقف أكدته الأحداث الأخيرة». وحول الصراع الدائر مع منظمة حزب العمال الكردستاني، أكد أن الصلاحية الممنوحة للجيش مقيدة بملاحقة العناصر المقاتلة وليست مطلقة،

مضيفا انه ليس هناك حاليا جندي تركي واحد داخل الأراضي العراقية لأنه ليس في نية تركيا احتلال العراق بل همها وما تسعى إليه دائما هو وحدته الجغرافية والسياسية. وعن الانضمام للاتحاد الأوروبي، أكد استمرار بلاده في سعيها لإنجاز المعايير الاقتصادية والسياسية المطلوبة رغم الأحداث المعارضة لانضمامها كموقف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.

وفي ما يلي نص الحوار مع رئيس البرلمان التركي..

* ما آخر التطورات على صعيد التدخل العسكري شمال العراق ضد حزب العمال الكردستاني؟

ـ من المعلوم أن العراق ومنذ الحرب الأولى وحتى الآن لم يستقر وحدث ما حدث إلى أن تدخلت قوات التحالف، وبعد تدخلها استمرت حالة عدم الاستقرار على حالها. وتركيا تواجه منذ 24 عاما إلى الآن آفة العمليات الإرهابية التي ترتكبها المنظمات الإرهابية التي تجد مأوى لها وتتمركز شمال العراق، تلك العناصر من حزب العمال الكردستاني «PKK»

يتسربون عبر الحدود إلى الأراضي التركية ويرتكبون الجرائم ضد المدنيين دون شفقة، ثم يعودون مرة أخرى إلى الأراضي العراقية، وتركيا منذ فترة طويلة تمارس الجهود الدبلوماسية مع جميع الجهات المعنية وعلى رأسها السلطات العراقية،

والسلطات المحلية في شمال العراق بهدف عدم السماح لتلك العناصر بالتسلل عبر الحدود وارتكاب العمليات الإرهابية المضرة بالمواطنين الأتراك، كما نناقش الأمر مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبذلنا جهودا دبلوماسية كثيرة بهذا الصدد.

في 17 أكتوبر الماضي وافق مجلس الشعب التركي على طلب الحكومة إرسال قوات لملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني الإرهابي، والإذن الصادر عن مجلس الشعب إلى الحكومة يقيد إعطاء الصلاحية للقوات المسلحة التركية بملاحقة العناصر الإرهابية التابعة لحزب العمال الكردستاني الإرهابي بناء على معلومات استخباراتية، وليس هدفنا الإضرار بالعراق وشعبه، والآن لا يوجد أي جندي داخل الأراضي العراقية.

* يحظى الجيش بدور كبير في تركيا، هل له دور بالحياة السياسية؟ وما صحة ما يثار عن وجود تغير تدريجي بالنهج في تركيا بهدف التراجع عن العلمانية؟

ـ إن القوات المسلحة التركية من أكبر القوات عالميا، وبحكم الموقع الذي تحتله تركيا لابد أن تكون لديها قوات مسلحة، غير أن الدستور المطبق في تركيا يوزع الصلاحيات والسلطات، وبموجب ذلك فكل جهة تعمل ضمن حدود صلاحياتها والأركان العامة للقوات المسلحة تابعة لمكتب رئيس مجلس الوزراء وليس هناك أي اختلاف في وجهات النظر بين القوات المسلحة ورئاسة مجلس الوزراء،

والتطورات الأخيرة أكدت صحة هذا القول، وبحال حدوث أي اختلاف يمكن التغلب عليه لأن تركيا دولة ديمقراطية وهي في الوقت ذاته علمانية وستحتفظ بهذه الخاصية لها، وتأكدوا أن تركيا ستبقى علمانية وديمقراطية.

* هناك طرح يقول إن التعديلات الدستورية الأخيرة جاءت لتضع تركيا على طريق التغيير، ما رأيكم؟

ـ هذا صحيح تم تعديل الدستور، لكن بشكل محدود وعبر الاستفتاء.

أما الحديث عن إصدار دستور جديد فهذا موضع مناقشة، والكل يبدي رأيه بمطلق الحرية، لكن إلى الآن لم يصلني مشروع أو مسودة للدستور الجديد، ربما خلال الأشهر المقبلة يمكن أن نتسلم هذا المشروع الخاص بالدستور الجديد الذي سيأتي بناء على اقتراح النواب، وأغلب الاحتمالات أن يتم تقديم مسودة الدستور من قبل النواب التابعين لحزب العدالة والتنمية.

* ما أبرز معالم هذا التغيير والجوانب التي يتم التركيز عليها في التعديل؟

ـ الأغلبية التي تطالب بتعديل الدستور ووضع تعديلات تلبي رغبة الشعب في أن يكون الدستور الجديد أكثر ديمقراطية وليبرالية ودستورا معاصرا.

* هل لذلك علاقة بحظر الأحزاب في تركيا بين فترة وأخرى؟

ـ لا ليست له علاقة.

* كيف تصفون العلاقات التركية الأميركية اليوم، هل هي مستقرة أم متذبذبة؟ والى أين تتجه في ظل المتغيرات؟

- العلاقات التركية الأميركية تسير في اتجاه مرض للجانبين، ونقول في المثل التركي «نتمنى إلا يصيبها الحسد».

تركيا والولايات المتحدة دولتان متفقتان ومتفاهمتان منذ فترة طويلة، لكن قد تكون هناك بعض الاختلافات من حين لآخر نظرا لتناقض المصالح، وتركيا تولي اهتماما بعلاقاتها مع الجانب الأميركي، ولعل الدليل على ذلك التعاون مع القوات التركية في مناطق مختلفة من العالم، وحاليا يوجد تعاون عسكري بين البلدين في أفغانستان ولبنان ودول البلقان لاستتباب الأمن في هذه المناطق،

وعلاقتنا بالدول المجاورة ممتازة ويسودها التعاون، لنا علاقات جيدة مع سوريا سادت في الأعوام الأخيرة ومنذ زيارة الرئيس د.بشار الأسد إلى أنقرة، حيث تم تدارس جميع المسائل التي تحظى بتطابق في وجهات النظر بين سوريا وتركيا وحول ضرورة الحفاظ على وحدة

وسيادة الأراضي العراقية من قبل سوريا وإيران والكويت الشقيقة، وتركيا تبذل جهودها الرامية لإيجاد الحلول للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي ومؤخرا استقبلنا الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لتقريب وجهات النظر.

* كيف تنظرون إلى الوضع الحالي في المنطقة بالنظر إلى الملف النووي الإيراني وانعكاساته على العلاقات التركية الأميركية في المنطقة؟

ـ مادام الهدف من استغلال الطاقة النووية للأغراض السلمية، اعتقد أنه من المسلم احترام الدول لذلك ولا يمكن أن تدافع أي دولة إذا كان الاستخدام لغرض غير سلمي، نحن نقول لأصدقائنا الإيرانيين ليس لدينا شك في أنكم تواصلون جهودكم للاستفادة من الطاقة النووية للأغراض السلمية، ومادامت هذه نيتكم عليكم إقناع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأن تفتحوا مشاريع برنامجكم لهذه الوكالة.

* علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي، كيف ترونها في ظل الموقف الفرنسي المعارض لانضمامها إلى الاتحاد؟

ـ نحن داخل تركيا نواصل جهودنا الهادفة لرفع مستوى تركيا إلى دول الاتحاد الأوروبي وتحقيق المعايير المطلوبة وقطعنا شوطا كبيرا في الجانب السياسي والآن نعمل جاهدين لتحقيق المعايير الاقتصادية، ونحن وضعنا لأنفسنا خريطة الطريق ونسير في إطارها ولا نعطي أهمية كبرى لما يقوله الرئيس نيكولا ساركوزي، المهم هو عملنا المتواصل في تركيا،

فنحن نعلم جيدا ان بعض الجهات في أوروبا ترفض تركيا لأنها دولة مسلمة وليس لها مكان على حد قولهم في إطار الاتحاد الأوروبي، لكن إذا أصرت هذه الجهات على ألا يفتح الاتحاد أبوابه أمام تركيا فستجد نفسها عاجزة عن توضيح موقفها لدول العالم، ولهذه الجهات مطلق الحرية إذا كانت تصر على موقفها، لكننا سنقول لهم حينها «لكم دينكم ولنا ديننا»،

وعلى كل حال فالرئيس الفرنسي وغيره من الذين يتبنون هذا الرأي لا يمكن أن يكونوا سببا في قطع علاقاتنا مع مواطنينا الذين يشكلون أكثر من 400 مليون نسمة، ومع البلقان، ولا يمكننا أن نجمد علاقاتنا وروابطنا مع دول الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى.

* ماذا عن أفق العلاقات مع أرمينيا؟ وهل تتوقعون حلا للأزمة بين البلدين أم ستستمر قصة إبريق الزيت بينهما؟

ـ سأقول ما قاله رئيس الوزراء أردوغان: ينبغي على السياسيين أن يتركوا هذه المسألة للباحثين والمؤرخين، والمزاعم التي سمعتموها الخاصة بالعام 1915 يمكن تركها لفريق مكون من المؤرخين الأرمن وعلماء تاريخ عبر العالم. وأضاف رئيس الوزراء: «نحن نقبل التقرير الذي يصدر من لجنة البحث التاريخي، لكن الجانب الأرميني لم يرد على المطلب التركي».

حوار: محمد الحسيني وبشرى الزين