فوق المبنى تجلس فتاة تحمل كوب شاي ساخن، وهي تستمع بعناية إلى صديقها غير مكترثة لضجيج السيارات ونظرات المارة لهما.. في الحقيقة هما وحدهما تماما، وخلفهما غابة من الأشجار كتب في سمائها «الحياة أفضل بلا حدود».. هذه الفتاة، مجرد صورة في إعلان خاص بإحدى شركات الاتصالات الخلوية في الأردن وضع فوق مبنى يقع في وسط أرقى شوارع العاصمة.
وفي إحدى شوارع عمان أيضا كان أب يقود سيارته، معه طفلته التي صاحت فجأة: «أبي. أبي انظر ماذا تفعل هذه الفتاة» نظر الأب ثم قال لها: «هذا إعلان يا بابا». فسألته: «ولكن ماذا تفعل الفتاة؟». فأجابها: «تأكل الحلوى فردت عليه: «أريد منها». هذا هو المطلوب. أن يشتهي الجمهور شراء السلعة، وليس المهم إدراك لذة أكل الحلوى، ولكن يكفي إدراك لذة شرائها واستهلاكها. هنا تكمن المعادلة المعاصرة. وساعدت ثقافة وأسلوب الحياة الحديثة على ذلك، ولهذا خرج المعلنون باستنتاجاتهم: «لماذا الانشغال بطلاء جسور البناء شهرا بعد آخر، أو ترك الصدأ يملأ كل المساحات العريضة الفارغة فيه تلك المعرضة لعيون السائقين والمارة... ضعوا عليها إعلانا». إعلان آخر على جدار مبنى مواجه لشارع رئيسي «هذا المبنى صورة لحسناء وهي تنزل على الدرج بخجل وفخر معا.. لما لا! فصديقها الذي يظهر معها في الصورة يكاد يجن لجمالها، واصفا إياها «أميرتي».
إعلانات الشوارع أضفت على المكان ألوانا وصورا وسعت ضيق المدينة، هدفها ليس الجمال، فكل التفاصيل العذبة والجميلة التي تدغدغ المشاعر الإنسانية هدفها واحد، السلعة.
المدهش في الأمر أن المعلن والمستهلك يدركان ذلك، وسعيدان به. لما لا!؟
إذن بكل بساطة: «ارفع رأسك.. أمامك إعلان». هذا المضمون يحمله أيضا إعلان صغار التجار، أو التجار الفقراء في شوارع وسط عمان الشعبي وإن كانت إعلاناتهم أقل ترفا بكثير وأكثر تواضعا مما تقدمه إعلانات عمان الغربية المترفة.
ولكنها على أي حال تتناسب مع حاجة زبائنهم، تماماً كما تقتضي شروط عمل الإعلان النموذجي، فهؤلاء التجار يقدمون سلعتهم بذكاء لمستهلكها القاطن في المناطق الشعبية.
يقول إعلان لتاجر صغير يبيع الحبوب وسط عمان: «لا عناء بعد اليوم، بفضل فريكة أبوسلام الخالية من الشوائب»، «من الجرش إلى الكرش». هذا الإعلان يخلو من الصور، وهو أمر مفهوم للغاية فلا يمكن أن يضع التاجر صورة فتاة جميلة تأكل الحبوب بلذة على أريكة قرب البحر.
تلك هي حرفة المعلن على العموم.. اللعب على نفسية المستهلك لضمان شرائه. فتحقيق أكبر قدر من الجماليات ليس الهدف وإنما الوسيلة.
عمان ـ لقمان اسكندر

