دارفور جرح نازف اقترب عمره من سنوات خمس عجاف، وقودها مئات الآلاف من النازحين والمهجرين ممن وجدوا أنفسهم وسط صراع تجاوز أطره التقليدية بين مزارعين تنتمي غالبيتهم إلى قبائل افريقية، ورعاة رحل من العرب على مياه شحيحة وموارد محدودة، ليصل إلى تمرد مسلح من حركات رفعت لواء «انتزاع الحقوق» من حكومة مركزية يتهمونها باعتقال عملية التنمية في الإقليم الواقع أقصى غرب السودان، وهضم نصيبه العادل من الثروة والسلطة.
ورغم الجهود الحثيثة التي سعت إلى إنهاء النزاع والعودة إلى مربع السلم والاستقرار، لا يزال الوضع على حاله، في إقليم لطالما انتظر أبناؤه هطول المطر الأخضر فوق ترابه في ظل تعقد الموقف بفعل أجندات محلية وإقليمية ودولية متعارضة، رغم أن السلام ليس بيضة ديك مستحيلة.
في فبراير العام 2003 كان إقليم دارفور، الذي تبلغ مساحته 510 آلاف كيلومتر مربع (مساحة ثلاث دول أوروبية هي فرنسا وهولندا والبرتغال) وبعدد سكان نحو 6 ملايين نسمة، على موعد مع اندلاع نزاع ملتهب بإعلان جماعتين متمردتين هما: «حركة تحرير السودان» و«حركة العدالة والمساواة» العصيان على الحكومة المركزية في الخرطوم، تحت لافتة عريضة عنوانها: «إنهاء تهميش إقليم دارفور تنمويا وسياسيا».
وقتها قيل الكثير، ولا يزال، عن إهمال عملية التنمية في دارفور، وكون حصة الإقليم من المشروعات الحديثة الصناعية والزراعية، والخدمات مثل التعليم والصحة، لا تتناسب البتة مع ما يسهم به الإقليم في الميزانية العامة للدولة.
هذه الشرارة التي اندلعت في سماء دارفور، أطلقت سيلا من التماعات المطالب، وضجت أصوات أبناء الإقليم ممن انخرطوا في حركة التمرد بالشكوى، ما اعتبروه تمييزا سلبيا ضدهم من بعض أبناء وسط وشمال السودان. ولهج البعض بتعبيرات من نوع «أولاد البحر» أي النيل الذين يهيمنون على الثروة والسلطة، مقابل «أبناء الغرب» أو أبناء دارفور المحرومين والمهمشين من قبل الحكومات المركزية التي تعاقبت على الخرطوم منذ استقلال السودان في الخمسينيات من القرن الماضي.
احتقان تحت الجلد
هذا الاحتقان الذي كان كامنا تحت الجلد عبر سنوات طوال، عبر عن نفسه في نزاعات سابقة شكل الصراع بين الرعاة والمزارعين على الموارد الشحيحة وقودها الأساسي، كما حدث في عام 1989 عندما اندلع نزاع عنيف بين قبيلة الفور ومجموعات عربية، لكنه سرعان ما انتهى بصلح قبلي في الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور حاليا.
وبعد أقل من عشر سنوات تفجر صراع مماثل لكنه كان بين العرب وقبائل المساليت في غرب دارفور هذه المرة، ودارت اشتباكات ومناوشات بين عامي 1998 و2001 قبل أن يجري احتواؤها باتفاقية سلام بين الطرفين.
طبيعة المجتمع في دارفور كما يقول «الشرتاي» إبراهيم عبدالله مستشار والي جنوب دارفور للنزاعات القبلية، خلال لقاء شاركت فيه «البيان» في نيالا عاصمة جنوب دارفور، تجعل من الأعراف والتقاليد سبيلا في غالبية الأوقات إلى فض النزاعات. وأشار «الشرتاي» وهو لقب يحمله الرجل نظرا لمكانته بين عشيرته وأهله، إلى أن الصراع في دارفور يعود في جوهره إلى التصحر وشح المياه في الإقليم، وما رافقه من بروز لظاهرة النهب المسلح في نهاية السبعينات من القرن الماضي.
غير أن الصراعات في الأيام الخوالي كما يقول الشرتاي كانت تقتصر على استخدام السلاح الأبيض، لكن بعد امتلاك البنادق بات الأمر مختلفا.
وأضاف أن ضعف الأجهزة الأمنية وعدم التدخل السريع في فض النزاعات، فاقم من الوضع الذي أضيفت إليه أجندات سياسية بظهور حركات التمرد ضد الدولة، حتى تحولت دارفور إلى ساحة لكل من له أجندة، على حد قوله. ولم ينس الإشارة إلى أن الحروب أفقدت الثقة بين القبائل فيما أجج المستفيدون النفوس بينها فأصبح الاحتكام إلى الحلول القبلية للنزاعات أقل تأثيرا.
وحتى نضع كلام «الشرتاي» في صلب القضية، نقول إن القبائل في دارفور تنقسم إلى مجموعتين الأولى تضم القبائل ذات الجذور الإفريقية وغالبيتها من المزارعين المستقرين في القرى والأرياف مثل الفور والزغاوة والمساليت والداجو والتامة، ومجموعة ثانية ذات أصول عربية تعمل بالرعي خاصة البقر والإبل ومنها قبائل: المحاميد وزيلات والمهرية وبني حسين والمعاليا والزريقات.
وبقي أن الإسلام يجمع بين غالبية تلك القبائل سواء في شقها الإفريقي أو العربي وهناك تزاوج ومصاهرة بين بعضها البعض، ولا يفرق بينها حتي لون البشرة.
سلاح بالكتاب الأسود
الشعور بالتهميش وغياب التنمية لسنوات طويلة فتح الباب أمام حركات التمرد التي رأت في اتفاق نيفاشا لسلام الجنوب بين «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بزعامة الراحل جون قرنق والحكومة السودانية حافزا لتصعيد مطالبها بتقاسم الثروة والسلطة، وسرعان ما خرجت إلى الوجود حركة «جيش تحرير السودان» بقيادة ميني آركو ميناوي قبل أن ينشق عنها فصيل محمد عبدالواحد محمد نور عقب توقيع اتفاق ابوجا في 5 مايو 2006.
و«حركة العدالة والمساواة» التي يتزعمها د. خليل إبراهيم الذي اصدر كتابا شهيرا سماه «الكتاب الأسود» وتحدث فيه عن احتكار السلطة في الخرطوم بيد أولاد البحر على حساب أبناء الغرب من أبناء دارفور وباقي مناطق السودان الأخرى.
وبإعلان الحركتين في فبراير 2003 العصيان على الحكومة المركزية دخل إقليم دارفور مرحلة شائكة، سالت خلالها الدماء وتشرد الآلاف من قراهم وحواكيرهم (أي مسالك الرعي وورود الماء).
لكن من أين وصل السلاح إلى أيدي المتمردين من جانب وبعض القبائل العربية، التي يتهمها البعض بالانخراط في الصراع إلى جانب الحكومة؟
هنا نعود إلى أيام الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري الذي واجه في السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي، حركة معارضة في دارفور التي رفض أبناؤها تعيين نميري واليا عليهم من خارج الإقليم هو محمد علي المرضي، الذي ينتمي إلى منطقة كردوفان.
وقتها قادت حركة المعارضة (الجبهة الوطنية) التي أدخلت الدفعة الأولى من السلاح إلى دارفور وقامت بتخزينها طبقا لبعض الروايات في 20 حفرة في وادي هور. وبعد مصالحة بين الطرفين قامت الجبهة الوطنية المعارضة وإثباتا لحسن النية بإرشاد الجيش السوداني إلى مكان تخزين السلاح، لكن الجيش وجد عددا من الحفر وقد اختفى السلاح منها تماما.
بعد ذلك، تسربت كميات أخرى من السلاح إلى الإقليم في إطار النزاعات التشادية التشادية، حيث شكلت دارفور معبرا للأسلحة الذاهبة إلى المتنازعين في البلد المجاور من الجهات الداعمة لهذا الطرف أو ذاك. فيما يشير عدد من المتابعين للملف الدارفوري إلى تسليح القبائل العربية في عهد حكومة الصادق المهدي في مواجهة تمدد «حركة تحرير السودان» بقيادة قرنق، ويقول البعض إن تسليح تلك القبائل استمر في عهد الحكومة الحالية وهو ما أسهم في تفاقم الانفلات الأمني في دارفور.
«الجنجويد» في الميدان
خلال زيارة قمت بها إلى السودان استمرت 12 يوما، وتخللتها جولة على معسكرات النزوح في ولايات دارفور الثلاث، كان اسم «الجنجويد» حاضرا في كافة اللقاءات، ولكن عبر رؤيتين مختلفتين: واحدة جاءت على لسان النازحين الذين اتهموا هذه الميليشيا التي تشكل لغزا بحرق قراهم وقتل أقاربهم بمساندة الحكومة.
وأخرى كانت على لسان المسؤولين الحكوميين الذين أنكروا وجودها واكتفوا بالإشارة إلى أنها مجرد مجموعة من قطاع الطرق وعصابات السلب والنهب، التي ليس للحكومة أي علاقة بها من قريب أو بعيد.
وبعيدا عن الاتهام ونفيه، فان كلمة «جنجويد» تتكون من ثلاثة مقاطع هي: «جن» بمعنى رجل، و«جاو» ويقصد بها مدفعا رشاشا من نوع «جيم 39» المنتشر في دارفور، وأخيرا «يد» أي جواد.
والكلمة في معناها «الرجل الذي يحمل رشاشا فوق صهوة جواد». وقد نسبت معظم العمليات والانتهاكات ضد المدنيين إلى هذه الميليشيا، رغم أن حركة التمرد لم تسلم بدورها من القيام ببعض الانتهاكات وخاصة حركة تحرير السودان.
وفقا للإعلام الغربي وبعض المنظمات غير الحكومية والدولية، نتج عن اندلاع المعارك في دارفور مقتل نحو 200 ألف شخص فيما خلف الصراع أكثر من 2 مليون نازح. وهي أرقام تشكك فيها الحكومة السودانية، إذ أكد لنا أكثر من مسؤول سوداني على أنها أرقام مبالغ فيها كثيرا، وان النازحين لا يتجاوزون 600 إلى 900 ألف، فيما القتلى لا يتعدون بضعة آلاف أو 9 آلاف على أكثر تقدير.
معسكرات النزوح
في زيارة استمرت يومين لمعسكرات النزوح في الفاشر ونيالا التقت «البيان» العديد من المهجرين الذين راحو يجترون معاناتهم.
كانت الشمس في كبد السماء عندما اقتحمت سيارات الدفع الرباعي التي تقلنا مدخل مخيم أبو شوك على أطراف مدينة الفاشر، وهو عبارة عن شارع رئيسي تصطف على جنباته عشرات المحلات الصغيرة التي تتولى بيع كل شيء، من التبغ إلى أشرطة الكاسيت مرورا بالخضروات والفواكه، فيما كانت مئات الخيم وبيوت القش تتناثر هنا وهناك.
تحلق حولي عدد من الشباب والأطفال بمجرد أن نزلت من السيارة، ظن البعض في البداية أننا نمثل إحدى منظمات العمل الإنساني التي تتولى تزويد النازحين بالغذاء والمواد الطبية، لكن عندما أدركوا طبيعة عملنا أشار البعض إلى رجل يناهز الستين عاما قالوا انه العمدة، اقتربت منه قال:اسمي حسن عبدالله باخور، كنت عمدة في قرية الطويلة قبل أن انتقل مع النازحين إلى هنا. أنا واحد من بين 21 عمدة يضمهم هذا المعسكر.
بعد ذلك دخل الرجل في صلب الموضوع حتى قبل أن اسأله قائلا: السبب الرئيسي في نزوحنا هم الجنجويد، فقد قام هؤلاء بدعم من الحكومة بالاعتداء علينا. قلت له إن الحكومة تقول إن هؤلاء مجموعة من قطاع الطرق من مختلف قبائل المنطقة ولا علاقة لها بهم؟.
سارع الرجل بالرد: من اعتدوا علينا كانوا يرتدون زيا عسكريا يشبه لباس جنود الحكومة. وهنا التقطت خيط الحديث امرأة عجوز ربما تجاوز عمرها السبعين عاما قائلة: أنا مريم يوسف حسن جئت من قرية الجدارة التي تبعد كثيرا عن الفاشر بعدما حرق «الجنجويد» قريتي. سألتها من هم «الجنجويد»؟ اجابت: أناس يرتدون الكاكي ويركبون الجمال والخيول وبعضهم عربات وقاموا بالاعتداء علينا وكانت الطائرات تحوم فوق رؤوسنا.
عدت إلى العمدة حسن باخور، وسألته ماذا يريد حتى يعود إلى قريته؟ فرد: كل ما نريده إعادة إعمار بيوتنا وتعويض من ضاع ماله وتوفير الأمن في قرانا وعندها سوف نعود. قلت له إن الحكومة تسعى من جانبها لتوفير الأمن ووقعت على اتفاق السلام وأعطت للمتمردين مناصب ومميزات، ويقال إن المتمردين يستغلون بقاءكم في المخيمات للدعاية في الخارج؟ فرد: هذا الكلام غير صحيح واذهب إلى قرانا حتى ترى كيف حرقت.
تدخل في الحديث شاب كان يقف على مقربة لكنه لم يذكر اسمه، قال: نحن رهينة الحكومة وحركات التمرد، كل ما يعنينا السلام والأمن وكل من في هذا المخيم أناس عاديون وبسطاء، يقيمون في حماية الحكومة وبالتالي فهي مسؤولة عنهم ونحن في رقبتها وليس في رقبة المتمردين.
نازح آخر هو إسماعيل علي، في العقد الثالث، كرر نفس الاتهامات للحكومة ول«الجنجويد» بحرق قريته. قلت له: إذا كانت الحكومة متورطة فلماذا أقامت لكم هذا المعسكر وتتولى حمايتكم؟ فرد: الحكومة لا تطعمنا، المنظمات الدولية من يقوم بمساعدتنا، وكل ما نريده أن تتفق الحكومة والحركات المتمردة في الداخل والخارج من اجل العودة إلى قرانا.
في معسكر السريف المقام على أطراف مدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور، التي تبعد عن الفاشر مئات الكيلو مترات، كان المشهد اشد بؤسا.. فالمكان عبارة عن ساحة كبيرة تكتظ بها الخيام الصغيرة المصنوعة من بقايا أكياس الطحين التي توزعها منظمات الإغاثة.
تحدثت في البداية إلى عدد من الأطفال الذين التحق أهلهم بالمخيم قبل أن يتعلموا النطق، والان بات بعضهم في المدارس بعد طول المقام.
عاطف ادم محمد في السابعة من عمره كل ما يعرفه انه جاء من اباجورة ليتعلم الاناشيد في المدرسة المقامة قرب المخيم، اما اخته فردوس الأكبر سنا(13 عاما) فقالت إنها تود العودة إلى قريتها لان المدرسة القريبة من المعسكر لا تتعلم فيها شيئا.
قرب خيام مهترئة تحدثت إلى مجموعة من النسوة كن يتابعن المشهد. قالت واحدة منهن (في العقد الرابع): اسمي امونة حسن، جئت مع زوجي وأبنائي من كشالانجو وهي ليست بعيدة ولا قريبة من نيالا وانها لا تعرف أسباب القتال لكن كل ما تريده الأمن والسلام والعودة إلى قريتها.
أمام كومة من أعواد السنط الجافة المليئة بالأشواك، كان هارون محمد رمضان الذي شارف على الستين عاما يقف حاملا هموم الكون فوق رأسه. سألته ما بك؟ قال: أنا من قرية دونكي دريسه وحرق «الجنجويد» بيتي واخذوا أبقاري، والآن أنا مجبور على الإقامة هنا.
رؤية حكومية
منذ اندلاع الصراع تمسكت الحكومة السودانية بأنه يعود إلى قلة الموارد وشح المياه وليس لأسباب سياسية كما تقول حركات التمرد.
وفي لقاء قبل وفاته بأسابيع في حادث سير، قال لنا مستشار الرئيس السوداني مجذوب الخليفة الذي كان قابضا على ملف دارفور، إن الصراع على الموارد كان سببا في تفجر الوضع في دارفور وساهمت في تأجيجه العديد من العوامل بينها قرب الإقليم من المناطق الملتهبة في تشاد.
في إشارة إلى الأبعاد الإقليمية للصراع، وأشار الرجل في اللقاء إلى ان الجار شهد حربا تشادية تشادية في فترة وأخرى تشادية ليبية في فترات أخرى، وبحكم امتداد وتداخل 18 قبيلة بين السودان وتشاد كان لابد وان يتأثر الإقليم بما يدور في محيطه.
محاولات لإنهاء الصراع
وفي خضم النزاع جرت خمس محاولات لإخماد نيرانه، أولها بدأت باتفاق مدينة ابشي التشادية في سبتمبر 2003، ثم اتفاق انجامينا في ابريل 2004 وأديس ابابا (يونيو 2004)، قبل الوصول إلى محطة ابوجا التي استغرقت ما يقرب من عامين، قبل توقيع اتفاق بين الحكومة من جهة.
و«حركة تحرير السودان» جناح ميني ميناوي، وعدد من الحركات المنشقة عن فصائل التمرد الرئيسية في مايو 2006، وهو الاتفاق الذي رأت فيه مجموعة الأزمات الدولية نقصا يهدد باستمرار النزاع، مشيرة إلى أن رفض فصيل عبدالواحد و«حركة العدل والمساواة» التوقيع على الاتفاق يعود إلى مطالبة عبد الواحد بالمزيد من المشاركة المباشرة ل«جيش تحرير السودان»، في تنفيذ الترتيبات الأمنية وعدم رضاه عن أحكام الاتفاق الخاصة بالتمثيل السياسي وبإنشاء صندوق تعويضات لضحايا النزاع.
أما المحاولة الخامسة فتلك التي بدأت في مدينة سرت الليبية في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر الماضي، بين الحكومة وعدد من حركات التمرد الصغيرة في ظل مقاطعة حركتي «تحرير السودان» جناح عبدالواحد نور و«العدل والمساواة».
وكما مرت محاولات حل النزاع بمحطات مختلفة، لم يتوقف الحديث عن الأبعاد الدولية في الصراع مع تصعيد الولايات المتحدة والدول الغربية من لهجتها ضد السودان وتهديده بسيف العقوبات، وانهماك وسائل الإعلام الغربية في تقديم أسوأ صورة لما يدور فوق أرض دارفور، متهمة «الجنجويد» بدعم من الحكومة في عمليات قتل واغتصاب للنازحين الذين ضجت بهم معسكرات التهجير داخل مدن دارفور الكبرى وشرق تشاد.
أجندات وأحداث
جرفت الأحداث والمأساة الإنسانية للضحايا في طريقها ملف دارفور من محيطه المحلي والإقليمي إلى راحبة الساحة الدولية بدخول الاتحاد الافريقي والأمم المتحدة بضغط أميركي من اجل حض حكومة الخرطوم على السماح بدخول قوات هجين قوامها 26 ألف جندي تتكون من قوات تابعة للاتحاد الافريقي وأخرى تابعة للأمم المتحدة لحفظ السلام في الإقليم، وبعد شكوى القوات الافريقية المنتشرة في الإقليم (7 آلاف جندي) منذ 2004 أنها غير قادرة على القيام بمهمتها.
والحديث عن الأجندة الأميركية في صراع دارفور كما يقول الباحث في العلوم السياسية هاني رسلان، يهدف إلى جعل السودان جزء من القرن الافريقي الكبير وعزل مصر من الجنوب، عبر تجزئة السودان من الداخل والهيمنة على مقدراته وافرقته سياسيا كمقدمة لافرقته ثقافيا.
هذه الرؤية ربما تختلف مع إشارات محللين آخرين يضعون التدخل الأميركي في ملف دارفور في إطار صراع اقتصادي مع الصين على نفط دارفور. غير أن النظرة الأخيرة يضعفها نفي المسؤولين السودانيين وفي مقدمتهم وزير الطاقة والتعدين الدكتور عوض أحمد الجاز استخراج أي نفط من دارفور حتى الآن.
وأشار الرجل خلال لقاء في مكتبه في الخرطوم إلى ان شركة «شيفرون» الأميركية تركت التنقيب عن النفط في السودان بمحض ارادتها ولم يجبرها احد على إلغاء عام 1983عقد وقعته مع الحكومة السودانية بعدما حصلت على مستحقاتها.
كما «ان شيفرون لم تكن تعمل في دارفور بل كان مرخصا لها بحقول في منطقة كردفان وولاية الوحدة في الجنوب وحصلت على التكاليف ووقتها خيرت شيفرون بين الاستمرار في العمل أو أن تحصل على التكاليف ويعود الترخيص للسودان وهي اختارت برضاها الحصول على التكاليف التي دفعتها الدولة.
وحتى ولو أن شركة شيفرون موجودة في السودان فان النفط ليس ملكها لأنها كانت متعاقدة مع الدولة المالك لهذا النفط بالأساس، وفي كل العالم الشركة تستثمر مع الدولة المالكة للنفط».
وعن المخزون النفطي المتوقع في دارفور قال: «رخصنا بحكم المعلومات الجيولوجية بأنها مناطق يفترض إن بها نفطا ولن نؤكد على ذلك إلا بعد أن يبدأ الحفر ونحن الآن تقريبا رخصنا حقلا واحدا لم يبدأ فيه العمل ولم نستخرج من دارفور جالون نفط واحدا حتى الآن، ونتمنى إن شاء الله أن نكثف الجهد إذا كان هناك أي نفط موجود في دارفور من اجل استغلاله وحتى تنعم دارفور بخدمات وتنمية لأنها تحتاج إلى عمل تنموي كبير.
وبالنسبة لليورانيوم نسمع كثيرا جدا عنه لكن لم نبحث عنه بعد وليست لدينا معلومات حقيقية كي نقول لكم هل هناك يورانيوم ام لا، وهذه هي الحقائق وأنا مسؤول عن التعدين وعن النفط».
والى جوار الدور الأميركي في النزاع، هناك لاعبون آخرون مثل ليبيا وتشاد، بحكم الجوار الجغرافي، ورغبة الأولى لعب دور إقليمي على الساحة الافريقية، فيما التداخل بين القبائل والتأثيرات السودانية على مجريات الأحداث في انجامينا تجعل من تشاد لاعبا في المعادلة.
أما فرنسا فقد برز دورها في الفترة الاخيرة بقوة نظرا لوجودها في تشاد وخوفها من تداعيات النزاع الدارفوري على الفرانكوفونية في القارة السمراء.
صراع معقد وحلول ممكنة
لكن هل يستعصى الصراع الدارفوري على الحل، الإجابة فضلت أن تكون على لسان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الذي زار في سبتمبر الماضي إقليم دارفور، وقال حينها، وفقا لمقال وزعته الأمم المتحدة: نتحدث كثيرا وبإسهاب عن دارفور. لكن ما الذي يمكننا قوله بثقة؟
إذا استخدمنا طريقة الاختصار المعهودة، فهي مجتمع في حالة حرب داخلية. المتمردون يقاتلون الحكومة والحكومة تقاتل المتمردين. لكن الواقع أكثر تعقيدا من ذلك والأطراف ليست دائما واضحة. وفي الآونة الأخيرة، أصبح القتال في كثير من الأحيان يؤلّب قبيلة ضد قبيلة وأمير حرب ضد أمير حرب.
كذلك لم تعد الأزمة تقتصر على دارفور، فقد تجاوزت الحدود مما أدى إلى زعزعة استقرار المنطقة. ودارفور هي أيضا أزمة بيئية، وصراع ناشئ جزئيا على الأقل عن التصحر والتدهور البيئي وندرة الموارد، ولاسيما المياه.
لقد عُدت لتوي من رحلة دامت أسبوعا في دارفور والمنطقة. ذهبت لكي أستمع إلى الآراء الصريحة لشعبها من المسؤولين الحكوميين السودانيين وأبناء القرى المشردين بسبب القتال الدائر والعاملين في مجال المساعدة الإنسانية وقادة البلدان المجاورة.
وخلُصت من ذلك بفهم واضح للمسألة، إذ لا يمكن أن يكون هناك حل واحد لهذه الأزمة.
ذلك أن دارفور تشكل دراسة حالة فريدة من حيث التعقيد، ولا بد من مراعاة جميع العناصر التي أوجدت الصراع إذا أريد للسلام أن يحلّ في المنطقة. وكل شيء رأيته وسمعته جعلني أقتنع بأن بلوغ هذا الهدف أمر ممكن، وعلينا أن ننجح في ذلك.
حركة العدل والمساواة
حركة العدل والمساواة هي ثاني أكبر حركات التمرد في دارفور. وإذا كان الفور هم من أسس حركة تحرير السودان فإن أبناء قبيلة الزغاوة قد أسسوا حركة العدل والمساواة.
وقد جاءت الحركة في ظل انشقاق عرفته حركة تحرير السودان سنة 2001. ويتزعم تلك الحركة الدكتور خليل إبراهيم محمد، وهو وزير سابق للأمن في حكومة الرئيس السوداني عمر البشير.
أصدر خليل إبراهيم ـ قبل تأسيس الحركة ـ مؤلفا بعنوان «الكتاب الأسود» عام 1999 وتم توزيعه سراً ولم يكن يحمل اسم مؤلفه.
ويحتوي الكتاب على تقويم عرقي للوظائف والمناصب العليا في السودان أشار فيه إلى أن 800 من أصل 887 وظيفة، يشغلها موظفون شماليون.
حركة تحرير السودان
حركة تحرير السودان أكبر الفصائل المتمردة حيث ينتمي مسلحوها أساسا من قبائل الزغاوة والمساليت والفور.
وعرفت الحركة في البداية باسم «جبهة تحرير دارفور» وكانت عضويتها مقصورة على بعض أبناء قبيلة الفور الأفريقية. وبعدما انفتحت على أبناء القبائل الأخرى بالإقليم أطلقت على نفسها الاسم الحالي وذلك يوم 14 مارس 2003.
ويتزعم الحركة المحامي عبد الواحد محمد نور -وهو من قبيلة الفور وكان عضوا في الحزب الشيوعي السوداني.
تحقيق: طلعت إسماعيل
