حجم الضغوطات التي تواجهها طهران يجعلها في وضع لا تحسد عليه بالتأكيد، فكم هو صعب أن تصمد أمام القوى العظمى بل أن تتحداها! لكن ما تُحسد عليه إيران ربما هو دبلوماسيتها التي تعمل بحيوية وكفاءة عالية وعلى رأسها وزير الخارجية منوشهر متقي، رجل الكلمات المحسوبة والمواقف الذكية والجولات المكوكية.
يتحدث في حوار اليوم الذي تنشره «البيان» بترتيب خاص مع الزميلة «الأنباء » الكويتية عن مختلف القضايا المحورية في سياسة بلده بشقيها الداخلي والخارجي، بدءا من الملف النووي حيث أكد على الترحيب بالعرض السويسري بإقامة شركة دولية للطاقة النووية وأي عرض آخر وإنما كـ «مكمل» لعملية التخصيب الحالية في إيران وليس كبديل عنها.
وعن التهديدات الإسرائيلية يرى متقي أنها أقرب إلى المزاح منها إلى الجد وكذلك التهديدات الأميركية لأن احتمال الحرب الأميركية على إيران «غير وارد»، فكيف لأميركا أن تحاور إيران لكي تخرجها الأخيرة من أتون الأزمة التي أضرمتها في العراق وتُشعل بالمقابل حربا جديدة كلفتها عالية وسيتحمل نتيجتها المواطن الأميركي ضرائب واستنزافا؟
ولا يُزعج متقي أن يوجه الرئيس محمود أحمدي نجاد انتقادات لوزارة الخارجية كقوله إن بعض اتجاهاتها لا تتطابق مع اتجاهات الدولة «فهو الرئيس وهو صاحب الحق في الرأي والتقييم».
ويستخف الوزير الإيراني بمن يراهنون على خلافات داخلية في بلاده لأن البلد كما متحد بكل فرقائه في المسائل الوطنية الحيوية.
كما يستنكر الحديث عن وجود اضطهاد للأقليات في بلده ويؤكد أن المسلمين السنة الإيرانيين إخوة للمواطنين الشيعة يتساوون معهم في الحقوق والمواطنة. ويرى متقي أن اللبنانيين باتوا أقرب إلى التوافق الذي حالت دونه حتى الآن التدخلات الخارجية المعروفة.
وفي ما يلي تفاصيل الحوار مع الوزير منوشهر متقي:
ـ نبدأ من التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية والحرج الذي وقع فيه السيد محمد البرادعي، ما ملابسات ما حدث؟ وهل حصل تحول في موقف الوكالة؟
ـ المسار الذي انتهجته الوكالة الدولية مسار بناء. الإطار الجديد لتعاوننا مع الوكالة الدولية كان إطارا متفقا عليه من قبل الجميع، ونحن ملتزمون به، وعلى هذا الأساس فإن الوكالة الدولية إذا كان لديها أي استفسارات أو أسئلة فلتتوجه بها الينا.
والتقرير الذي تقدم به البرادعي أكد فيه في 6 مواقع أن ما توصلت إليه الوكالة من خلال دراستها يتطابق مع ما قدمه الجانب الإيراني. إذن فإن الوكالة قد تلقت الإجابات للأسئلة التي وجهتها إلينا، وتحديدا بالنسبة إلى البلوتونيوم وأجهزة الطرد المركزي بي 1 وبي 2 وأوضحنا الموقف تماما.
وبشكل عام فإن الدول وأصحاب الرأي أبدوا وجهة نظرهم واعتبروا أن التقرير ايجابي، ولكن طبعا هناك من طالب باستبدال السيد البرادعي، وهذا الموقف قد رد عليه مجلس الحكام قبل أيام وقد أدانه. إذن أنا اعتقد أن تقرير الوكالة جاء ردا صريحا على بعض الشكوك التي تساور البعض بشأن النشاطات النووية الإيرانية، وقد أزال الملابسات ووضع النقاط على الحروف.
ـ أين أصبح العرض السويسري باستضافة شركة متعددة الجنسيات لتوفير الأنشطة النووية، وكذلك العرض السعودي؟ وبالمناسبة أيضا أين الرد على وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بشأن وقف التخصيب مقابل إنهاء القطيعة بين واشنطن وطهران المستمرة منذ 28 عاما؟ وما الذي يمنع الوقف المؤقت لتخصيب اليورانيوم كمدخل لحل المشكلة؟
ـ نحن نتعامل بالإيجاب مع كل ما يكون شرعيا من طروحات. لأن نشاطاتنا النووية هي نشاطات تتطابق مع المعايير الدولية. وأي نشاط قانوني لا يمكن إيقافه أو تجميده. وأي اقتراح بناء يقدم إلينا بجانب نشاطاتنا المشروعة نعتبره مرحبا به.
ولكن التجميد غير مقبول لأنه ببساطة غير قانوني. والنشاط الإيراني في المجال النووي السلمي لا يزال مستمرا كما قلنا. وفي نفس الوقت، أي بالتزامن مع التخصيب، نحن مستعدون للمشاركة بأي نشاط مماثل في دول اخرى تحت مظلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتأكيد. وعندنا تجارب وخبرات جيدة يمكن استغلالها.
ـ تقصدون أن العرض السويسري ليس بديلا وإنما مكمل لنشاطكم الحالي؟
ـ نعم. لن يكون بديلا.
ـ ماذا عن التهديدات الإسرائيلية المستمرة بقصف المفاعلات والمنشآت النووية الإيرانية وأهداف أخرى ربما؟
ـ إسرائيل تواجه مشكلة مع وجودها ككل. ولما أفاقت وصحت من وقع الضربات التي تلقتها خلال الحرب على لبنان الصيف الماضي يبدو أن تهديدها أقرب إلى المزاح من الجد.
الوضع في العراق والحوار مع أميركا
ـ بخصوص أوضاع العراق نسمع من العسكريين الإيرانيين تصريحات مرارا وتكرارا أن كل جنود الجيش الأميركي رهائن وتحت مرمى الجيش الإيراني إذا تعرضت بلادكم لاعتداء، ما طبيعة المفاوضات التي يجري العمل عليها من الأميركيين بخصوص العراق وهل هذه التصريحات والتهديدات الإيرانية قائمة فعلا؟
ـ نحن نعتبر احتمال أي حملة أميركية بالمنطقة غير وارد، وعلى كل حال من الأفضل أن تقوم أميركا بمراجعة التداعيات الناتجة عن الأزمتين اللتين أضرمتهما بالمنطقة.
نحن أبدينا استعدادنا لأن نساعد الجانب الأميركي حتى يتخلصوا من هذه الأزمة لصالح الشعب العراقي وليحل الاستقرار بالعراق. إذن، نحن نعتبر أن المصلحة الأميركية تتطلب ألا تفرض أميركا أزمة أخرى على المواطن الأميركي الذي يدفع الضرائب.
العلاقات مع الخليج
ـ ندخل إلى موضوع العلاقات الكويتية الإيرانية.. هل هناك مستجدات على موضوع الاعتداء على الدبلوماسي الكويتي والذي تم احتواؤه؟ وألا تعتبرون بصفتكم رجل الدبلوماسية الأول في إيران الذي لطالما عمل على تقريب وجهات النظر أن التصريحات التي تصدر من حين لآخر كالتصريحات الأخيرة لشريعمتداري عن مملكة البحرين تعيد الجانبين الإيراني والخليجي عشرات الخطوات للوراء؟
ـ علاقاتنا مع جميع دول المنطقة ودول الجوار وخاصة الدول العربية المجاورة علاقات طيبة وممتازة، وعلاقات الصداقة تخدم مصالح الجميع، طبعا الحفاظ على علاقات الصداقة ليس بعمل هين، في عالم العداوات الحفاظ على الصديق عمل مكلف، ووزراء الخارجية يتقدمون الأشخاص الموكلين بهذه المسؤولية.
نحن نعتبر أن تقدم وأمن وعزة الكويت هي تقدم وعزة وأمن للجمهورية الإسلامية في إيران، وقوة إيران والكويت هي قوة لكلا البلدين ومن خلال صداقة بلدينا تنعم إيران وتنعم الكويت بنتائج هذه الصداقة، الذي لا خلاف عليه هو أن العلاقات غير الودية بين البلدين تتعارض مع مصالحهم وتخدم مصالح جهات خارجة عن المنطقة،
ولابد من التنبه لهذه الجهات التي لا تريد علاقات طيبة بيننا، يسرنا انه في كلا البلدين الصحافة ناشطة، وقناعتنا أنه قلما يحرص المسؤولون في كلا البلدين على تعزيز هذه العلاقات والحرص عليها فلابد للصحافة بين الجانبين ان تحرص على ذلك،
للأسف انه عندما تكون العلاقات بين البلدين متقدمة وواسعة المجالات فمن الطبيعي أن يحصل هنا وهناك بعض الخلل او الإشكاليات. وعندما تظهر هذه الحالات والمشاكل فعلى المسؤولين في كلا البلدين العمل بشكل حثيث على إزالتها.
ـ هل هناك فتور بالعلاقات مع المملكة العربية السعودية؟
ـ نحن لا نشعر بأي فتور في علاقاتنا مع المملكة، خلال العامين الماضيين كانت هناك زيارات جيدة متبادلة على مستوى كبار المسؤولين، والتقى وزيرا الخارجية الإيراني والسعودي خمس مرات،
وحصلت ثلاثة لقاءات على مستوى القيادة، والتعاون التجاري بيننا آخذ في النمو، والمملكة العربية السعودية شأنها شأن الكويت قد دعمت اتفاقية التجارة بين إيران ودول مجلس التعاون منذ البداية، وإذا كان قصدك من ذلك انه مازالت هناك مساحات وطاقات لتعزيز العلاقات فأقول نعم هناك مجالات لم تسخر بعد والتي يمكنها أن تحقق مزيدا من التقارب والتعاون.
وأشير هنا أيضا إلى أن هناك تعاونا جيدا بين البلدين بشأن الملف اللبناني وعلى مستوى منظمة المؤتمر الإسلامي، ونحن نعتبر أننا مع السعودية والدول الإسلامية الشقيقة نحمل مسؤوليات جسيمة تجاه قضايا العالم الإسلامي.
ـ بالنسبة لموضوع العلاقات مع سوريا وحزب الله، هناك من يتحدث عن محور وهلال شيعيين بالمنطقة، هل تقبلون بهذا المنطق؟
ـ هذا الكلام ليس كلام شعوب المنطقة. عندما نتحدث مع المسؤولين في الأردن مثلا الذين ينسب التصريح إليهم يردون علينا بأن كلامهم لم يفهم بشكل صحيح. قبل سنتين عندما اتحد العلماء الأردنيون وقالوا انه لابد من التعامل مع بعضنا كمسلمين نحن نعتبر أن هذا ما يجب الالتزام به. إذن، نحن نعتبر أن الحديث عن ضرورة التلاحم والتوحد بين الشعوب والمذاهب الإسلامية يفيد شعوبنا أكثر من التفرقة التي تفيد جهات أخرى.
ـ صدرت تصريحات من مسؤولين إيرانيين تتوقع حرباً أهلية في لبنان، ما رأيكم بهذه الطروحات؟
ـ نحن نرى أن مسار الحوار في لبنان يأخذ منحى جيدا، واللبنانيون على وشك التوصل إلى التوافق، إن قناعتنا وبنفس الوقت أمنيتنا أن يتجه لبنان إلى مزيد من الاستقرار من خلال الاتفاق على رئيس جديد، وهذا قرار لبناني بحت ويجب الا يحصل اي تدخل بالشأن الداخلي اللبناني.
نحن نجد أن لبنان من حيث العقل الجماعي والحنكة بإمكانه أن يصل بالأزمة إلى نهاية معقولة ومرضية، التدخلات التي تتجاهل هذا الواقع على الساحة اللبنانية من شأنها أن تؤدي إلى غير ذلك، ونحن نأمل أن تقف هذه التدخلات.
ملفات داخلية
ـ هناك العديد من النقاط التي تتعلق بالوضع الداخلي في إيران ونتمنى الإجابة عليها بكل شفافية، وأبدأ في استقالة كبير المفاوضين علي لاريجاني التي أثير حولها الكثير من التصريحات. فما الأسباب الحقيقية وراء تلك الاستقالة؟ وهل هي على علاقة بالتغييرات الوزارية الأخيرة؟
ـ لاريجاني بنفسه رد على هذا السؤال. المجتمع الإيراني مجتمع ديناميكي ومفعم بالنشاط وسواء د. لاريجاني أو د. سعيد جليلي أو الحكومة أو القائد أو مجلس الشورى الإسلامي، لو راجعت المواقف ستجد أن الجميع متفقون على القضايا الأساسية.
من الأمور التي تحولت إلى قضية وطنية عامة وهناك اتفاق عليها قضية امتلاك الطاقة النووية للغايات السلمية. فالمنحى الذي يُسلك فيما يتعلق بالملف النووي حاليا هو نفس المنحى الذي كنا نسير به خلال فترة عمل لاريجاني.
المراهنة على وجود خلافات داخلية داخل البيت الإيراني لا تؤدي إلى منفعة وإنما إلى ضرر لمن يراهن عليها. المجتمع الإيراني هو مجتمع ديمقراطي. وهناك كما قلت اتفاق على ما يتعلق بالمصالح العليا للبلاد والقضايا المصيرية.
ـ هناك أيضا قضية علي موسويان. هل هو جاسوس كما يقول الرئيس محمود أحمدي نجاد ووزير الاستخبارات محسن ايجيه أم لم تثبت التهمة عليه بعد كما يقول أوائي رئيس المحكمة؟
ـ إذ نرى انه يعلن عن إلقاء القبض على أي شخص أيا كان، فهذا يعكس شفافية المجتمع الإيراني. والأجهزة المعنية تعبر عن مواقفها، وفي خاتمة المطاف القاضي أو المحكمة هو الجهة التي تعبر عن الموقف النهائي وتدلي بالرأي الحاسم.
ـ هناك انتقادات لإيران بأن الأقليات فيها يعاملون بشكل سيئ وتحديدا المسلمون السنة والمسيحيون واليهود، ما ردكم على الحديث عن وجود (اضطهاد) لهذه الفئات؟
ـ الأقليات الدينية سميت بالدستور الإيراني بالاسم وهي الأقليات المعترف بها تتمثل في: المسيحيون واليهود والزرادشتيون. إذن، أرجو ألا تصنف أهل السنة كأقليات بل هم مع إخوانهم الشيعة يشكلون مجمل المسلمين في المجتمع الإسلامي الإيراني وكلنا سواسية كمواطنين ودستورنا يكفل حقوق الجميع.
لا يزعجني أن يوجه الرئيس نجاد انتقادات إلى «الخارجية»
سئل الوزير متقي عن الرسالة التي وجهها الرئيس أحمدي نجاد إلى نظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي.. ما كان مضمونها؟ وهل نسق بشأنها مع وزارة الخارجية أم لا؟ وعن الانتقادات التي وجهها الرئيس نجاد طهران قبل أيام لوزارة الخارجية بقوله إن لديها اتجاهات لا تتطابق مع اتجاهات الدولة، ويجب أن يكون هناك تغيرات. فما تعليقكم على ذلك؟
فرد متقي قائلاً: «بالنسبة لفحوى الرسائل التي يوجهها الرئيس لنظرائه من قادة الدول ليس من الضروري أن نكشف عن فحواها، لكن بإمكاننا أن ننفي ما ورد في بعض وسائل الإعلام الغربية عن الرسالة الموجهة إلى الرئيس ساركوزي، لأن هذه الرسالة كانت تتركز على العلاقات الإيرانية الفرنسية وسبل تعميقها وتعزيزها استنادا إلى الروابط التاريخية بين البلدين.
إذن، أساس وأصل هذه الرسالة كان ينطوي على الرؤية أو النظرة إلى هذه العلاقات. طبعا الرسالة لم توجه إلى الرئيس ساركوزي وحده وإنما وجهت رسائل مماثلة إلى قادة آخرين. أما بالنسبة إلى رأي الرئيس عن الأجهزة الحكومية والأجهزة التابعة للسلطة التنفيذية لها فمن الطبيعي أن يعرب الرئيس بصفته رئيسا للسلطة التنفيذية عن رأيه بها،
لقد أشار فخامته إلى أن وزارة الخارجية شهدت خلال العامين الماضيين تغيرات جوهرية فيها، وفي نفس الوقت كان من المعقول أن يطرح من جانبه هذه الأمور باعتباره يتطلع ويستشرف آفاقا بعيدة الأمد، وهذا من أكثر المواقف البناءة».
لا نؤوي «القاعدة» ومن يجتمع معه في موسى قلعة عنده الحقيقة
سئل الوزير الإيراني عن الاتهامات المتكررة لايران بإيواء قياديين من تنظيم القاعدة؟
فقال بإصرار: «نحن نرفض التهم، هناك البعض من القوات الأجنبية في افغانستان يجتمعون مع قيادات القوى المتطرفة في موسى قلعة في أفغانستان، وبعد ذلك عندما يجتمعون بنا يسألوننا: لماذا عندكم علاقات مع القاعدة. نحن نعتبر أن العمليات الإرهابية والمواقف المتطرفة كلها تضر مصالح دول المنطقة أضرارا جمة. إننا نرى أن أمن المنطقة لابد أن يتحقق من خلال التعاون الجماعي».
الكويت ـ محمد الحسيني

