على عكس مناطق كثيرة فإن الخريف وليس الربيع هو تاج الفصول في منطقة القبائل الجزائرية حيث يجلب الخريف المرح والسرور إلى الكبير والصغير، حيث تجود البساتين بالتين وأصنافه وكثير من الفواكه والأعناب حتى أن قطافها يتحول عيداً.
ومع أن منطقة القبائل تتحول في فصل الربيع إلى جنة على الأرض لما فيها من خضرة وما يميزها من أودية وجداول تفيض بمياه عذبة تنحدر سيالة من جبال تكسوها الثلوج حتى مطلع الصيف، وأزهار تنبت في كل مكان حتى على الجدران وشرفات المنازل، إلا أن فصل الخريف يبقى فيها الأهم على الإطلاق لما يجود به من نعم وأرزاق تقهر بها العائلات فصل الشتاء القاسي.
الخريف في القبائل منذ القدم مرادف للخير ففيه تتوفر أنواع الفواكه الأكثر انتشارا والأعلى قيمة لدى جميع الناس لأنها فواكه لا تنتهي لمجرد نهاية الفصل. وأهمها التين والعنب والتوت بأنواعه و التين الهندي أو الشوكي كما يسميه البعض. وهي أيضا فواكه تصبح بحكم العرف في متناول الجميع.
وبإمكان أي كان أن ينزل ببساتين التين والعنب وغيرهما ويأكل لأن أصحابها لا يمنعون ذلك. ويمكن حتى للغرباء أن يأكلوا حتى يشبعوا على أن لا يأخذوا معهم شيئا من الفاكهة.
وعادة «تعميم خير الخريف» توارثتها الأجيال منذ قرون ويتمتع من لا يملكون أشجار التين والعنب وغابات التين الشوكي تماما كما يتمتع من يملكونها.
ويروي الحاج علي محمد الطاهر من بلدة أولاد علي بولاية سطيف أن جده كان يخصص ثلاثة بساتين كل عام للفقراء والغرباء ويمنع على عائلته فواكهها. وكانت تلك البساتين تشبع رغبة عشرات من عائلات المنطقة، كما يسمح بجمع ما تبقى من ثمارها من هؤلاء الفقراء لتجفيفها وخزنها للشتاء.
ويشير إلى أن العائلة ظلت تسير على هذا النهج حتى الآن. ويتصدق كثير من الأغنياء بنسبة من الثمار التي تجود بها بساتينهم لمن لا يملكون أرضا ولا أشجاراً، وهم كثيرون. وترحل كثير من العائلات من المدن إلى قراها في فصل «الخريف البربري» الذي يمتد من بداية أغسطس حتى أواخر أكتوبر لمشاركة القرويين أفراحهم بجني الأرزاق والثمار.
وتقلع عن عاداتها بشرب القهوة والحليب مع أنواع الكعك الحلويات وتتأقلم مع جو القرية حيث يأكل الناس في الصباح الباكر كميات معتبرة من التين الذي يقطف لتوه قبل طلوع الشمس. وللخريف طقوس مميزة تتكرر كل عام وتعطيه نكهة خاصة في قرى منطقة القبائل دون سواه، فلا يزال بعضها يتعامل معه كما كانت الحال قبل قرون.
ففي آخر شهر يوليو ومع بداية نضج بواكير التين ينظم كبير القرية تجمعا لكل البالغين من الذكور في المسجد أو في مكان عمومي آخر، ويؤدي الجميع القسم بالصوم على أكل التين حتى يؤذن لهم ذلك في اجتماع مماثل بعد عشرة أيام إلى 15 يوما، يعلن فيه رفع الحظر. ويسري قسم الرجل على زوجته وأولاده. كما يسري أيضا حتى على الثمار التي تدرها الأشجار الواقعة في صحن الدار.
وتسمى عملية المنع هذه «الخطية» وهي تعبير محلي معناه «الغرامة» بحيث يفرض على كل من أخل بالالتزام دفع غرامة معلومة إلى صندوق مال القرية. وتفيد دراسات بأن «الخطية» ترمي إلى أمرين متلازمين: أولهما ترك الفاكهة تنضج بكميات كبيرة حتى تسود القناعة لدى الجميع بتسجيل فائض كبير يكفي لإشباع رغبة كل الناس. وثانيهما الاحتفال بيوم رفع الحظر كعيد مشترك يعزز التضامن والتآزر بين سكان القرية بفقرائها وأغنيائها.
ومن تجليات هذا التضامن مساعدة الجميع لأصحاب البساتين الكبيرة والإنتاج الوفير في جمع محصول الفاكهة آخر أيام الخريف وتجفيفها في عملية كبيرة تسمى «التويزة» وهي عبارة عن حملة تطوع يشارك فيها الكبار والصغار من الذكور والإناث لجمع الغلة وتجفيفها قبل حلول موسم الأمطار والثلوج الذي يبدأ عادة شهر في نوفمبر.
ومن الحكايات التي تروى في القبائل لوصف قيمة «فصل الفصول» عندهم أن رجلا من المسيلة وهي منطقة تقع على مشارف الصحراء ويتحدث سكانها العربية، قدم إلى قرية بني ورتلان ذات خريف بدعوة من أحد الأصدقاء تعرف عليه عند أدائهما الخدمة العسكرية الإجبارية معا، فأعجب بما وجد وبطعم التين الذي لا تضاهيه أية فاكهة أخرى،
وقيل له إن ما أكل يسمى الخريف على اعتبار أن القبائل يطلقون اسم الفصل على التين. فيقول لك مثلا «تعال تخرف» بمعنى «تعال لتتناول التين». وبعد مدة عاد الرجل إلى تلك القرية لكن عودته كانت هذه المرة شتاء، ففوجئ بالأشجار وقد تجردت حتى من أوراقها، وسأل عن الخريف. فقال له صديقه «لقد مات، تعال لتقف على قبره».
وأخذه إلى «الكوفي» وهو مخزن في شكل صهريج يبنى من الطين ويثبت في إحدى زوايا البيت لتحفظ فيه الغلال من حبوب وفاكهة جافة، وناوله حفنة من التين المجفف، فقال له: حين يموت الخريف (يقصد التين) يصبح بهذا الشكل. فلما أكل وجده ألذ وأحلى من ذلك الذي أكله حين جاء القرية في المرة الأولى نظرا لزيادة تركيز مادة السكر فيه. فقال بعدما شبع: «خريفكم هذا موته خير من حياته». وبقي كلامه مثالا يتداوله ناس القبائل
الجزائر ـ مراد الطرابلسي

