على امتداد منطقة لا تتجاوز مساحتها أربعة آلاف كيلومتر مربع في محافظة إدلب شمال غرب سوريا تقبع 500 مدينة منسية منها ما هو محفوظ بكامله ومنها من بقيت منه أطلال يعود أكثرها إلى الحقبتين الرومانية والبيزنطية، وجرى تدميرها وحرقها على يد الجيش الفارسي الذي وصلت جحافله إلى الساحل السوري أكثر من مرة: الأولى في العام 540 ميلادية، والثانية في 625.
وكسائر بلاد الشام بلغت هذه المنطقة أوج ازدهارها بين القرنين الرابع والسادس الميلاديين، فشهدت حركة عمرانية كبيرة عمّت جميع المناطق والقرى وقد وثق علماء الآثار والرحالة الغربيون هذه المواقع بمجموعة من الكتب والمجلدات المصورة منذ القرن الماضي لعل أبرزهم جورج تشالينكو الذي وضع كتاباً عن المدن الأثرية في شمال سوريا يقع في ثلاثة أجزاء،
ويضم دراسات عن قلعة القديس سمعان العمودي والبارة وقاطورة والرويحة وجبل الشيخ بركات وبرج حيدر والأتارب وكورش، وعين دارا وترمانين ودير حسان وكفر لانا وأخيراً سرجيلا أجمل هذه المدن وأكثرها احتفاظاً بتفاصيلها العمرانية.
كما بحث جورج تات وجان بيار سوديني الأستاذ في جامعة باريس الأولى في المدن المنسيّة من مختلف نواحيها العمرانية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية. وتقع سرجيلا التي تعني بالسريانية سراج الله جنوب غرب مدينة إدلب وتعود إلى القرنين السادس والسابع الميلاديين وتعتبر من أهم المدن الميتة في جبل الزاوية، فيها قبور وكنيسة وحمام وتشتهر بفيلاتها السكنية ومعاصر الزيت.
وبنيت في شبه واد ويجاورها عدد من المدن الأثرية الهامة مثل شنشراح إلى الجنوب، وإلى الغرب منها مدينة بعودا. ويلف الإهمال والنسيان هذه المدن الرائعة والتي تحول معظمها إلى مكبات للنفاية وزرائب للأبقار والأغنام.
وهو ما دعا مدير آثار إدلب نقولا كبّاد للصراخ بأعلى صوته داعياً «هذه الأوابد المنسية لأن تعذرنا لانشغالنا عنها بالروتين»، معتبراً أن «الإهمال سمح للصوص الآثار بالعبث بها» في ظل نقص في حراس المواقع الأثرية وقلة الكوادر والإمكانيات الهندسية والفنية
دمشق ـ تيسير أحمد

