بوضوح وصراحة شديدين لم يشبهما سوى قليل من التحفظ، بشأن ما يخص السياسة الأميركية في المنطقة، أوضح سفير فرنسا لدى دولة الإمارات باتريس باؤلي في حوار خص به «البيان» أن باريس «لن تقبل» إلا برئيس لبناني جديد يلتزم بالقرارات الدولية بشأن محاسبة المتورطين بقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري أمام المحكمة الخاصة التي شكلت لهذا الغرض.

وأكد في موضوع آخر،على رفض فرنسا توجيه ضربة عسكرية لإيران بشكل قاطع، مشدداً على أن فرض مزيد من العقوبات على طهران يعد الوسيلة الأمثل لممارسة ضغوط على الحكومة الإيرانية للعودة إلى طاولة المفاوضات.

تالياً نص الحوار:

ـ انتخابات رئيس جديد للبنان هو موضوع الساعة، ويقال أن هذه الانتخابات هي مطلب أميركي وأوروبي بالدرجة الأولى، ما أهمية انتخاب رئيس للبنان؟

ـ الانتخابات مطلب لبناني قبل أن يكون مطلبا أميركيا وأوروبيا كما أن قرار انتخاب رئيس للبنان ليس في فرنسا أو الإتحاد الأوروبي أو في دمشق، أو في أي عاصمة عربية ولكنه في بيروت، لذلك علينا أن نضمن إجراء انتخاب الرئيس في التاريخ المقرر. وإذا لم يتم انتخاب رئيس للبنان طبقا للدستور اللبناني سندخل مرحلة عدم استقرار جديدة، ولذلك نرى أن انتخاب رئيس للبنان يعد أمراً أكثر من ضروري.

ـ ماذا تريد فرنسا من الرئيس اللبناني المنتخب؟

ـ المهم هو ماذا يريد اللبنانيون من الرئيس اللبناني المنتخب، من المهم أن يعمل الرئيس الجديد ضمن إطار الوفاق الوطني لصالح اللبنانيين. والعمل على تقديم الاستقرار المتسببين في مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري إلى المحكمة، وهو مطلب دولي لا تراجع عنه، يجب أن يتاح للشعب اللبناني اختيار الرئيس المقبل للبنان من دون أي ضغوط خارجية.

ـ هل تقصدون سوريا وإيران؟

ـ التدخل الخارجي غير مقبول إطلاقا سواء من هاتين الدولتين أو من أي دول أخرى.

ـ ما هي حدود صلاحيات القوة الدولية المؤقتة في جنوب لبنان «اليونيفيل» في تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701 فيما يتعلق بمنع وصول الأسلحة من سوريا وإيران إلى «حزب الله» وخلق منطقة عازلة ما بين نهر الليطاني والخط الأزرق، وهل هناك توجه لتوسيع تلك الصلاحيات بعد الانتخابات الرئاسية في لبنان؟

ـ بالطبع فرنسا تشارك في قوات «اليونيفيل» العاملة في لبنان، والقرار رقم 1701 أقره مجلس الأمن الدولي ويعد قراراً مهماً، بالطبع نحن نتفهم بأن تحقيق جميع الالتزامات أمر صعب، ولكن التزام فرنسا والإتحاد الأوروبي في قوة «اليونيفيل» مستمر ولن يتغير حتى بعد الانتخابات اللبنانية ووجود القوة هو لصالح لبنان بالدرجة الأولى ومن أجل استقرار المنطقة بشكل عام.

ـ الرئيس الفرنسي ساركوزي صرح خلال زيارته للولايات المتحدة مؤخرا بأن فرض عقوبات على إيران يعد السبيل الأوحد لحل أزمة الملف النووي الإيراني مع الإبقاء على باب الحوار مشرعاً، فهل هذا يعني أن باريس ستقف ضد أي حل عسكري؟

ـ الرئيس ساركوزي كان واضحا في التعامل مع أزمة الملف النووي الإيراني منذ انتخابه رئيسا لفرنسا، قال ساركوزي بأن علينا بذل جميع الجهود لتجنب خيارين، أولهما القبول بقنبلة نووية إيرانية وهذا أمر ترفضه فرنسا تماماً،

والخيار الثاني هو اللجوء إلى ضربة عسكرية ضد إيران وهذا أيضا ترفضه فرنسا، ففرنسا لا تريد أن يكون الاختيار محصوراً بين هذين الأمرين، والحل الأمثل للخروج من الأزمة هو سياسي ولذلك فرض عقوبات على إيران قد يقنع الإيرانيين بالعودة إلى طاولة المفاوضات بعد تجميد برنامجهم لتخصيب اليورانيوم .

ـ ولكن تثقون كل الثقة بأن فرض عقوبات على إيران هو الحل الأمثل لحل الأزمة، لنأخذ العراق مثلا فرضت عليه عقوبات قاسية لثلاثة عشر عاماً وانتهى الأمر بحرب عليه، هل العقوبات ضد إيران خطوة أولى في طريق حرب ضدها؟

ـ العقوبات وسيلة نفضل عدم اللجوء إليها ولكن إذا كان هناك لزوم علينا لاستخدامها فسنستخدمها فهي وسيلة موجودة ومفيدة، أما بالنسبة للعراق فالوضع كان مختلفا هناك، ولا أريد أن أقارن الوضع الحالي في إيران وما حصل في العراق.

ـ ولكن ألم يكن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل هي الذريعة الأولى لغزو العراق ؟

ـ الموقف الفرنسي حول هذا الموضوع كان واضحاً جداً.

ـ كنا قد حاورنا نائب الرئيس الإيراني رحيم مشائي منذ وقت قريب، وقال لنا بصورة واضحة أن الدول الغربية كانت لا تنوي لإيران الحصول على الطاقة النووية حتى ولو اطمأنوا أنها لأغراض سلمية.. ما صحة تلك الأقوال؟

ـ نحن نقول للإيرانيين إذا كانت بالفعل نواياكم حسنة لأوقفتم برنامج تخصيب اليورانيوم لديكم ولعدتم إلى طاولة المفاوضات فالباب الدبلوماسي لا يزال مشرعا أمام إيران.

ـ مشائي قال أيضا وبالحرف الواحد خلال حوارنا معه «إيران لن تتنازل عن حقها الشرعي في إنتاج طاقة نووية لأغراض سلمية»، مع هذا الإصرار الإيراني ما جدوى العقوبات الغربية عليه؟

ـ نحن لا نريد حربا مع إيران، والهدف الفرنسي يرتكز على ضرورة استمرار المفاوضات، نحن نرفض الحرب ونرفض كذلك امتلاك إيران لقنبلة نووية، والرئيس الفرنسي ساركوزي قال مراراً إنه لا يستعمل كلمة «حرب»، وهو أيضا يقول بأن العقوبات هي الوسيلة المناسبة لممارسة ضغوط على إيران لدفعها لطاولة المفاوضات.

ـ ولكن الإيرانيين يقولون بأن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، فلماذا الازدواجية الغربية في معايير التعامل؟

ـ من حق إيران الدفاع عن موقفها وتوجيه أسئلة، ولكن السؤال اليوم كما كان في كوريا الشمالية هل التوجه لامتلاك أسلحة نووية أمر سليم؟ بالطبع لا، هو أمر غير سليم وأقولها بشكل واضح جداً نحن في فرنسا لا نرفض برنامجا مدنياً لأغراض سلمية لأي دولة في العالم.

ـ هل تمتلك فرنسا أدلة على أن إيران في طريقها لتصنيع سلاح نووي؟

ـ لدينا شكوك، ولا أريد استعمال كلمة أدلة، نحن نطلب من إيران وقف تخصيبها لليورانيوم للدلالة على نواياها الحسنة، وندعوها إلى العودة إلى لغة الحوار وطاولة المفاوضات.

ـ الوضع في العراق يزداد تأزما يوما بعد يوم، كيف يمكن حل الأزمة الدامية في العراق من وجهة نظركم؟

ـ الحل يكمن بين العراقيين أنفسهم من خلال الحوار البناء بين كافة الأطراف العراقية. حل الأزمة العراقية لا يمكن أن يأتي من الخارج، وسنساعد إذا ما أمكننا تقديم المساعدة في تقريب وجهات النظر بين جميع الأطراف العراقية من أجل إيجاد ميدان للحوار ما بين تلك الأطراف.

ـ هل تبحث فرنسا عن دور أكبر لها في العراق؟

ـ نحن نهتم بالشعب العراقي وباستقرار العراق والمنطقة مستقبلا، ونهتم بوحدة العراق وسيادة العراق. نحن لا نتدخل في الشأن العراقي ولكن إذا ما أمكننا تسهيل الأمور لإيجاد قاعدة للحوار فسنفعل ذلك.

ـ كيف تنظر فرنسا إلى التصعيد الأخير بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، هل ستساند فرنسا عملا عسكريا تركيا في شمال العراق للقضاء على مقاتلي الحزب؟

ـ الموقف الفرنسي واضح، نحن نتفهم قلق الحكومة التركية تجاه حزب «العمال الكردستاني» والذي نعتبره إرهابيا، وفي الوقت ذاته نتمنى أن لا يقوم الجيش التركي بعملية عسكرية في الأراضي العراقية، ونطلب من الحكومة العراقية اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لحل الأزمة من جانبها.

ـ ما مدى مساندة فرنسا لمؤتمر آنابوليس المزمع انعقاده قبل نهاية الشهر الحالي في الولايات المتحدة من أجل التوصل لسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟

ـ نحن نشجع كل الإمكانيات التي تقرب من حل عادل ودائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبين الإسرائيليين والدول العربية بشكل عام، والحل يكمن بوجود دولتين فلسطينية وإسرائيلية وهذا أمر معروف ومقبول به،

ونحن نشجع جميع الأطراف المعنية على قبول مساعدة المجتمع الدولي لتحقيق هذا السلام، فإذا كان مؤتمر آنابوليس سيقربنا من تحقيق هذا الهدف فسيكون ذلك أمراً إيجابيا ونحن نشجع جميع الجهود للتقرب من هذا الحل.

ـ تحدثت تقارير عن أن الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر لهجوم إسرائيلي على قطاع غزة، هل منح الإتحاد الأوروبي لإسرائيل الضوء ذاته، ولماذا هذا التوقيت بالذات في أجواء تتحدث عن مؤتمر آنابوليس والسلام المرتقب؟

ـ لا أعلق على قرار ينسب للأميركيين، ولكن من المهم أن تمتنع كل الأطراف المعنية عن اللجوء للقوة والعنف وأن تعود للحوار وطاولة المفاوضات.

علاقات مثالية واستثنائية

لم يفت السفير الفرنسي باتريس باؤلي الإشادة وبحرارة بالعلاقات الثنائية بين بلاده والإمارات العربية المتحدة، مؤكدا على أنه لولا الجهود المتميزة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة،

لما كانت عليه الحال بين البلدين على هذا النحو من التميز، كونها علاقات ترتكز على عناصر مثالية واستثنائية وشهدت العلاقات بين الدولة والجمهورية الفرنسية تطورات متلاحقة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية وغيرها من المجالات.

ومنذ مطلع سبعينات القرن الماضي دأب صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، على القيام بعدة زيارات عمل هامة للجمهورية الفرنسية كان آخرها الزيارة الرسمية التي قام بها سموه لفرنسا في العام الحالي والتي تمخض عنها توقيع اتفاقية مشتركة لتطوير التعاون في مجال التقنية النووية السلمية.

حوار: كفاية أولير