تحتفل سلطنة عمان اليوم بالعيد الوطني السابع والثلاثين لذكرى قيام النهضة العمانية الحديثة التي يقودها جلالة السلطان قابوس بن سعيد منذ توليه مقاليد الحكم في العام 1970 مدشناً بذلك مرحلة جديدة للتاريخ العماني على بساط مسيرة حديثة تستمد همم العطاء والرؤية للمستقبل من تاريخ عمان الضارب في عمق الزمن.
وشهدت السلطنة خلال الـ 37 عاماً من عمر النهضة العديد من الانجازات التي شملت مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ومجالات التنمية الشاملة التي عمت عمان من أقصاها إلى أقصاها حيث تم تطوير البنى الأساسية والعمل على تنويع مصادر الدخل لعدم الاعتماد على النفط مصدراً رئيسياً للدخل القومي بهدف تحقيق الأمن والاستقرار والعيش الكريم للمواطن العماني أينما وجد وفي كل مكان من ربوع عُمان. ففي العام 70 انتقلت عمان إلى مرحلة جديدة في مسار التطور والبناء للدولة والإنسان وهو ما كان ينتظره جميع العمانيين في الداخل والخارج بقلوب مليئة بالأمل وانتظار المستقبل الأفضل مع اعتلاء سلطانهم القادم بعزيمة البناء لعمان الوطن والدولة والمجتمع والحضارة عرش السلطنة،
وتجسدت تلك العزيمة في خطابه السامي الذي نادى خلاله جميع العمانيين إلى شحذ الهمم والتعاون مع الحكومة للتمكن من بناء عمان، إذ قال إنه «بدون التعاون بين الحكومة والشعب لن نستطيع أن نبني بلادنا بالسرعة الضرورية للخروج من التخلف الذي عانت منه هذه المدة الطويلة.. إن الحكومة والشعب كالجسد الواحد إذا لم يقم عضو منه بواجبه اختلت بقية الأجزاء في ذلك الجسد».
واستطاع جلالة السلطان قابوس بحنكته أن يجعل من عُمان دولة عصرية متكاملة ومبنية على أسس قوية ومتينة ترتبط بعلاقات دولية وإقليمية واسعة النطاق وتساير مختلف مجالات التطور العصري والتكنولوجي والتقني والفني.
ومنذ بزوغ عهد النهضة، عملت سلطنة عُمان على ترسيخ مبدأ الديمقراطية وإعطاء الحقوق الكاملة للمواطن العماني، رجلا ونساء، فأصبح له الحق بالإدلاء برأيه والتعبير عن مطالبه ومشاركته البرلمانية الفاعلة في دفع مسيرة التنمية العمانية المواكبة لاستراتيجيات النهضة الحديثه من خلال مجلس عمان الذي يضم مجلسي الدولة المعين والشورى المنتخب.
وشهد البرلمان العماني في العام تطورات على صعيدي المجلسين، ففي الشورى جرت الانتخابات للفترة السادسة الحالية في 27 أكتوبر الماضي في انتخابات حرة ومباشرة شهدت مشاركة وطنية واسعة لاختيار 84 عضوا للفترة الجديدة،
وكان اللافت أن جميع المقاعد شغلت من قبل الرجال حيث لم تفز المرأة بأي من مقاعد مجلس الشورى بالرغم من ترشح 21 سيدة لتخرج العمانيات من المجلس بعد أن بقيت محتفظة بمقعدين طيلة الـ 13عاما الماضية.
أما مجلس الدولة فشهد في فترته الحالية أيضا زيادة عدد الأعضاء وإعطاء فرصة أكبر للمرأة من خلال زيادة عدد المقاعد التي تشغلها العمانيات في عضوية المجلس لتصل إلى 14 من بين 70عضوا بدلا من تسع في الفترة السابقة.
وشهدت تجربة الشورى العماني نجاحات حافلة بالعطاء وهو ما أكد عليه جلالة السلطان قابوس لدى افتتاحه دور الانعقاد السنوي لمجلس عمان في 11 الجاري، إذ قال إن «تجربة الشورى في عمان مرت بأعوام حافلة بكثير من التطورات التي رسخت مفاهيم العمل المشترك والتعاون المتبادل بين المواطنين والأجهزة الإدارية »، داعياً في ذلك مجلسي الدولة والشورى إلى القيام بمهام ومسؤوليات أكثر شمولاً في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية،
وأن تكون الخبرات المكتسبة دافعاً لتقديم المزيد من العطاء المفيد البناء خدمة للوطن الذي يبني بكل عزم وثبات حاضره ويتطلع إلى مستقبله في ضوء متطلبات عصره المتنامية وثوابته الراسخة .
وأكد جلالة السلطان قابوس على أهمية التواصل بين الحكومة ومجلسي الدولة والشورى بما يحقق أفضل النتائج وأنه سيحث حكومته على رفع مستوى التواصل وتكثيفه مع مجلس عمان بما يمكنه من القيام بواجباته وأداء مهامه على أفضل وجه.
جولات التواصل السنوية
تمثل الجولات السنوية لجلالة السلطان قابوس في مختلف المناطق والولايات، والتي سنها منذ سبعينات القرن الماضي، وسيلة مثلى للتواصل والالتقاء بين الحاكم والشعب على بساط الوفاء والصفاء في وقت يكون فيه المواطن العماني بحاجة إلى أن يشكي همومه ويطرح قضاياه المختلفة، حيث يلتقي جلالة السلطان عبر تلك الجولات أبناء شعبه
ويتحسس همومهم ويستمع إليهم عن قرب في برلمان عماني مفتوح على ارض براري السيوح حيث يجري الحوار المفتوح بلا حواجز ولا وسطاء ليتحسس نبض حياتهم اليومية ويستمدون روح العزم وتجديد العطاء والعمل من توجيهاته السامية وهم يجددون العهد والولاء لباني نهضتهم الحديثة.
ومن خلال هذا الاستطلاع على أعلى مستوى تصدر التوجيهات للوزراء لتلبية احتياجات المواطنين والمناطق، حيث تحولت هذه المشاريع واقعاً ملموساً يستشعر به كل عماني كالمستشفيات والمدارس والمساكن الاجتماعية والطرق وأحواض المياه وغيرها من المشروعات التنموية والتطويرية.
وقامت السلطنة في إطار خططها لتنويع مصادر الدخل القومي بإقامة العديد من المشاريع الحيوية المهمة التي استقطبت من خلالها استثمارات عالمية في مجالات الصناعة والسياحة وتعزيز العلاقات التجارية مع الدول ذات الأسواق العالمية النشطة ذلك فضلاً عن تقديمها التسهيلات للمستثمر الأجنبي بما يضمن له بيئة استثمارية مستقرة وآمنة وبإجراءات انسيابية.
واستطاع الاقتصاد العماني خلال 37 عاما الانتقال إلى مرحلة أكثر تطورا وتنوعا عبر توسيع قاعدة مشروعات الصناعات التحويلية المتوسطة والثقيلة وعبر الاعتماد بشكل اكبر على موارد الطاقة الوطنية خاصة منها الغاز الطبيعي المسال والموانئ التجارية والصناعة والسياحة والمناطق الحرة،
إذ عملت السلطنة على تنويع مصادر الدخل وخفض نسبة الاعتماد على مساهمة النفط في الناتج المحلي. ويعد قطاع الصناعة من أهم القطاعات الإنتاجية التي تسهم في تنويع مصادر الدخل القومي لما يتمتع به هذا القطاع من خصائص وإمكانيات للنمو.
ويأتي قطاع السياحة في السلطنة ضمن القطاعات المهمة التي يعول عليها الكثير من الدخل الاقتصادي حيث أبدت السلطنة في السنوات الأخيرة اهتمامًا ملحوظًا بتنمية قطاع السياحة ليسهم بدوره في العطاء والإنتاج باعتباره أحد القطاعات الاقتصادية الكفيلة بتعزيز البنية الاقتصادية للسلطنة.
سواعد شابة
حينما تولى جلالة السلطان قابوس بن سعيد الحكم في سلطنة عمان كان يدرك أن الأوطان لا تبنى إلا بسواعد أبنائها ولذلك جعل للشباب العماني مساحة واسعة في نهجه وفكره للارتقاء بهذه الفئة التي تشكل لبنة البناء في الحضارة العمانية وكانت خطاباته السامية التي يوجهها لحكومته لا تخلو من الحض على الاهتمام بالشباب العماني، ففي العام 2001 أمر بإنشاء «مشروع سند» الذي يعمل على تبني
ودعم المشاريع الخاصة بالشباب والإشراف عليها لتتمكن الأفكار الشابة من إرساء قاعدة متينة في مجال النشاط التجاري. كما دعا جلالة السلطان القطاع الخاص إلى فتح أبواب العمل للشباب العماني وتوفير الفرص الممكنة للباحثين عن العمل ليسهم الشباب بدوره في بناء عمان ونهضتها.
وأكد جلالة السلطان قابوس في احد خطاباته على أن الإنسان هو هدف التنمية وغايتها وأداتها ووسيلتها «وبقدر ما تكون هذه الأداة فاعلة ماهرة تكون قادرة على تحقيق التنمية وعليه يجب النهوض بهذه الموارد البشرية وتطوير قدراتها الفنية وخبراتها التقنية»،
مشدداً على ضرورة إعطاء الشباب العماني فرصتهم للتأهل والتدريب والانخراط في مختلف الإعمال والوظائف وتوفير كل أسباب الرعاية لهم وتذليل كل الصعوبات والمعوقات التي قد تعترض طريقهم.
فهد بن محمود: تنمية شاملة
وبهذه المناسبة الوطنية التي تعيشها عمان اليوم قال نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء فهد بن محمود آل سعيد إن النمو والعمران والتقدم والتطور والرقي والتحضر غمر ساحات عمان من أقصاها إلى أقصاها فانتشر التعليم وكانت له إستراتيجيته التي تهدف إلى تحديث أنظمته
وتحسين جودته من خلال رؤية واضحة لطبيعة التحديات والمتغيرات المحلية والعالمية في المجالات العلمية والتقنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومن خلال الاهتمام بالبحث العلمي في المجالات التي تخدم التنمية الشاملة، وتحقيق توازن التوزيع السكاني وتعزيز سياسات التعمين وتعميق الارتباط بين التعليم والتدريب والتأهيل وتحسين نوعية الحياة الصحية.
وأكد فهد آل سعيد في برقية تهنئة على جلالة السلطان قابوس على الخطوات الواسعة التي تحققت في جميع المجالات التجارية والصناعية والزراعية وغيرها من شتى ميادين الاقتصاد المتنوعة
ما أدى إلى انفتاح استثماري كبير سواء بالنسبة للاستثمارات الوطنية أو الأجنبية وإلى تبني إستراتيجية لتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الأمر الذي كان له آثاره الإيجابية على الوطن والمواطن حيث احتلت السلطنة مرتبة متقدمة في تقرير التنافسية العالمية للعام 2007 - 8002.
وفي جانب السياسة الخارجية لبلاده قال نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء العماني إن «الدعوة إلى السلام والوئام والتعاضد والتساند والعمل الجاد المستمر من أجل إقامة ميزان العدل أصبحت من ثوابت السياسة الخارجية لجلالة السلطان قابوس...
الذي يعمل دائما على دفع مسيرته إلى الأمام سعياً إلى استكمال مجالات التكامل بين دول مجلس التعاون وفق أولويات مدروسة وبما يحقق المزيد من الإنجازات التي تلبي طموح شعوب المجلس».
تراث أصيل
تزخر عمان بالعديد من الآثار التاريخية التي صنعها مواطنوها عبر مئات السنين والتي أصبحت اليوم تشكل إرثاً حضارياً وهوية تقليدية يستدل منها الإنسان العماني على حياة الأجداد والمواقف الصعبة التي واجهتهم في صراعهم مع الزمن، وبطولاتهم.
وأصبحت تلك الآثار تشكل مرافق سياحية مهمة يقصدها السياح من مختلف الأقطار والبلدان العربية والأجنبية ليكتشفوا من خلالها تاريخ وحضارة الإنسان العماني وإرثه وعاداته وتقاليده المتوارثة.
مسقط ـ علي البادي

