أول ما يجذب انتباه الزائر إلى العاصمة التشيكية براغ، هو قصرها التاريخي المطل من ثلة هرادتشاني والذي يشكّل من خلال تاريخه العريق العلامة الفارقة في التراث التشيكي ككل. فهذا القصر الذي أصبح تحت رعاية ال«أونيسكو» يعتبر من أبرز المعالم التاريخية للمدينة، إن لم نقل أبرزها على الإطلاق.
إضافة لكونه الرمز السياسي للبلاد بصفته المقر الرسمي لرئيس الجمهورية، بعدما كان لقرون طويلة مقر الملوك الذين تعاقبوا على حكم بلاد التشيك.
القصر يقتحم ذاكرة كل من يقرر أن يأتي إلى براغ في رحلة سياحية، لأنه حضر في مشهدها الجميل من كل الاتجاهات الجغرافية هذا يعني بأنه إذا لم تتسن للسائح القيام بزيارة شخصية إلى أروقة القصر والتمتع برقي الفن المعماري القوطي وغيره، فإنه سيشاهد قسراً مع كل خطوة يخطوها في وسط المدينة أو حوله، تماماً كما كان يأمل الملك كارل الرابع وغيره من الملوك الذين كان لهم الفضل في توريث هذا الصرح المعماري الجميل للأجيال المقبلة.
وتشير المعطيات المتوفرة من البحوث الأثرية المختلفة بأن القصر أسس في العام 880 ميلادية تقريباً على يد كاهن يدعى بورجيفوي من عائلة «برشيميسل» النبيلة.
وقد ألحقت بالقصر كنائس مختلفة في القرنين التاليين، وأصبح منذ القرن العاشر مقراً للسلطة الحاكمة، أي رأس الدولة الذي تمثل لاحقاً بالملك أو بالقيصر، كما أقام فيه بعض الكهنة بالإضافة لأرفع ممثلي الكنيسة الذين فضلوا البقاء في كاتدرائية القديس فيتوس المرفقة به والتي تعتبر أيضاً من أجمل المعالم الأثرية في تشيكيا.
ولأن التاريخ بكافة تفاصيله وتفرعاته قد ترك بصماته الراسخة على مدينة براغ، فإن نصيب القصر المذكور من هذا التاريخ كان كبيراً وملحوظاً، وهو ما يفسر بطبيعة الحال التفاوت والتنوع الجميل في الفن المعماري الذي انطلق في القرن التاسع وامتد حتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، حيث خضع القصر لعمليات تأهيل وبناء وتجميل كثيرة أثّرت في شكله النهائي وأوصلته إلى ما هو عليه في الوقت الحاضر.
ويكفي القصر شرفاً أن يكون من بين قاطنيه ملوك مثل كارل الرابع الذي ازدهرت البلاد ثقافياً وتربوياً بشكل ملحوظ خلال عهده، والقيصر رودولف الثاني الذي جعل منه مركزاً مرموقاً للدبلوماسيين والفنانين والمثقفين، والقيصر فرديناند الخامس، وصولاً إلى التاريخ الحديث الذي شهد قيام الدولة التشيكوسلوفاكية، فأصبح القصر ولا يزال مكاناً رسمياً لرؤساء الجمهورية.
يعتبر قصر براغ في الوقت الحاضر المكان التراثي ـ الأثري الأول في البلاد، وبالتالي يحظى برعاية مميزة وخاصة، يليه في المرتبة الثانية مجموعة جواهر العرش الملكي التشيكي المتوارثة منذ العصور الغابرة.
وما يُكسب القصر أهمية استثنائية هو وجود هذه الجواهر في إحدى قاعاته، وإصرار المسؤولين التشيك على الحفاظ على التقاليد المرتبطة بها، بحيث إنه لا يمكن عرضها إلا داخل القصر الجمهوري وفي ظل إجراءات خاصة واستثنائية.
وحسب المعلومات المتناقلة فإن هذه الجواهر لم تعرض خلال القرن العشرين إلا تسع مرات، آخرها في العام 1998 بمناسبة الذكرى الثمانين لنشوء الجمهورية التشيكوسلوفاكية المستقلة.
ما هو استثنائي أيضاً في هذه الجواهر هو أنها محفوظة داخل قاعة خاصة يطلق عليها باللغة التشيكية اسم «كروني كومورا»، توصف بأنها الغرفة الأشد حماية في البلاد ولا يمكن دخولها بسهولة.
فالباب الضخم الذي يحميها بالإضافة للخزنة المصفحة التي تحتضن الجواهر يحتويان على سبعة أقفال، في حين أن المفاتيح السبعة التي تستخدم لفتحها موزعة على سبعة من أرفع المسؤولين الدستوريين في البلاد الذين يجب أن يجتمعوا شخصياً لكي يتم فتحهما.
هؤلاء هم رؤساء الجمهورية والحكومة ومجلس النواب والشيوخ وعمدة براغ، بالإضافة إلى بطريرك براغ الأعلى وعميد الأساقفة في كاتدرائية القديس فيتوس.
وتشير الروايات أن هذا التقليد أنشئ في العام 1791 من قبل الملك ليوبولد الثاني بعدما أعيدت هذه الجواهر من فيينا إلى براغ وكانت قد خضعت لأفضل حماية ممكنة. أما اليوم فإن حماية هذه الجواهر تؤمنها، بالإضافة للمفاتيح السبعة بالطبع، فرق من الوحدات الخاصة التي تظهر مدججة بالسلاح كلما تقرر عرضها لعامة الشعب.
براغ ـ حسن عز الدين
