يدخل لبنان مع كل استحقاق رئاسي جديد في مأزق العهد المنتظر والرئيس العتيد، ويتحول هذا الاستحقاق كل ست سنوات إلى شأن عربي وإقليمي ودولي وتظهر مع اقترابه كل مرة بوادر وإمكانات عودة الفوضى والحرب وانقلاب الأوضاع من جديد.
ذلك أن الاستحقاق الرئاسي في لبنان منذ الاستقلال الأول عام 1943 الذي أرسى مفهوم الدولة مرورا بمرحلة تفكك الدولة خلال سنوات الحرب الأهلية.
وصولا إلى يومنا هذا لم يخرج مرة من دائرة مصالح وحسابات الدول الصغيرة والكبيرة، وكان ولا يزال أسير التوازنات والتجاذبات الإقليمية والدولية في ظل نزاع طائفي داخلي وصراع سياسي بين مشروعين وانقسام بين رؤيتين حادتين لواقع الأمور ومستقبل البلاد.
هذه الإشكالية الرئاسية التي يتفرد بها لبنان عن أقرانه في المنطقة يردها كل طرف إلى معطيات تاريخية وحديثة ترتبط ارتباطا وثيقا بتكوين وبنية الدولة والظروف التي رافقت نشأتها، فيعتبر الأكاديمي والباحث فريد الخازن المطروح على لائحة المرشحين للرئاسة اليوم أن كل التراكمات والتجارب التي خاضها لبنان منذ الاستقلال قبل نحو أربعين عاما لم تفرز أرضية طبيعية للحياة السياسية.
وقسم تاريخ الاستحقاق الرئاسي على ثلاثة مراحل قبل الحرب الأهلية وخلالها وبعدها، وقال المراحل الثلاثة لم تخرج لبنان من واقع التعطيل السياسي ولم تخلق توازنا في الحياة السياسية اللبنانية.
وتابع الخازن: «لطالما كان الاستحقاق الرئاسي في لبنان محكوما بعوامل خارجية وكان التأثير الداخلي محدودا أما اليوم فالواقع مختلف ورغم التدخلات الإقليمية والدولية إلا أن للعامل الداخلي تأثيرا كبيرا ينبغي أن يستثمر ويعول عليه لنحافظ على هذا النظام المفتوح المتنوع والديمقراطي الفريد».
المفكر والباحث الوزير السابق دميانوس قطار، المطروح اسمه للرئاسة، اعتبر أنه من الطبيعي أن يترافق الاستحقاق الرئاسي اللبناني كل مرة مع ارتباكات داخلية فلبنان مشروع إنساني حضاري ونحن نعيش في شرق أوسط متأزم أصلا وقابل للاشتعال ومنذ خمسين عاما تتعرض المنطقة لاهتزازات مستمرة بسبب الصراع العربي الإسرائيلي.
وقال: « الرئاسة في لبنان صمام أمان لأنها ترمز إلى رئاسة مسيحية مرتبطة عضويا بهذا المشرق الإسلامي وللبنان ميزات فريدة في هذا العالم وخصوصيات لكن معادلة حكمه صعبة ونحن سنعيش نفس الأزمة بعد ست سنوات أخرى وبعدها أيضا طالما أن لبنان هو مشروع تلاقي للحضارات في هذه المنطقة غير المستقرة.
وقال لم يكن الاستحقاق ولا مرة داخليا فقط لأن للبنان امتدادات في هذا المشرق ولأنه اليوم لا تسوية إقليمية في المنطقة يضعف الاهتمام الإقليمي.
فيما ترتفع وتيرة الاهتمام الدولي بلبنان لأن الفشل هنا يهدد الكثير من المناطق في العالم»، معتبرا أن المطلوب مع كل استحقاق رئاسي لبناني رئيسا مؤسساتيا وليس رئيسا يدير أزمة بل يدير الطاقات الإنتاجية اللبنانية ليحافظ على ما تبقى منها.
بيروت ـ ثناء عطوي
