تسيطر على العالم هواجس كثيرة جراء استغلال مصادر الطاقة لأغراض التسلح كتكنولوجيا متطورة للمستقبل، وليس لأغراض التنمية والتطوير، وترتفع نسبة المخاوف لدى العرب بشكل خاص جراء امتلاك إسرائيل أكبر ترسانة نووية في الشرق الأوسط، في ظل غياب أنظمة الرقابة والحماية الدولية.

رفض إسرائيل الالتزام بقوانين وتشريعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعدم السماح للمفتشين بدخول منشآتها، فيما يتجه عدد من الدول العربية إلى إنشاء مفاعلات نووية سلمية غايتها تطوير المجتمعات وتنميتها، بينما تتجه الدول الأوروبية إلى الاستغناء عن الطاقة النووية.

ثقافة الطاقة والأمان النووي وغيرها من العناوين ناقشتها «البيان» مع رئيس المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأمين عام المجلس الوطني للبحوث العلمية الدكتور معين حمزة.

تحدث الدكتور حمزة بداية عن الملف النووي الإيراني، فأكد أنه ليس للوكالة الدولية أي دور سياسي وليس لها أي صلاحية أو قدرة على اتخاذ قرار تدين فيه نشاط إيران النووي، وقال إن مدير عام الوكالة محمد البرادعي لم يقدم براءة ذمة ولا إدانة لإيران فهو لم يتوصل إلى استنتاج حول المدى الذي وصل أو سوف يصل إليه البرنامج النووي الإيراني، لقد قدم جدولة لبرمجة عمليات التفتيش والرقابة التي يقوم بها خبراء الوكالة على المنشآت النووية الإيرانية والتي ستستمر ثلاثة أشهر، بدأت من منتصف سبتمبر، وتمتد حتى منتصف أكتوبر على أن يرفع بعدها تقريرا مفصلا إلى مجلس الأمن يتضمن نتائج أعمال التفتيش.

أضاف لم ينتقد الجانب الأميركي هذه الخطوة لكنه اعتبر أنها لن تؤدي إلى نتيجة لعدم ثقته بالجانب الإيراني، فيما شاركت جزئيا بعض الدول الأوروبية بهذا التحفظ لكن أيا من هذه الدول تتقدم بمشروع قرار إدانة بانتظار تقرير البرادعي، وقال إن الأمور موضوعة في نصابها الآن فالوكالة تقوم بأعمال الرقابة والدولة المعنية أي إيران سمحت بعمليات التفتيش والوكالة ستضع تقريرها في منتصف أكتوبر الذي سيكون موضوعيا وواقعيا ومجلس الأمن هو الوحيد المخول اتخاذ القرار المناسب.

وقال حمزة «كل ذلك مهم لكن لماذا لا تطبق الإجراءات نفسها وتتخذ المواقف نفسها ضد نشاط إسرائيل النووي التي تمتلك برنامجا سريا وغير مفتوح أمام مفتشي الوكالة، وقال هذا السؤال نطرحه دائما في أروقة الوكالة الدولية ويأتي التبرير بأن لإسرائيل وضعا خاصا أمام عدوانية جيرانها في حين يشكو جيرانها من عدوانيتها».

وأضاف: لطالما كان للدول العربية طيلة السنوات العشر الماضية موقفا معارضا لنشاط إسرائيل النووي في منطقة الشرق الأوسط، لكن هذا الموقف لم يصل يوما إلى مرحلة القرار نتيجة غياب الإجماع من جهة وعدم القدرة على تأمين الأكثرية اللازمة، فصاروا في كل مرة يلجأون إلى إصدار بيان رئاسي لكنه فارغ المضمون كونه يتطلب إجماعا غير متوافر، ودائما كان الرد بأن المجلس أخذ علما وأحال الموضوع إلى الجلسة العامة، واستمر الوضع على هذا المنوال طيلة السنوات السبع الماضية، إلا أنه في العام 2006 تراجع العرب أكثر إلى درجة أنهم عجزوا عن فرض بيان رئاسي حتى وأصدروا توصية مفادها عدم اتخاذ أي توصية.

أما خلال العام الحالي فقد تراجع التأييد الدولي للقضايا العربية بشكل لافت حيث امتنعت 47 دولة عن التصويت على مشروع القرار المصري الذي تقدمت به خلال المؤتمر العام الذي انعقد في فيينا الشهر الماضي لضمان المنشآت النووية في منطقة الشرق الأوسط والموجه بشكل خاص ضد إسرائيل الدولة الوحيدة في المنطقة التي لم توقع على معاهدة عدم الانتشار.

واللافت أنه من بين الدول الممتنعة دول إفريقية وأخرى إسلامية وبعض دول عدم الانحياز فيما وافقت 53 دولة على مشروع القرار وعارضته دولتان هما إسرائيل وأميركا، واعتبر أن التراجع الدولي يعود لسببين أساسيين فإما أن العرب لا يحسنون تقديم قضاياهم أو أن مصالح الدول الكبرى في واد والدول الأخرى في واد. كذلك هناك بعض الدول التي ترى في المنطقة سوقا لهذا النوع من التجارة.

وقال حمزة إن الدول الـ 196 المنتسبة إلى الأمم المتحدة والعضو في الوكالة الدولية، تلتزم بلوائح وقوانين وأنظمة الوكالة فيما يتعلق بمعاهدة عدم الانتشار وبالاستخدام السلمي للطاقة كتوليد الكهرباء وتحلية مياه البحر والاستخدامات الطبية والصناعية وتلتزم بلوائح الوكالة لجهة أمن وأمان المنشآت النووية وبمنع التداول غير المشروع بالمواد النووية والرقابة الإشعاعية المستمرة على المنشآت، مقابل كل ذلك تقوم الوكالة بمساعدة هذه الدول لوضع التشريعات القانونية الخاصة بكل دولة لتوقيع المعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بها.

ووقعت الأغلبية الساحقة من هذه الدول على الاتفاقيات، فيما البعض القليل منها يستعد لتطوير أنظمته لتوقيعها، في حين تبقى إسرائيل استثناء فترفض التوقيع على معاهدة عدم الانتشار علما بأنها دولة كاملة العضوية في الوكالة، وهي تمتنع عن توقيع البروتوكول الإضافي الذي وقعته دول أخرى وترفض السماح للمفتشين الدوليين بدخول منشآتها وتطالب بالمقابل بالاستفادة من برامج التعاون التقني مع الوكالة الدولية.

وأكد حمزة على مخاطر التسلح النووي الإسرائيلي وتأثيره على التوازن بين دول المنطقة، مؤكدا أن ترسانة إسرائيل النووية تعطيها تفوقا على جاراتها لا سيما وأن أيا من الدول العربية لا تمتلك أسلحة نووية، عدا عن هذا الخلل فإن عدم قدرة مفتشي الوكالة على الدخول والقيام بعمليات الرقابة قد يتولد عنه أي تسرب لا يمكن السيطرة عليه على غرار ما نسمع عن مفاعل ديمونا. ولن تنحصر حينها الأضرار بإسرائيل وحدها بل سوف يتأثر كل المحيط، مؤكدا أن الحماية الفعلية تكون بالتزام إسرائيل بأنظمة الوكالة والتقيد بقوانينها وتشريعاتها.

وفيما تمضي إسرائيل قدما في تعزيز ترسانتها النووية ترتفع كل يوم أصوات كثيرة من أجل استحداث منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط وتفعيل أنظمة الرقابة والأمان النووي كما يقول حمزة على غرار دول أميركا اللاتينية، فيما تقف مشاريع الطاقة العربية على أبواب هذه التكنولوجيا لاستخدامها سلميا لأغراض الطب والصحة والزراعة والبيئة، وأوضح أن دولا عربية عديدة تقدمت بطلب لدى الوكالة لإقامة منشآت نووية ولا سيما اليمن ومصر ودولة الإمارات العربية والسعودية والبحرين.

وأشار إلى أن التفاوض والنقاش يجري حاليا مع هذه الدول من أجل إثبات أهليتها لاستقبال مفاعلات نووية وهذه الأهلية ينبغي أن تتوفر لدى الممولين والمشغلين، وأكد على حق هذه الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية كوسيلة مشروعة لتنمية مجتمعاتها ذلك أن توفر الطاقة وتنويع مصادرها يبقى في أساس أي مبادرة جادة للحد من الفقر وتحسين ظروف المعيشة وإبعاد المجتمعات عن التطرف.

وأشار حمزة إلى أن الدول العربية لديها ثروة من الطاقة السائلة والغازية وهي تشكل نقطة استقطاب استراتيجي، إلا أن التفكير بالتنمية المستدامة يتطلب تفكيرا جديا بتنويع مصادر الطاقة ذلك أن النفط ليس عبارة عن آبار مياه متجددة بل يعتبر طاقة غير متجددة وكل الدراسات والتقارير تشير إلى نضوب هذه الآبار في غضون السنوات العشرين أو الخمسين المقبلة.

كما أن الدول العربية ليست بمعظمها منتجة للنفط بل مستهلكة وتدفع ثمن النفط وفق الأسعار العالمية المتداولة، لذلك فإن هناك مصلحة للجميع في تنويع مصادر الطاقة واللجوء إلى مصادر الطاقة النظيفة والرخيصة وذات المردود الاقتصادي المعقول، لذلك فإن هناك حاجة للطاقة الشمسية على صعيد الاستعمال الشخصي وهناك حاجة لدراسة الجدوى الاقتصادية والملاءمة الفنية لإنتاج الطاقة من مصادر نووية.

وهذا يتطلب بحسب المتداول عالميا استقرارا أمنيا وسياسيا لدى الدول المعنية وإعداد الموارد البشرية المتخصصة في هذا المجال ونشر ثقافة الطاقة التي ينبغي أن يتقبلها ويتفهمها أي مجتمع والتزاما كاملا بلوائح الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبرا أنه بخلاف ذلك لن يكون ممكنا لأي دولة في المنطقة أن تلجأ لهذا المصدر الجديد من الطاقة سواء لتوليد الكهرباء أو تحلية المياه أو غير ذلك.

وإذ تنحو دول كثيرة نحو هذا الانخراط في هذه التكنولوجيا تستعد دول أخرى لا سيما دول أوروبا الشمالية للتخلي نهائيا عن الطاقة النووية في غضون السنوات العشر المقبلة، كما يقول حمزة لأن مخاطرها أكثر من حسناتها، موضحا أن نسبة استخدام ألمانيا للطاقة النووية ستكون صفرا بعد عشر سنوات.

وهناك أكثر من دولة ستحذو حذوها لاعتبارات اقتصادية وبيئية فالطاقة النووية ليست هدفا بل بديلا ولها سلبياتها مثل إيجابياتها وإذا ما توفرت الطاقة من مساقط مياه كافية وكان هناك قدرة على توليد الطاقة من الهواء والرياح، فلماذا اللجوء إلى مصادر غير آمنة، مشيرا إلى أن هذه الدول لم تفكر سابقا بالتخلي عن الطاقة النووية لأن تقنيات الطاقات البديلة المتطورة لم تكن بمتناول الجميع كما هي اليوم والتي باتت قادرة على المساهمة في تحلية المياه وتوليد الطاقة والحفاظ في الوقت نفسه على حماية البيئة.

بيروت ـ ثناء عطوي