أحكمت السلطات الباكستانية قبضتها الأمنية غداة إعلان حالة الطوارئ باعتقال عدد من زعماء المعارضة أو وضعهم تحت الإقامة الجبرية في وقت دعا المحامون الباكستانيون إلى إضراب في كل أنحاء البلاد اليوم احتجاجا.
وانتشر رجال شرطة ووحدات شبه عسكرية أمس في محيط مراكز السلطة في باكستان منذ أن أعلن الرئيس الباكستاني برويز مشرف حال الطوارئ أول من أمس. وأفاد شهود أن الشرطة نصبت حواجز ووضعت أسلاكا شائكة على الطرقات المؤدية إلى البرلمان والقصر الرئاسي والمحكمة العليا في العاصمة إسلام اباد. وأقيمت نقاط تفتيش قرب الإذاعة العامة ومحطات التلفزة والفنادق الفخمة في العاصمة حيث ساد الهدوء. وفتحت المتاجر أبوابها لكن الحركة كانت خفيفة جدا. وقبضت السلطات أمس على زعماء معارضين وناشطين حقوقيين في محاولة لاحتواء المقاومة الشعبية لحالة التواري.
وقال إحسان إقبال الناطق باسم رابطة المسلمين - جناح نواز المعارضة «الشرطة اعتقلت عشرات من كبار قادتنا وناشطينا في مداهمات تمت قبل الفجر استهدفت مقار إقامتهم». واعتقل داوود هاشمي نائب رئيس الحزب من منزله في بلدة مولتان بوسط البلاد. وقال هاشمي للصحافيين قبل أن ينقل من منزله في سيارة تابعة للشرطة «أيام الجنرال مشرف معدودة وتدخل الجيش في العلاقات السياسية سينتهي قريبا». ونقل الموقع الالكتروني لقناة (جيو) التليفزيونية الباكستانية أنه جرى اعتقال ما لا يقل عن عشرة من نشطاء الحزب أيضا.
وفي الوقت نفسه استمرت الشرطة في عمليات دهم طالت قيادات مختلف الأحزاب السياسية في عدد من مناطق البلاد ومن بينها لاهور وروالبندي وبيشاور وإسلام آباد وكراتشي وحيدر أباد.كما اعتقلت أجهزة الأمن أيضا اسماء جيهانجير رئيسة لجنة حقوق الإنسان في باكستان في منزلها في لاهور عاصمة إقليم البنجاب. وفي الإطار نفسه كشفت صحيفة (صندي تليغراف) أمس أن السلطات الأمنية في إسلام أباد وضعت الزعيم المعارض عمران خان رهن الإقامة الجبرية.وأكد نجم لعبة الكريكيت السابق والسياسي الباكستاني المعارض في حديث مع الصحيفة البريطانية عبر الهاتف أنه تعرض للاحتجاز بعد إعلان الرئيس الجنرال برويز مشرف حالة الطوارئ في باكستان أول من أمس.
وأشارت الصحيفة إلى أن خان ابلغها أنه وضع رهن الإقامة الجبرية قبل أن يتم قطع هاتفه، مشيرة إلى أن مساعده سيف الله نيازي الذي كان برفقته لحظة اعتقاله أكد أن 30 شرطياً باكستانياً اقتحموا منزل خان واحتجزوه بدون مذكرة اعتقال. وقال نيازي للصحيفة عبر الهاتف إن «رجال الأمن اخبرونا بأنهم ليسوا لصوصاً بل شرطة وجاءوا إلى هنا لوضعه (خان) رهن الإقامة الجبرية بموجب أوامر تلقوها من جهات عليا» وأبدى نيازي خشيته من أن يكون خان نُقل من منزله بمدينة بانيغالا القريبة من العاصمة إسلام أباد إلى موقع في بلدة مولتان في جنوب البنجاب «في محاولة من السلطة لإسكات الأصوات المعارضة».
وفي مقابل هذه الإجراءات دعا المحامون الباكستانيون إلى إضراب في كل أنحاء باكستان اليوم الاثنين احتجاجا على فرض الرئيس برويز مشرف حالة الطوارئ في البلاد.وقال حامد علي خان الرئيس السابق لنقابة محامي المحكمة العليا «سنبدأ نضالنا اعتبارا من الغد (اليوم). المحامون سيقومون بإضراب. سننظم احتجاجات ونقاطع المحاكم».
طوارئ أم أحكام عرفية ؟
هناك حد فاصل من الواجب وجوده بين الأحكام العرفية وقوانين طوارئ محددة بنصوص. فالاحكام العرفية ليست سهلة الاعلان أو التنفيذ وانما يلزمها تغطية سياسية كبيرة، فأي نظام سياسي يعلن الأحكام العرفية يضحي بجزء كبير من شرعيته ومصداقية مراعاته لحقوق الانسان.. ولا بد من تقديم بدائل تشعر الناس بالاطمئنان لقاء التنازل عن جزء من حقوقهم المدنية.
فالأحكام العرفية قد تمتد الى تعطيل بعض الصحف واحالة المواد المطلوب نشرها الى الرقيب قبل ان يقرأها الناس، كما يمكن ان تعطل الحياة الحزبية فضلاً عن منع التجوال ما بين المساء والصباح وتحديد نقل المواطنين من مدينتهم وإليها وتثبيت كشوفات بزائري أي مدينة من غير ساكنيها وربما إثبات هويتهم وتحديد ساعات أو أيام اقامتهم في غير مدينتهم بضمانة كفيل معرّف والغاء الأنشطة ذات الطابع الجماهيري والاحتفالي في مناسبات دينية أو وطنية لأنها قد تكون مناسبة لاثارة شغب أو عنف أو استهداف من خصوم أو ارهابيين من الخارج.
وجهان في الأحداث
مشرف.. يستلهم نابليون ونيكسون
يطرح الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف الذي أعلن أول من أمس، حالة الطوارئ في البلاد، نفسه سدا منيعا في وجه أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، ويستلهم نابليون بونابرت وريتشارد نيكسون في رغبته بالتمسك بالسلطة. وأعلن الرئيس الباكستاني حالة الطوارئ السبت قبل أيام من صدور حكم المحكمة العليا المنتظر بشأن شرعية الانتخابات الرئاسية التي جرت في السادس من أكتوبر وفاز فيها مشرف بولاية جديدة.
وكثيرا ما يستشهد مشرف منذ استيلائه على السلطة في انقلاب أبيض في 12 أكتوبر 1999، بنابليون والرئيس الأميركي السابق نيكسون، مشيدا بصراحة الأول العسكرية الطابع وبأدائه البعيد من الاعتبارات الدبلوماسية، ومثنيا على حدس الثاني وقدرته على التكيف مع الظروف. وهو يقدم نفسه على انه منقذ الأمة الباكستانية النووية والحصن المنيع الذي يحمي العالم من تنظيم القاعدة وبن لادن، فيما تعتبر واشنطن أن التنظيم الإرهابي أعاد تشكيل قواته في المناطق القبلية الباكستانية شمال غرب البلاد.
ويقول المحلل السياسي الجنرال السابق طلعت مسعود إن «مشرف يعاني شعورا بالعظمة»، داعيا إياه إلى إعادة إرساء الحكم المدني. وأضاف «كل المستبدين يعتقدون أنهم المنقذ الأوحد وان من دونهم ستنهار الدولة وأنهم مختارون للقيام بدورهم».
ومشرف المعتدل، كسب تأييدا لمحاولته التصدي للتطرف وحققت البلاد في عهده نموا اقتصاديا غير مسبوق جعل من اقتصادها احد أسرع الاقتصادات نموا في العالم. كما شجع مشرف دخول البلاد بقوة عصر الالكترونيات ووسائل الإعلام. ولا شك أن الجنرال يبدي قدرا كبيرا من الشجاعة ببقائه في منصب تسبب له بمحاولتي اغتيال دبرتهما القاعدة، وقال مرة على موقعه على الانترنت في هذا الصدد «اعتبر نفسي محظوظا. ويقول نابليون انه فضلا عن كل الصفات المطلوبة من زعيم ما، يجب أن يكون محظوظا حتى ينجح. ومن المفترض تاليا أن انجح». وغالبا ما يستشهد مشرف العنصر السابق في قوات النخبة بأقوال لنابليون.
إلا أن مسعود يقول إن إصرار مشرف على البقاء في السلطة لتطهير بلده الذي يضم 160 مليون نسمة يعتنق معظمهم الإسلام، من التطرف الإسلامي ينبع من تفكير خاطئ. ويضيف «القول إنه القادر على شن الحرب على الإرهاب أمر سخيف. هناك حاجة إلى شخص آخر لبعث الحيوية وحشد القوى التي يمكنها مواجهة قوى الإرهاب». ويخوض مشرف مواجهة مع المحكمة العليا منذ أمر في مارس بإقالة رئيسها افتخار محمد شودري. ولكن المحكمة العليا نقضت قرار مشرف وأعادت رئيسها إلى منصبه في يوليو. وعمد شودري قبل أيام من الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها مشرف بولاية جديدة مدتها خمس سنوات إلى إصدار أمر قضائي منع بموجبه إعلان نتائج هذه الانتخابات قبل ان تبت المحكمة دستوريتها.
برويز مشرف
شودري.. شوكة في خاصرة النظام
يعتبر الرئيس السابق للمحكمة العليا في باكستان افتخار محمد شودري الذي أبعد أول من أمس من منصبه للمرة الثانية هذا العام إثر إعلان حالة الطوارئ، شوكة في خاصرة نظام الرئيس برويز مشرف. وكان شودري (58 عاما) تسلم منصبه في صيف 2005 لكن مشرف أقاله في التاسع من مارس الفائت بتهمة سوء استخدام السلطة وارتكاب أخطاء مهنية.
غير انه عاد إلى هذا المنصب في يوليو إثر تظاهرات دعم له في كل أنحاء البلاد. واعتبرت المعارضة أن إبعاد شودري كان مناورة من مشرف حين اقترب موعد الانتخابات الرئاسية في السادس من أكتوبر، وكذلك الانتخابات التشريعية المقررة في يناير 2008 والتي أعلنت الحكومة الباكستانية أمس عن احتمال «تغيير» موعدها.
ويتوقع أن تبت المحكمة العليا قانونية إعادة انتخاب مشرف رئيسا قبل الثاني عشر من نوفمبر. وتقدمت المعارضة بطعن أمام المحكمة العليا بحجة أن الدستور يمنع مشرف من الترشح للانتخابات مع بقائه قائدا للجيش من جهة، وان إعادة انتخاب الرئيس ينبغي أن تتم من جانب المجالس الإقليمية المنبثقة من الانتخابات التشريعية المقبلة وليس تلك المنتهية ولايتها من جهة أخرى. وفي خطاب إلى الأمة الليلة قبل الماضية شرح فيه أسباب إعلان حالة الطوارئ، هاجم مشرف النظام القضائي معتبرا أن «نظام الحكم شبه مشلول والمحاكم تهين كل الموظفين الحكوميين العاجزين عن اتخاذ القرارات».
وأورد القرار الرئاسي الذي نص على فرض حالة الطوارئ أن «بعض أعضاء الهيئة القضائية يعملون ضد السلطة التنفيذية والتشريعية في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف ما يضعف من فعاليتها لمواجهة هذا التهديد». وسارع نظام مشرف السبت إلى محاصرة المباني التابعة للمحكمة العليا في إسلام اباد وإقالة القاضي شودري مجددا. وكان شودري اتخذ قرارات لم ترق للسلطة التنفيذية مثل إلغاء خصخصة أول مجموعة باكستانية للتعدين. كذلك، أمر القوى الأمنية بالعثور على عشرات من المفقودين الذين يعتقد أن أجهزة تابعة للنظام اعتقلتهم.
وفي نهاية أغسطس، وجه هذا القاضي المعروف بنزاهته صفعة جديدة إلى الرئاسة الباكستانية عبر سماحه بعودة رئيس الوزراء السابق نواز شريف إلى البلاد. وكان مشرف نفسه أطاح بشريف في انقلاب أبيض في أكتوبر 1999. لكن شريف ابعد مجددا إلى المملكة السعودية فور وصوله إلى باكستان في العاشر من سبتمبر. وكان مشرف أقال عام 2000 ثمانية عشر قاضيا، بينهم رئيس المحكمة العليا، لأنهم رفضوا أداء اليمين بعد استيلائه على السلطة.
مؤتمر
بوتو: اعلان لأحكام عرفية وتشجيع للمتطرفين
اعتبرت رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بنازير بوتو امس ان خطوة الرئيس برويز مشرف اعلان حالة الطواريء في البلاد ستؤدي الى تشجيع المتطرفين وتقوية صفوفهم. وقالت بوتو خلال مؤتمر صحافي في منزلها في كراتشي الذي عادت اليه اول من امس «هذه ليست حال طواريء، انها احكام عرفية وشعب باكستان سيحتج عليها». واضافت «لقد عدت لكي اشجع شعبي ولاجري مشاورات مع زملائي في الحزب حول التحرك المقبل. يجب اجراء انتخابات حرة ونزيهة في الوقت المحدد لكن من غير المنتظر ان يتم ذلك في ظل ديكتاتورية».
وقالت بوتو للصحافيين في المؤتمر الصحافي في منزلها «كنا نريد حلا سياسيا لنقل البلاد من الديكتاتورية الى الديمقراطية لكن لم يكن هناك اي رد من الجانب الاخر».واضافت «ان هدف الحوار مع مشرف كان اعادة البلاد الى طريق الديمقراطية».
من جهة اخرى قالت بوتو انه ليست هناك اجتماعات مقررة مع مشرف «لكن اذا اراد عقد لقاء فسألتقيه واقول له انه من المهم جدا اعادة العمل بالدستور واعادة حكم القانون والافراج عن المعتقلين السياسيين والعودة عن الخطوات التي اتخذت». ودعت بنازير بوتو المجتمع الدولي الى الضغط على مشرف للعودة عن قراره معبرة عن اعتقادها بانه يرغب في تأخير موعد الانتخابات التشريعية المقررة في يناير.
وفي حديث في وقت مبكر مع شبكة (سي ان ان) قالت بوتو انها توافق مشرف الرأي حول حجم التهديد الذي يشكله المتطرفون. واوضحت «هناك تهديد فعلي من سيطرة المتطرفين الاسلاميين الذين تعززت قوتهم ومواقعهم في السنوات الخمس الاخيرة».
لكنها اضافت «انني اوافق تماما مع الجنرال مشرف على ان باكستان على حافة انعدام الاستقرار، لكنني لست موافقة على الحل» الذي قدمه.وقالت «ان الجنرال مشرف اعطى مؤيدي نظام المتطرفين قوة اكبر وعزز مواقعهم».وبوتو التي يعتبر حزبها «حزب الشعب الباكستاني» الاكبر في البلاد، عادت الى البلاد للمرة الاولى في 18 اكتوبر بعد ثمانية اعوام من المنفى.
الصحف تندد بـ «الانقلاب الثاني» لمشرف
أجمعت الصحف الباكستانية الصادرة امس على التنديد باعلان الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف حال الطوارئ في البلاد السبت متهمة اياه باعادة البلاد الى زمن الديكتاتورية.وعنونت صحيفة دون (الفجر) الناطقة بالانجليزية «الانقلاب الثاني لمشرف»، بعد الانقلاب الاول الابيض الذي استولى بواسطته على السلطة في اكتوبر 1999.
وكتبت الصحيفة التي اسسها محمد علي جناح الاب المؤسس لباكستان «لقد عدنا اذن الى البداية. الى 12اكتوبر 1999. كل الانجازات التي تحققت خلال السنوات الماضية ذهبت سدى». وتابعت الصحيفة الواسعة الانتشار «لقد تعرض الشعب لخيانة»، مشككة في ان يكون تمرد الاسلاميين الدافع الحقيقي للجنرال مشرف في اعلان حال الطوارئ. ورأت الصحيفة ان خوف مشرف من الغاء المحكمة العليا فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في السادس من اكتوبر هو الذي دفعه الى فرض اجراءات استثنائية في البلاد.
اما صحيفة (ذي نيوز اون صنداي) الناطقة بدورها بالانجليزية فوصفت الاجراءات الاستثنائية التي اقرها مشرف بـ «السبت الاسود» وكتبت «ان تاريخ الثالث من نوفمبر سيسجل في عداد الايام السوداء في التاريخ السياسي والدستوري» للبلاد، مشيرة الى ان مشرف ارتكب «خطأ فادحا في الحكم على الامور». واضافت «من العدل الاعتراف ان حال الطوارئ فرضت فقط لاستهداف مؤسستين هما النظام القضائي ووسائل الاعلام»..


