كان أزيز الرصاص مازال مسموعا في محيط المنطقة التي تسكنها مجموعة من الرعاة في منطقة الحديدية في غور الأردن وقت الظهيرة، حين أخذ محمد بشارات استراحته اليومية لشرب الشاي المدخن المعد على الحطب. رشقات متواصلة من الرصاص تطلقها مجموعات متناثرة من الجيش الإسرائيلي صوب بطون الجبال الصخرية تجعل المنطقة أشبه بساحة حرب لا تضع أوزارها أبدا.

لكن الهدوء ـ كما يقول تقرير لوكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) ـ الذي ساد لفترة وجيزة لم يكن إلا استراحة المحارب، فمشهد أرتال الدبابات العسكرية سريعة الحركة التي كانت تطوي الأرض خلفها عبر أرض سهلية ذات تربة ضاربة للون البني كانت إشارة كافية بالنسبة لبشارات بأن ثمة معركة قادمة لذلك فإن عليه أن يأخذ حذره.

يتحدث الرجل عن كثيرين من سكان المنطقة لقوا حتفهم أو تعرضوا للإعاقة بسبب التدريبات العسكرية الإسرائيلية: «الحياة أصبحت مستحيلة، إنهم يطلقون النار فوق رؤوسنا» قال بشارات لمراسل «وفا» بينما كان يجلس في ظل شجرة الدوم التي اعتاد أن يعد شايه اليومي تحتها منذ أن سكن هذه المنطقة قبل سنوات وهي ملاذه الوحيد في منطقة حارة لا تعيش فيها الأشجار بسهولة لبعدها عن مصادر المياه.

والمنطقة الغورية ذات التضاريس الجغرافية المتباينة تعتبر مجالا مفتوحا للجيش الإسرائيلي لإجراء تدريباته العسكرية فيها على مدار العام. وقبل عدة أيام فقط ظهرت فجأة ثلاث جيبات عسكرية أمام الرجل وهو يرشف أول رشفة شاي وعندما حاول التواري قليلا عن أعين الجنود المتحصنين داخل الآليات لاحقوه وأخرجوا بالقوة من المنطقة التي تحيطها من جهة الشرق سلسلة جبال رمادية عالية، تحتل قممها معسكرات قوات الاحتلال الإسرائيلي وأجهزة الرادار.

وعلى مساحات واسعة من منطقة الأغوار الشمالية تترامى مضارب الرعاة على شكل تجمعات سكانية صغيرة جدا لا يتعدى سكان الواحدة منها العشرات. وعلى مرمى حجر من هذه المضارب أقيمت المستوطنات ومعسكرات الجيش المعدة لتدريب الوحدات الجديدة في الجيش الإسرائيلي على مدار أيام الأسبوع باستثناء يوم السبت حيث يلتزم اليهود بعدم العمل بحسب نص ديني.

لكن حتى حرمة العمل المستمدة من العقيدة التوراتية في هذا اليوم بالنسبة للجيش الإسرائيلي ليست سببا مشجعا لبشارات وغيره من الرعاة للاقتراب من أماكن التدريب المعتادة، إذ ربما يتعرضون للأذى بسبب مخلفات هذه التدريبات من القنابل غير المنفجرة أو الألغام الأرضية المزروعة في مناطق متفرقة من الغور والتي أدت خلال السنوات الماضية إلى كثير من الإصابات.

«لا يمكن أن تأمن على حياتك هنا لحظة واحدة فالموت بسرعة الرصاصة هنا» قال الرجل في إشارة منه إلى الرماية العشوائية المفاجئة أثناء التدريبات وهو منهمك في توجيه مواشيه نحو رانات حديدية ملأها مسبقا بالماء.

وبين المنطقة التي يرعى فيها الرجل وغيره من رعاة المنطقة وبين منازلهم المبنية من الصفيح والخيش، توجد سلسلة من الجبال والهضاب المنخفضة التي تفصل بينها بقع ليست كبيرة من الأراضي السهلية التي حفر فيها جيش الاحتلال خنادق طويلة لإجراء التدريبات.

وقالت زوجة بشارات فيما كانت تتوارى خلف منزلها عن شارع يسلكه الجيش الإسرائيلي أثناء تدريباته ويمر قريبا من المنزل«لا يمكن الشعور ولو بلحظة سلام واحدة بسبب الرصاص المتطاير».

(وكالات)