يعمل عماد أبو عمر تاجر جملة في سوق الحسبة في مدينة نابلس منذ عشرات السنين، لكنه اضطر هذا العام لإغلاق محلة التجاري الكبير، جزئيا، بعد أن استنزفته المجموعات المسلحة التي تفرض عليه وعلى غيره من تجار السوق جزية (خاوة) شهرية.
أبو عمر يقول انه تعرض للابتزاز من مجموعات عديدة ما اضطره لإغلاق محله معظم ساعات النهار. ويضيف: «ان تعمل هنا يعني أن تدفع ما تحصل عليه لقاء عملك إلى المجموعات المسلحة التي تأتيك باسم الوطن والوطنية».
في احدى المرات تعرض هذا التاجر للخطف، أو ما يسمى بلغة أهل نابلس (لسحب)من قبل مجموعة عسكرية طلبت منه 50 ألف شيكل فقط من اجل «شراء السلاح والذخيرة دفاعا عن نابلس في وجه الاحتلال».
التجار الذين قرروا أن لا يدفعوا (الخاوة) في هذا السوق التجاري الكبير المعروف بسوق الجملة يستقبلون شحنات البضاعة في ساعات محددة أثناء النهار، ثم يسارعون لإغلاق محالهم، ويقومون بتحميل البضاعة سرا لتوزيعها على محال المفرق.
أما من بقي يعمل فيضطر لدفع الخاوة أو الجزية كما يسمونها هنا تندرا. احد التجار قال انه يدفع لجميع المجموعات دون استثناء. صاحب مصنع كبير في المنطقة الصناعية قال أيضا انه يدفع لعدد كبير من تلك المجموعات لانه ببساطة «إذا لم ندفع لواحدة من المجموعات فانها ستؤذينا».
التحول الذي تعيشه نابلس من عاصمة للانتفاضة أو عاصمة (الإرهاب) كما سماها القادة الإسرائيليون، إلى عاصمة الانفلات والفوضى، دفع الحكومة الفلسطينية إلى أن تعد خطة أمنية خاصة لإعادة الأمن والنظام فيها كاختبار لقدرتها على إعادة فرض الأمن والنظام في باقي أجزاء الضفة.
المحافظ الجديد للمدينة جمال محيسن الذي يتسم بالحزم والتصميم استدعى تجار المدينة الأسبوع المنصرم إلى اجتماع في قاعة غرفة التجارة والصناعة، وحثهم على التوقف عن دفع الخاوات للمسلحين والزعران. محيسن الذي استمع إلى شكاوى مئات التجار في هذه المدينة التجارية حذرهم من مواصلة دفع الخاوة ووعدهم بالمساعدة.
التجار مبتهجون بالحملة الأمنية لكنهم قلقون من توقفها في منتصف الطريق كما حدث لحملات أمنية سابقة. وهم يخشون من انتقام المسلحين الذين تواروا عن الأنظار في مركز المدينة في هذه المرحلة، وان كانوا ما زالوا يعملون في الأطراف خاصة في سوق الحسبة.
وقد نُشر في المدينة مؤخرا ثلاثة آلاف رجل امن. وثمة 500 رجل أمن إضافي سيصلون إليها قريبا. لكن قادة الأمن في المدينة يعترفون أن نجاح حملتهم يتوقف على حدوث تقدم سياسي، مشيرين في ذلك إلى أن نجاحهم يعتمد على بسط سيطرتهم على المدينة أولا، وعلى حصولهم على أسلحة وذخائر، وعلى توفير أجهزة ومعدات وسيارات لقواتهم.
مسؤول امني كبير في المدينة قال إن أجهزة الأمن تعاني من نقص في التسليح والذخيرة والمعدات والمقار. وأشار في هذا الصدد إلى أن نسبة الأسلحة إلى الأفراد تساوي واحد إلى عشرة، أي أن كل عشرة رجال أمن يشتركون في بندقية واحدة. وأشار إلى أن المقار لا تستوعب سوى ثلث القوة العسكرية.
وتبذل السلطة جهودا مع أطراف عدة أميركية وأوروبية وكندية، إضافة إلى المفاوضات الجارية مع الجانب الإسرائيلي لتحقيق هدف إعادة بناء أجهزة الأمن، غير ان ما حققته في ذلك ما زال محدودا بسبب عدم تجاوب الجانب الإسرائيلي.
ويقول مسؤولون في المدينة إن إسرائيل تجاوبت جزئيا مع مطلب السلطة وقف ملاحقة المطلوبين. وقال المحافظ إن إسرائيل رفضت إدراج 41 مطلوبا من نابلس في قائمة المطلوبين الذين أوقفت ملاحقتهم، وقامت في وقت لاحق بقتل اثنين واعتقال اثنين آخرين منهم الأمر الذي يدفعهم إلى مواصلة حمل السلاح وهو ما يضعف الحالة الأمنية في المدينة.
وما زالت إسرائيل تتشدد في رفض السماح للسلطة باستيراد الأسلحة والذخائر. وفي اللقاءات الخاصة يبرر المسؤولون الإسرائيليون هذا الرفض بخشيتهم من وصول تلك الأسلحة إلى ايدي الميليشيات والمجموعات العسكرية.
ويرد الجانب الفلسطيني على هذا التحفظ الإسرائيلي بالتحذير من عدم قدرة أجهزة الأمن على فرض الأمن، وهو ما تطالب به إسرائيل ليل نهار، في حال عدم توفر الأسلحة والذخائر والتدريب والمعدات.
ويعتبر رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض الأمن التحدي الأول لحكومته. ويقول في لقاءاته الخاصة والعامة ان نجاح حكومته يتوقف على عنصر الأمن أولا. فهل ينجح في ذلك؟
نابلس ـ محمد إبراهيم