عندما ذهب القائد العام لقوات التحالف في العراق، الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس، إلى جلسات الاستماع في «الكونغرس» الأميركي، في الثالث عشر من سبتمبر، اصطحب معه الدبلوماسي المحنك ريان كروكر، السفير الأميركي في بغداد، والذي تولى ملء «الفجوات السيادية»، أي تلك الخارجة عن نطاق صلاحيات بترايوس العسكرية.
ورغم الهجمة الشرسة من معارضي الحرب، الذين كان يكفيهم تغيير حرف واحد من اسم الجنرال الأميركي، ليصبح «ديفيد خاننا»، إلا ان بترايوس أصر على نظرته المتفائلة لمستقبل العراق، وأهدى الرئيس جورج بوش سلم نجاة من هجوم الديمقراطيين، بالقول بإمكان بدء انسحاب جزئي للقوات الأميركية من العراق.
وعندما أتى بترايوس إلى مائدة مستديرة مع الصحافيين في دبي أمس، أتى وحده، فبقيت «الفجوات السيادية» المغرية للصحافي قائمة.. ومن دون إجابات. اصطدم أكثر من سؤال بحاجز «خارج نطاق صلاحيات» الجنرال بترايوس، واذا ما أضيف ذلك إلى قوله مازحا «وظيفتكم ان تسألوا ووظيفتي ان أتفادى الإجابة»، فإن المائدة المستديرة دارت نوعا ما في حلقة مفرغة، أو بالأحرى حلقات من المعلومات المكررة.
جدد الجنرال بترايوس أمس التركيز على نظرته المتفائلة لمستقبل العراق، وحين بادرته «البيان» بالسؤال: هذا عنوان عام، ماذا في التفاصيل والإحصائيات؟ سحب من أوراقه رسوما بيانية، صنفها على انها «سرية» تظهر انعطافة حادة لتراجع عمليات العنف من هجمات وخطف وقتل وتفجيرات، فضلا عن تراجع حصيلة الضحايا، ومعتبرا شهر يونيو الماضي عنوانا لهذه الانعطافة.
ولأن الصدفة خدمت «البيان» بالجلوس إلى جانبه، تسنى للفضول الصحافي ان يختلس نظرة على هذه البيانات السرية، التي تفيد بأن رمضان الماضي كان الأقل عنفاً من «الرمضانيات» الأربعة الماضية، فضلا عن ورقة بخط اليد قدمت له خلال اللقاء الصحافي، مكتوب عليها «الأسبوع الحالي بلغ عدد حالات العنف 603، بينما كان العدد في الأسبوع الماضي 832».
الجنرال بترايوس عزا أسباب هذا التراجع إلى «التضحيات التي قدمتها كل من القوات العراقية وقوات التحالف»، فضلا عن «انقلاب الشعب العراقي على تنظيم القاعدة»، بدلالة انخراط المناطق السنية في حملة مطاردة عناصر هذا التنظيم. وذكر الجنرال الأميركي بالاتفاقات التي عقدت مع زعماء عشائر الانبار.
هذا، بحسب بترايوس، مضافا إليه التقدم في عمليات بناء القوات العراقية، يؤهله مجددا للحديث بثقة عن إمكان البدء في انسحاب جزئي للقوات الأميركي من العراق، و«هو ما بدأ بالفعل بسحب 220 من جنود مشاة البحرية (المارينز) منتصف سبتمبر وصولا إلى هدف سحب 3500 جندي بحلول يوليو المقبل»،
ولم ينس أيضاً التذكير بقرار الحكومة البريطانية سحب قواتها من البصرة، التي اعتبرها نموذجاً لتأهيل القوات العراقية لتتسلم زمام الأمن. هنا كان علينا السؤال: هل التحالف مع زعماء عشائر سنية كاف لضمان الهدوء في هذه المناطق؟ وماذا عن اعلان فصائل تنتمي ل«المقاومة» ومعظمها توالي النظام البعثي السابق، عن توحيد قواتها المسلحة وبرامجها السياسية؟
الجنرال بترايوس، ذهب بعيداً بالسؤال إلى القيادات البعثية العراقية في سوريا، وركز على انه لا يكترث سوى لمن يتواجدون على الأرض العراقية. فقاطعناه: انهم موجودون بالفعل. فرد «توحيد هذه الفصائل دليل خوف لأنها تضعف شيئاً فشيئاً».
وذكر باختفاء ما كان يدعى «مثلث الموت»، وعرج على الجهود التي تقودها الحكومة العراقية لضم هؤلاء إلى العملية السلمية، التي نوه إلى خطأهم الأول في عدم الانخراط فيها ومقاطعة الانتخابات البرلمانية.
أبرز العناوين الصحافية الجاذبة في مائدة بترايوس المستديرة، كان إعلانه عن ان «الهجمات التي ينفذها مسلحون وتستخدم فيها متفجرات وأسلحة قادمة من إيران، تراجعت في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ».
لكنه سارع إلى الاستدراك « ربما يكون السبب اعلان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر عن وقف كل الهجمات، والتزام ميليشياته (جيش المهدي) بهذا التوجه»، من دون الغمز من قناة الأخير بالقول انه «أساء لرسالة والده الاجتماعية ما ولد نقمة في الشارع ضده»، وهو ما يفسر- بحسب الجنرال الأميركي- قراره بوقف أنشطة جيشه العسكرية.
وفي العموم، قلل الجنرال الأميركي من أهمية تصريحات الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد، عن استعداد بلاده لملء الفراغ حال انسحاب القوات الأميركية من العراق، قال« نحن على ثقة بأن القادة والشعب في العراق لا يريدون لبلدهم ان يكون تابعا لإيران».
مرة أخرى، رفض بترايوس الإجابة عن سؤال بشأن حرص القوات الأميركية، وفور سقوط بغداد، على تأمين حراسة مشدد ومنيعة لوزارة النفط، وبرر رفضه بأنه «من المؤمنين بعدم وجوب النظر إلى الماضي بل التقدم إلى الأمام».
وعلى هذا أيضاً، آثر بأن يتم توجيه السؤال للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بشأن تصريحات الأخير عن مطامع غربية بالنفط وقفت وراء غزو العراق، لكنه أيضاً حرص على الإشارة بنظرة محاسبية إلى هذا الأمر،
بالقول «لو كنا نريد النفط لما أنفقنا نحو 700 مليار دولار على الحرب هذه، بل لعمدنا بهذا المبلغ إلى شراء نفط العراق لنحو ثلاثين سنة مقبلة، على أساس ان العراق ينتج ما قيمته نحو 30 مليار دولار سنويا».
ورداً على سؤال، عرج بترايوس على قضية وزير الدفاع العراقي السابق سلطان هاشم، المحكوم بالإعدام، قال «في العام 2003 (إبان الحرب) عرضت على هاشم ان اضمن له سلامته مقابل الاستسلام، وهو ما حصل بالفعل، واستقبلته مع عائلته بحفاوة على قدح من الشاي، ولاسيما انه أتى بلباسه العربي لا العسكري،
ونقلته بمروحيتي إلى مكان آمن، قبل تسليمه إلى الجهات المسؤولة عن احتجاز الشخصيات المهمة»، وأضاف «ضمانة السلامة التي قدمتها له لم تكن عامة بل كانت مشروطة بظرف محدد، ولم أتدخل كما قيل لمنع إعدامه في رمضان الماضي، فنحن لا نتدخل في أمور القضاء والسيادة العراقية».
وبشأن ما يحدث في شمال العراق، هون بترايوس من الأزمة، فهو لا يرى « مخاطر عسكرية كبيرة، وهناك تفضيل من الجانبين التركي والعراقي للحل الدبلوماسي»، ونصح الصحافيين بأن لا يتعمقوا كثيرا في قراءة تصريحات وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس عن «احتمال المشاركة عسكريا في تعقب مقاتلي حزب العمال الكردستاني» في العراق.
بقي على المائدة موضوع شركات الحراسة الخاصة، وما ارتكبت من فظائع في العراق، وآثر بترايوس على التركيز على انه يجري حاليا النظر في وضعها القانوني، لكنه أشار إلى انه شخصيا لديه ثلاثة حراس من هؤلاء يتولون حمايته، من الجنسية البريطانية، ويحرص دوما في سلوكهم على «تلميع صورة القوات الأميركية».
دبي حالة فريدة من نوعها على مستوى العالم
في الطابق ال33 في فندق «فيرمونت دبي»، حيث عقدت المائدة المستديرة، كان المشهد خلاباً، ابنية عصرية تطل على البحر الفسيح، هذا المشهد كان له في نفس الجنرال ديفيد بترايوس بالغ الأثر، قال بانبهار« ما يجري في دبي من عجلة تطور شيء يحبس الأنفاس حقا، انه شيء فريد من نوعه على مستوى العالم».
واستطرد« لقد عايشت بنفسي مظاهر التطور والعمران في مانهاتن الأميركية، لكن صدقوني ان هذه المظاهر لا تشبه ما يجري في دبي لجهة السرعة في الانجاز والتخطيط المتقن، والتصميم على التحديث والرفاه».
دبي ـ خالد أبوكريم
