حافظ على تقاليده القديمة رغم ملاحقة المدنية الحديثة لأدواته وتمسك بها مع اختلاف الأجيال وظل «النفر» و«الثمنة» و«القدح» مفردات تتردد في جنبات سوق الحبوب في صنعاء القديمة كوحدات للكيل، فقد احتفظ السوق بكل خصائصه رغم كل التحولات العصرية التي تحتم على مثل تلك الأسواق مسايرتها تماشيا مع تطور وتحول السلع التي تخصصت ببيعها أو أنها اختفت نتيجة تراجع الإقبال عليها.
فسوق الحبوب في صنعاء القديمة واحد من تلك الأسواق التي لا تسكن فيها حركة الكيالين والمكتالين طوال اليوم في مظهر يعيدنا إلى سنوات ربما قد طواها النسيان لدى البعض فطريقة العرض ووحدات القياس المستخدمة والتعبئة والتغليف فالخزن كلها تجري بالطرق التقليدية.
إذ تعرض الحبوب أكواماً متراصة والمقاييس المعتمدة هي مكاييل قديمة موحدة في كل أنحاء اليمن، أما التعبئة والتخزين فتتم عبر الأكياس المعتادة المخصصة للحبوب منذ قديم الزمن. تلك هي ملامح سوق الحبوب التي تميزه عن غيره، فيبدو كما لو أنه تحفة قديمة تعيد الزائر إلى فضاء ربما يكون نسيه إن كانت له علاقة مع تلك الأدوات والأجواء في الماضي،
أو سمع وربما قرأ عنها لأنه أمام ملامح ومظاهر تقليدية حية لكل التفاصيل التي تمر بها العملية التسويقية من بيع وشراء. ويقول تاجر الحبوب علي حسن «السوق بقي على حاله لأن البضاعة المعروضة فيه هي في الغالب منتج فلاحي يمني مثل القمح البلدي المعروف بالبر أو الذرة الصفراء، والحمراء والسمراء والبيضاء، والعدس و الفاصوليا، والبازلاء، الدخن... إلخ وهذه منتجات يمنية تقاس بمكاييل متعارف عليها في كل أنحاء اليمن.
رغم أن اليمنيين عرفوا في العقود الأخيرة العديد من وحدات القياس الحديثة مثل: الرطل، الكيلوغرام، القنطار، والطن وهي المعتمدة والمستخدمة في قياس الكثير من السلع والمنتجات المحلية والخارجية، إلا أن مكاييل الحبوب اليمنية لم تتأثر بتلك الوحدات القياسية الجديدة وظلت تكال بما استقرت عليه المعاملات في بيع وشراء ومقايضة الحبوب بين المزارعين والتجار في السوق وخارجه.
ويرجع محسن الخالدي وهو وسيط لبيع وشراء الحبوب ذلك إلى ما يعتبره استقرار استخدام هذه المكاييل بين الفلاحين والمزارعين أنفسهم كوحدة قياسية تبادلية تتم فيها صفقات المقايضة والسلفيات، حيث يلتزم المقترض (بفتح التاء وكسر الراء) أن يرد ما اقترضه بمقدار ما اكتاله ممن استوفاه الأمر الآخر من التعاقد بين ملاك الأراضي الزراعية وهو تعاقد قديم ابرم وفق المكاييل المعتمدة منذ القدم وبالتالي فان الوفاء بها يتطلب استخدام الأكيال السارية والمتعارف عليها.
وهناك من يعطي بعدا ثقافيا في تفسيره لاستمرار هذه المقاييس المستخدمة حتى يومنا هذا ومنها انتشار الأمية وسط الفلاحين وإصرارهم على المكاييل التي يفهمونها ودرجوا على استعمالها منذ أمد بعيد وبالتالي يصعب عليهم التعامل مع وحدات قياسية جديدة.
وحسب هؤلاء فان للمنتجات الزراعية طبيعة خاصة لا يمكن قياسها بالأوزان المستخدمة في سلع ومنتجات أخرى رغم قبول التعامل بها حتى من قبل الفلاحين والمزارعين أنفسهم والذين أصبحوا يتعاملون بها رغم الأمية والجهل المنتشر بينهم .
وبالتالي حسب هذا الرأي لا يمكن الاعتداد بالأمية والأخذ بها عند تفسير هذه المسألة لأن الأمر متجذر في صميم العلاقات التبادلية لمنتج معين وتعارف متفق عليه ضمنيا بين فئة لها نشاطها الخاص والمميز بدءا من الزراعة وحتى المقايضة والبيع.
ومهما تعددت وتنوعت التفسيرات لشرح هذه المسألة فالواضح للعيان والمثير للتأمل هو مظهر السوق ومخبره في آن واحد، حيث يجد الزائر نفسه في مواجهة حركة دؤوبة تنتهي حتما بصفقات مرضية من جهة وأمام مصطلحات قياسية راسخة متفق عليها بين المتعاملين.
فيشعر الزائر انه في فضاء مختلف وأجواء مثيرة للفضول جعلت من السوق بكل محتوياته مكانا خاصا يربطه عبدالقادر محمد (احد المتسوقين) بما يقول انه خصوصية المطبخ اليمني الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بما يعرضه السوق من أنواع خاصة من الحبوب التي لا يمكن ان تحضر الأطباق اليمنية التقليدية إلا بها.
وحسب هذا الرأي فسوق الحبوب بكل ما يقوم عليه نشاطه هو في الأصل واقع يحتمه المطبخ اليمني الذي يظل بكل المقاييس تقليدا تحضر أطباقه بالحبوب المحلية مثل: العصيد، والفطير، والهريش، والنشوف واللحوح وكلها أطباق وفطائر وجبات لاتعد إلا بالذرة الصفراء أو السمراء أو بالقمح البلدي.
صنعاء ـ عبدالكريم سلام
