من صخور صماء إلى تحف رائعة تزين واجهات المباني الفخمة والمحلات التجارية الراقية.

وراء هذا العمل الخلاق الذي يبهر الأثرياء والناظرين، تقف سواعد الفقراء من شباب الريف الجزائري والتي يعود لها الفضل في استخلاص هذه الصخور من الجبال ونحتها وتحويلها إلى شاهد على قدرة الإنسان على الإبداع بأبسط الإمكانيات.

هذه الحرفة التي باتت أشبه بالصناعة بدأت بشكلها الحالي في مطلع الثمانينات وانتشرت بكثافة في السنوات الأخيرة مع سرعة وتيرة العمران وارتفاع حدة التنافس بين الأثرياء الجدد وتهافتهم على تشييد أحسن القصور والفلل، وما يدره ذلك من أرباح طائلة على صناع تلك التحف.

ولا أحد يعلم اليوم من كان له الفضل في التأسيس لهذه «الصناعة» لكن الأكيد أن البداية كانت تجسيدا للمثل الشائع «الحاجة أم الاختراع» حيث دفعت تلك الحاجة مجموعة من الأشخاص لتحمل مشاق مصارعة الصخور يوميا لكسب العيش.

وبهذا المعنى تحدث عثمان (39 عاما) المنحدر من قرية جبلية قرب بلدة المنصورة في ولاية البرج، حين سألناه عن بداياته مع الحرفة فقال» بدأت العمل قبل عشرين عاما وكنت وقتها بلا عمل وأعطتني العائلة حمارا أنقل عليه الصخور من الجبل على نحو خمسة كيلومترات إلى جانب الطريق لأعمل عليها وأحولها إلى حجارة صالحة للبناء».

وأضاف «نعم بدأت العمل بمساعدة حمار، كنت أشقى وإياه وأحيانا أشفق عليه، وربما هو أيضا يشفق علي.

فالعمل مع الصخور صعب جدا سواء في اقتلاعها من أماكنها أو كسرها ونقلها أو تهذيبها ونحتها. خاصة ومنطقتنا باردة جدا شتاء وحارة صيفا وتقع على ارتفاع يتجاوز 800 متر فوق سطح البحر وعلى بعد 80 كيلومترا من الساحل.

لكن مع الأيام تعودت على تلك الصعوبات وصارت جزء من حياتي ولم يكن لي خيار آخر» ويتابع « كنت أرغب في الهجرة كما فعل غيري ونجحوا لكن الأبواب أغلقت في وجهي فعدت لعمل لا يحتاج استثمارا غير الجهد».

اليوم يملك عثمان مساحة كبيرة يعمل فيها عشرة عمال يدفع لهم أجورا بحسب عدد القطع التي ينجزونها. وصار معروفا جدا ويقصده كبار المقاولين للحصول على ما صار يسمى « حجارة الزينة». وقبل ثلاث سنوات فتح محلين للبيع المباشر في البويرة والعاصمة وهو يملك اليوم بدل ذلك الحمار ثلاث شاحنات كبيرة وسيارات ومسكنا جميلا وينعم بحياة الرفاه.

وبعد أن كان الناس يمرون على أكوام الحجارة المهذبة من دون أن يولها أهمية كبيرة لكن مع مرور الأيام تحولت المنطقة إلى قبلة لعشرات من الباحثين عن مواد البناء الجميلة والثمينة، وصارت الشاحنات والسيارات تملأ المكان ولم يعد «النحاتون» على كثرتهم قادرين على تلبية الطلب.

ويسير مصطفى وموسى والعربي وعبد الرحيم وآخرون على خطى عثمان ومن قادهم صبرهم وإصرارهم إلى النجاح، ويبدأون عملهم في الصباح الباكر ولا يثنيهم عن ذلك غير الظروف القاسية جدا خاصة في فصل الشتاء حين تتكدس الثلوج ويصبح العمل مستحيلا.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي