أثارت الهجمات الإرهابية الجديدة وآخرها الهجوم الذي استهدف أجانب هذا العام تساؤلات بشأن الاستراتيجية الأمنية في الجزائر ودعوات بتبني فكر جديد في الصراع من اجل إنهاء العنف السياسي. ولا تزال السلطات تقول إن السبيل الوحيد لوقف إراقة الدماء المستمرة منذ 15 عاماً هو السعي لتحقيق المصالحة الوطنية وهي سياسة تمنح العفو لجميع المسلحين الذين لهم صلة بالقاعدة مقابل نزع سلاحهم.
ولكن المعلقين يقولون إن هذه الاستراتيجية التي فشلت في وقف المسلحين الذين يزدادون جرأة لم تضع في الاعتبار خلفية اجتماعية قاتمة من البطالة والفقر تؤجج حالة عدم الرضا وتسهل تجنيد مهاجمين انتحاريين.
وقال هنري ويلكنسون المحلل في مؤسسة جانوسيان لإدارة المخاطر الأمنية ومقرها بريطانيا «إذا تجاهلت السلطات المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وركزت على الأمن وحسب فلن تجدي (الاستراتيجية)». ويمثل المناخ الاجتماعي الذي يزداد تدهوراً بسبب البطالة والفقر المدقع تهديداً للاستقرار. وأضاف «قضية الشرعية -الإحساس بأن الحكومة تقف بجانب الشعب- حاسمة بالنسبة للسلطات».
وفي استطلاع لآراء القراء نشرته صحيفة (الأخبار) الأكثر مبيعاً أول من أمس ذكر 76 في المئة ممن شملهم الاستطلاع أن المصالحة الوطنية حل «غير كافٍ» للتصدي للإرهاب. وقال قادر عبد الرحيم الخبير بشؤون المغرب العربي في معهد العلاقات الاستراتيجية والدولية في باريس إن فشل الدولة في توفير فرص عمل وما يشعر به كثير من الجزائريين من عزلة عن السياسة الرسمية يمثلان تهديداً أمنياً.
وتابع «انه وضع قابل للانفجار». وتوفير وظائف وتحسين ظروف الإسكان والصحة والتعليم عوامل رئيسية لاستقرار البلاد التي يقطنها 33 مليون نسمة ولا تزال متأثرة بأعمال العنف التي شهدها عقد التسعينات. ويعاني نحو 75 في المئة من الجزائريين دون الثلاثين من البطالة.
وبرز التهديد الأمني يوم الجمعة حين انفجرت قنبلة قرب قافلة للشرطة مصاحبة لعمال أجانب مما أسفر عن إصابة تسعة من بينهم فرنسيان وايطالي.
وأعلن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي مسؤوليته عن الهجوم الذي وصفه بأنه «استشهادي» وهو نفس الأسلوب المستخدم في هجمات سابقة على مواقع للشرطة والجيش هذا العام. وهذا ثاني هجوم يستهدف أجانب منذ مارس حين قتل ثلاثة جزائريين وروسي في هجوم على حافلة تقل عمالاً من شركة روسية تمد خطوط أنابيب لنقل الغاز.
وأبرز هجومين في العام الجاري محاولة فاشلة لاغتيال الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في بلدة باتنة وتفجير انتحاري في مبنى يضم مكتبي رئيس الوزراء عبد العزيز بلخادم ووزير الداخلية نور الدين يزيد زرهوني. وقال عبد الرحيم «الرسالة واضحة ومفادها.. يمكنا أن نضرب حيث نشاء».
ودعا أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة في شريط فيديو أذيع يوم الخميس الماضي مسلمي شمال إفريقيا «لتطهير» أرضهم من الإسبان والفرنسيين والعودة لحكم الإسلام. وتدرك السلطات أن حالة الغضب تجاه حكومة لا تستجيب لمطالب المواطنين وإزاء نقص فرص العمل وضعف ما يقدم من خدمات أساسية ساعد في زيادة التأييد للجماعات المتشددة في الثمانينات قبل أن تسقط الجزائر فريسة لأعمال العنف في التسعينات.
ويقول الجزائريون إن المشاكل الاجتماعية مستمرة لأن الحكومة لا تزال تصارع لتنفيذ الإصلاح بعد عقود من التخطيط المركزي. ويعوق الفساد والروتين ونقص الشفافية اجتذاب الاستثمار والخبرة الأجنبيين. ويقول كلود مونيكيه من المركز الأوروبي للمخابرات الاستراتيجية والأمن في بروكسل «الإطار الاجتماعي مشابه لما كان سائداً قبيل القلاقل في التسعينات».
وفي ذات الوقت كان تبني الهجمات الانتحارية وتكنولوجيا تصنيع قنابل أكثر فتكاً ونشاط عمليات جمع الأموال من التهريب والإتاوات واستخدام آلة دعائية متطورة تعتمد على شبكة الانترنت كلها عوامل ساهمت في استمرار نشاط القاعدة.
ويقول جزائريون إن إحدى المشاكل في هذا الصدد أن بعض أكثر الخبراء الأمنيين الجزائريين تمرساً في محاربة المتشددين تركوا الخدمة. ويقول محللون انه ربما تكون هناك تحركات لإعادة بعضهم للخدمة. وأذهلت بعض الثغرات الأمنية الجزائريين.
فقد اخترق مفجرون انتحاريون ثكنات قوات الأمن مرتين متنكرين على هيئة عمال يقومون بتوصيل الأطعمة. وفي باتنة فجر المهاجم قنبلته وسط حشد ينتظر بوتفليقة للترحيب به. وسقط أكثر من 200 ألف قتيل ضحية الصراع بين الجيش والجماعات المتشددة عقب إلغاء انتخابات تشريعية في عام 1992 كان الإسلاميون في سبيلهم للفوز بها.(رويترز)