يتخوف الفلسطينيون من برنامج صحي «تنموي» طرحته الولايات المتحدة تحت مسمى: «عائلات ذات صحة أحسن» نتيجة الحديث المتزايد عن الخلل الديمغرافي في إسرائيل، والقلق الرسمي الذي عبر عنه مسؤولون إسرائيليون حول ارتفاع معدل المواليد الفلسطينيين مقارنة باليهود، بينما طالب خبراء بمراقبة دور الدول المانحة وبرامجها.

وطرحت الوكالة الأميركية للتنمية (USAID) برنامج «عائلات ذات صحة أحسن» بكلفة 36 مليون دولار بهدف تنظيم نسل الأسرة الفلسطينية، ولكن هل هذا هو الهدف الحقيقي؟ الخبير في القضايا المجتمعية د. ساري حنفي، قال إن «مشروع الصحة الإنجابية مر ببلورة مسودات ثلاث.. تمت مشاورة الشركاء المحليين في مسودتين في حين تم رفض تعديل المسودة الثالثة رغم الانتقادات الكثيرة التي وجهتها إليها المنظمات غير الحكومية الفلسطينية»، وأوضح «ان هذه المنظمات ورغم الواجهة الديمقراطية للمشروع بعمومه، فإن التغييرات التي أُدخلت أساساً بناء على رغبة الشركاء المحليين كانت قليلة للغاية».

ويوضح أن المشاريع الأميركية تأتي محددة مسبقاً «ثم يقومون بتعديلات تجميلية ويعيدون تصميم الأشياء ولقاءات العمل التي تعقد للتمويه بوجود التشاور». ويضيف: «إن الكثير من هذه المنظمات عابت على المشروع تركيزه الأكثر من اللازم على عنصر الصحة الإنجابية، إلى جانب التغاضي عمداً عن تنفيذ جزء من المشروع في مناطق ج بحجة بقائها تحت المسؤولية الإسرائيلية، علاوة على عدم أخذها بالحسبان النواحي الأساسية للحياة اليومية التي تؤثر على نظام الرعاية الصحية الفلسطيني، اذ إن تصميم المشروع من حيث المواقع يقلل من أهميته بصورة واسعة.

ويبين حنفي أن هناك اختلافات جوهرية في تصور المشروع الأميركي، ففي الوقت الذي يشير فيه العنوان إلى الاهتمام بتحسين رفاه كل فرد في العائلة (عائلات أحسن صحة) فإن الأهداف الفعلية تركز حصرياً على الصحة الإنجابية، كما يتبين أن البرنامج لديه تركيز شبه كامل على الصحة الإنجابية بمفهومها التقليدي، وبهذا، يتم إدخال أولويات الوكالة الأميركية للصحة الإنجابية وتغليفها باستخدام لغة حول العائلة وتحسين الرفاه الاجتماعي.

ويكشف حنفي عن وجود العديد من المحددات التي يفرضها المانحون على المنظمات المحلية في عملية صياغة الأجندة، وتحديد حدود المساحة التفاوضية، وأنه عندما تحرم بعض المنظمات غير الحكومية من حقها في إعادة توجيه كيفية إنفاق الأموال في القطاع الصحي بفلسطين تتخذ سياسة «الهروب بشكل فردي»، الأمر الذي أتاح للوكالة الأميركية من خلال ترتيبات «تعاقد من الباطن» الاستمرار بمشروعها وأسلوبها الهرمي من أعلى إلى أسفل.

وبخصوص موقف وزارة الصحة، يقول حنفي: «إن الوزارة تثير الشك بأولويات المانحين المتركزة على برامج تنظيم الأسرة، وتعتبر أن هذا المجال حصل على تمويل أكثر من اللازم بما يتخطى القدرة الاستيعابية للمجتمع الفلسطيني في هذا النطاق»، منوهاً في الوقت ذاته إلى قول أحد العاملين في قطاع الصحة: «يبدو أن للولايات المتحدة طريقتين في ضبط النمو السكاني في فلسطين؛ واحدة من خلال طائرات الأباتشي الحربية، والثانية من خلال برامج تنظيم الأسرة».

ويرى الخبير الفلسطيني أن ارتفاع معدلات الخصوبة التي وصلت في العام 1999 إلى (93. 5%) حسب الجهاز المركزي للإحصاء سببا للبدء بتنفيذ البرنامج. ولكن يظل السؤال بأي وسيلة، مشيراً إلى أن الانتقاد الرئيسي لبرامج تنظيم الأسرة في فلسطين يكمن في محدودية كم المعرفة والمعلومات المتاحة لعموم الناس، والتي على أساسها يمكن للأفراد من تبني خيارات ذات معنى، وتنفيذ القرارات الخاصة بحياتهم الإنجابية.

يذكر أن بعض المنظمات العالمية الرئيسية التي كانت سابقا تدعم برامج تنظيم الأسرة في فلسطين بدأت بالتشكيك بأهميتها اليوم، اذ قال مسؤول عن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني «نحن ندعم تنظيم الأسرة، ولكننا نعارض مفهوم الضبط السكاني، فهذه قضية سياسية، وربما من الأفضل أن تكون هناك معدلات خصوبة عالية، مع الملاحظة أن الخصوبة تراجعت بشكل سريع في فلسطين، حيث انخفضت في رام الله من 4. 6 العام 1993 إلى 2. 5 العام 2000، وانخفض معدلها في الضفة الغربية إلى 6. 5 في المئة»

غزة ـ ماهر إبراهيم