في مدينتهم الغارقة في العنف اليومي، يفتقد البغداديون العادات الرمضانية المحببة لديهم ويحنون إلى صوت المسحراتي وسهرات المقاهي الشعبية التي كانت تلامس الفجر، فالخوف من أصوات التفجيرات جعلت العراقيين يفضلون المكوث في بيوتهم على المغامرة بالخروج في السهرة.

فالعائلات البغدادية لم تعد تصحو في وقت السحور على صوت المسحراتي قارعا طبلته ومتجولا في الأزقة القديمة وهو ينادي (اصح يا نائم)، وغياب هذا التقليد الشعبي ناتج أولا من مظاهر الحداثة، وثانيا من تردي الأوضاع الأمنية، بحيث بات الجميع يعتمدون على المنبهات المنزلية أو نغمات الهواتف النقالة لتوقظهم في وقت السحور لاحتساء الشاي وتناول الأجبان والقيمر (القشدة).

وقال الحاج محمود رزاق الذي يقيم في الشواكة، وهي من أقدم مناطق العاصمة في جوار الكرخ (نشأت بيننا وبين المسحراتي علاقة وثيقة كانت تتجدد كل عام، بحيث يتردد صدى صوته وطبلته في الأزقة. حتى انه كان يقف أحيانا عند مداخل البيوت للتأكد من إيقاظ سكانها قبل أن يواصل جولته). وأضاف رزاق (65 عاما) الذي يعمل بزازا (خياطا) كنا نستأنس بنداء المسحراتي وهو يجوب الحواري والأزقة، لكن وللأسف غابت هذه التقاليد وأصبحنا نتذكرها بمرارة.

والواقع أن المسحراتي بات يخشى على حياته وخصوصا في الأعوام الأخيرة، إذ صار الخروج في وقت متأخر من الليل مغامرة مع احتمال التعرض لنيران الدوريات الأميركية التي يرتاب عناصرها في أي شخص أو السيارات المفخخة التي أصبحت ترهب المصلين خلال صلاة التراويح.

كذلك، تفتقد بغداد في رمضان سهرات ما بعد الإفطار حين كان الناس يتجمعون في المقاهي الشعبية ويستمتعون بالمرويات التراثية، ولا تكتمل تلك الأمسيات إلا بالشاي والحلويات الرمضانية وخصوصا إذا كانت تلك المقاهي تحتضن لعبة (لمحيبس) المسابقة الشعبية الرمضانية المعروفة في العراق. وأوضح إبراهيم محمد (55 عاما) الموظف في إحدى الدوائر الحكومية أن الظروف التي خيمت على حياة العراقيين خلال الأعوام الأخيرة جعلتهم يفتقدون مجالس المقاهي في أثناء رمضان.

وأضاف محمد الذي يقطن حي الفضل (كانت الاجتماعات الليلية في رمضان تستمر حتى ساعات متأخرة في المقاهي القديمة، وهناك من كان يسهر في الأماكن العامة كالحدائق، لكن الأمر بات متعذرا اليوم بسبب العوامل الأمنية)، وتابع: هناك الآن من يفضل البقاء في البيت لمتابعة القنوات الفضائية وأخبار البلاد، وثمة من يرتاد المقاهي القريبة لوقت قصير ثم يعود إلى البيت كون المقاهي تغلق أبوابها قبل موعد حظر التجول الليلي.

(رويترز)