قبل 25 عاماً اكتشف العالم مذهولاً صور جثث مئات من النساء والأطفال والمسنين الذي قتلوا في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين، ومثّل بجثثهم في المخيم الواقع في جنوب مدينة بيروت. وتزامنت ذكرى هذه المجزرة مع تفاقم أزمة آلاف الفلسطينيين الذين شردوا من مخيم نهر البارد شمال طرابلس بعد أشهر من القتال بين الجيش اللبناني وجماعة «فتح الإسلام» المتحصنة هناك، ما يعيد إلى الواجهة بقوة مسألة حماية المخيمات الفلسطينية في لبنان الخارجة عن سيطرة الدولة.

وفي 14سبتمبر 1982 جرى اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل قائد القوات اللبنانية المسيحية اليمينية. وكان الجميل قد انتخب في أغسطس تحت ضغوط إسرائيل التي اجتاحت لبنان قبل شهرين. وتم اغتياله في عملية تفجير لمقر حزب «الكتائب» في بيروت. وتذرعت القوات الإسرائيلية بعملية الاغتيال لتجتاح بيروت الغربية (ذات الغالبية الإسلامية) خلافاً لبنود الاتفاق الذي بموجبه تم ترحيل مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عن بيروت في أواخر أغسطس بوساطة أميركية.

وبررت إسرائيل دخولها هذه المنطقة بأنها أرادت «منع هدر الدم وأعمال ثأرية»، ومحاربة «ألفي إرهابي» مختبئين فيها. لكن الميليشيات المسيحية الموالية لإسرائيل وبمساعدة الجيش الإسرائيلي الذي أضاء ليل المخيم دخلت مساء 16 أغسطس إلى صبرا وشاتيلا.

واستمرت المجزرة ثلاثة أيام بلياليها بدون ان يتدخل الجيش الإسرائيلي المنتشر حول المخيم لوقفها ووسط تعتيم إعلامي تام. ولم تعلم بها وسائل الإعلام إلا بعد انتهائها. وفي 19 سبتمبر تصدرت وسائل الإعلام صوراً مذهلة أثارت الرأي العام العالمي أظهرت جثثاً مقطعة وبطوناً مبقورة وأطفالاً تم سحقهم.

وتفيد التقديرات بأن المجزرة حصدت ما بين 800 وألفي مدني فلسطيني غالبيتهم من النساء والأطفال قتلوا بالرصاص أو السلاح الأبيض وتم التمثيل بجثثهم. كما قتل فيها نحو 100 لبناني.

منذ ذلك الحين وتدريجياً تقلص مخيم شاتيلا ليقتصر حالياً على نحو 8300 لاجئ وفق منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا)، فيما تحولت صبرا إلى حي مكتظ بالعمال الأجانب وعائلاتهم وبلبنانيين من الطائفة الشيعية خصوصاً.

وحملت لجنة تقصي الحقائق الإسرائيلية (لجنة كاهانا) التي حققت العام 1983 بالمذبحة ارييل شارون، وزير الدفاع حينها، مسؤولية شخصية إنما غير مباشرة لأنه لم يتوقع حدوث المجزرة ولم يقم بأي عمل للحؤول دونها مما اضطره إلى الاستقالة. كما حلت اللجنة المسؤولية المباشرة إلى ايلي حبيقة رئيس جهاز استخبارات القوات اللبنانية حينها الذي أكد قبل اغتياله انه يملك وثائق تبرئ القوات اللبنانية. يذكر ان ايلي حبيقة الذي أصبح لاحقاً موالياً لسوريا اغتيل في 24 يناير العام 2002.

وواجه شارون وهو يشغل منصب رئيس مجلس الوزراء شكوى، لم تثمر، رفعها ضده 23 فلسطينياً من الناجين عام 2001 أمام القضاء البلجيكي. لكن القضاء البلجيكي أوقف عام 2003 الملاحقات بعد إلغاء القانون الخاص الذي أقيمت بموجبه الدعوى. وفي 4 يناير العام 2006 دخل شارون في غيبوبة تامة لم يخرج منها حتى الآن.

وقد عادت مجدداً إلى الواجهة قضية حماية مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الخارجة عن سلطة الدولة منذ عقود والتي لا يدخلها الجيش اللبناني وذلك بسبب المعارك التي استمرت أكثر من ثلاثة أشهر في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين بين الجيش ومجموعة فتح الإسلام المتطرفة.

فبعد سقوط المخيم في 2 سبتمبر بيد الجيش أعلن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ان المخيم الواقع في شمال لبنان سيكون بعد إعماره خاضعاً لسلطة الدولة اللبنانية مما يؤذن بإطلاق عملية استعادة الدولة أمن المخيمات.

كانوا أطفالاً عندما قتل ذووهم في مجزرة صبرا وشاتيلا. وبعد مرور ربع قرن اندثرت أثار الفظائع التي شهدها هذان المخيمان للاجئين الفلسطينيين، لكن وقائعها ما زالت حاضرة بكل تفاصيلها في أذهان الناجين. فبعد فترة وجيزة على دخول الجيش الإسرائيلي بيروت الغربية (ذات الغالبية الإسلامية) إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، دخلت ميليشيات لبنانية مسيحية موالية لإسرائيل مساء 16 سبتمبر مخيم شاتيلا لـ «الثأر» لاغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل.

وكان مخيم شاتيلا قد أصبح شبه خال من الرجال بعد رحيل مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية بحراً من بيروت إنفاذاً لشروط إسرائيل التي اجتاح جيشها لبنان. ومازالت ذكرى المجزرة حاضرة في أذهان الفلسطينيين واللبنانيين، وتقول نوال أبو ردينة «كنت في السادسة من عمري. وأذكر ان الإسرائيليين أطلقوا القنابل المضيئة فوق المخيم وسلطوا أضواءهم الكاشفة فحولوا الليل إلى النهار» وتضيف نوال التي تحرك يديها بعصبية ظاهرة «هرعت امرأة لبنانية إلى منزلنا وحذرت والدي من ان الميليشيات دخلت لتقتلنا فأجابها، اسكتي، الأطفال سيشعرون بالرعب، لكنها أصرت».

وتقول نوال «اختبأنا في منزلنا الواقع عند طرف المخيم نراقب تقدم الميليشيات المرعب». وتتابع وعينيها تنظران بعيداً «كنا نسمع الصرخات ونسمع أصواتهم وهي تردد انتم إرهابيون سنقضي عليكم». لكن المسلحين اكتشفوا موقع العائلة فلم تنج. وقضى في المجزرة 16 من أفراد عائلة نوال أبو ردينة بمن فيهم والدها وشقيقتها الحامل التي بقر مسلح بطنها واستخرج منه الجنين وفق شهادة أدلى بها أحد الناجين.

وتؤكد نوال «كانوا مخدرين. كنا نشاهد الإبر وبقايا المخدرات على الأرض»، مضيفة «في كل خطوة كنا ندوس على الجثث ونشاهد بينها قريباً لنا أو أحد الجيران». ويقول محمود السقا (32 عاماً) «كانوا يقتلون الأطفال بالسكاكين ولم يوفروا الرضع». ويضيف «كانوا يصفون الرجال أمام الحائط ويطلقون النيران عليهم».

وفجراً قرع مسلحان من ميليشيا سعد حداد التي أنشأتها إسرائيل، باب منزل عائلة محمود السقا (32 عاماً) وهو حالياً عامل كهرباء. ويروي محمود متذكراً «أخرجونا حفاة الأقدام وكانت الطرقات مليئة بالجثث المتراكمة». ويضيف «عندما اقتربنا من الحفر الجماعية فصل المسلحون الرجال عن النساء والأطفال واجبروا النساء على إطلاق الزغاريد ثم تركونا في سبيلنا. ابتعدنا ونحن نسمع الصراخ ثم ساد الصمت»، مشيراً إلى أن «عائلته لم تتمكن مطلقاً من العثور على جثتي والده وعمه».

وتؤكد شهادات الناجين من المجزرة ان المسؤولية مشتركة بين الجيش الإسرائيلي الذي كان حينها يخضع لسيطرة وزير الدفاع ارييل شارون، والميليشيات المسيحية وخصوصاً رئيس جهاز استخبارات القوات اللبنانية حينها ايلي حبيقة.

وتقول بارعة خالة محمود السقا التي كانت حينها في الرابعة عشرة من عمرها «ابلغونا ان الإسرائيليين لا يستهدفون المدنيين لكننا شاهدناهم بأم أعيننا». وتضيف «أراد المسلحون ان يضعونا في حفرة جماعية ليدفنونا أحياء لكن ضابطاً إسرائيلياً وصل في اللحظة الأخيرة وأمرهم بإطلاق سراح النساء والأطفال». وتقول «الذين قادونا كانوا يرتدون زي القوات اللبنانية لكن شارون هو الذي أعطى أوامره. نحن نتهم شارون والقوات اللبنانية».