تعتبر الحمامات الشعبية من أبرز ملامح القاهرة القديمة والتي تحاول أن تعاند متغيرات الزمن وتقف صامدة أمام كل المتغيرات الحضارية والتكنولوجيا الجديدة كـ «الجاكوزى» وغيرها لترسم لوحة من عبق الماضي وتراثه وسط هذه الحداثة التي طغت علي كل مناحي الحياة.

وهناك أسماء كثير في عالم الحمامات في مصر مثل حمام العباسية وحمامات الشراوي وحمامات السلطان. لكن يعد أشهرهذه الحمامات على الاطلاق حمام الملاطيلي الذ يقع في حي باب الشعرية منذ أكثر من 580 عاما والذى يحمل اسمه فيلم سينمائى مصرى شهير.

تشعر عند دخولك هذا الحمام وخاصة في المرة الاولي برهبة مشبعة بالخوف فهو يمثل لك كائنا غريبا وتجربة فريدة يدفعك فضولك بعنف لخوضها.. توجهنا في الصباح للوقوف علي تفاصيل ما يحدث داخل هذا الحمام الشعبي الشهير فأعتذرت لنا المسؤولة عن الحمام على أساس أن هذا الوقت مخصص للسيدات وتحديدا من الساعة الثامنة صباحا وحتي الخامسة مساء ثم من الساعة السابعة مساء وحتي الساعات الاولي من الصباح الباكر يكون مخصصا للرجال ومن الساعة الخامسة وحتي السابعة يخصص لتغيير المياه وتنظيف الأماكن والتجهيزات.

لم نكذب الخبر وتوجهنا في الموعد المحدد وهناك استقبلنا المعلم شفيق المسؤول الاول عن الحمام هو وابناؤه وزوجته ورغم أن عمره يقترب من السبعين إلا أنه يبدو في منتهي الحيوية والنشاط والذي بادرنا بالسؤال عن مطالبنا فسألناه بدورنا عن نوعية الخدمات التي يمكن تقديمها؟

فقال هناك ثلاث مستويات مختلفة حسب طلب الزبون الأول عبارة عن الاستحمام والبخار (السونا) وسعره 15 جنيها والثاني حيث يضاف الى الأول ما يعرف ب«التكييس» وسعره 20 جنيها والثالث ويعرف ب«التكبيس بالغضافة» لما سبق وسعره 25 جنيها وخدمة خاصة للعرسان بنحو 50 جنيها والعرائس80 جنيها.(الدولار الاميركى يساوى 67,5 جنيه مصرى).

تحدث معنا الرجل بصراحة بضرورة إحضار المستلزمات الخاصة مثل: الفوطة او المنشفة والصابونة الى غير ذلك من المستلزمات لكل من يرغب في استخدام الحمام حتي أن الأمر قد أصبح عرفا لدي المعتادين عليه.

قررنا خوض التجربة بأنفسنا .. دخلنا الي غرفة لتغيير الملابس تركنا متعلقاتنا لدي المختص في دولاب لحفظ المتعلقات وتوجهنا الى الداخل حيث تبدأ العملية بالدخول تحت أدشاش (شاور) مياه دافئة بعض الشئ لمعادلة درجة حرارة الجسم الموجودة بالداخل .

ذهبنا بعد ذلك الى المرحلة الثانية الخاصة بالتكييس فانتقلنا الى ما يسمي بالفسقية (النافورة) والتي يحيط بها طاولات رخامية ينام عليها الزبون بينما يقوم المختص مرتديا قفاز مصنوع من مادة خشنة ملئ بالنتوءات ليقوم بحك الجسد مستخدما الماء والصابون من أصابع اللقدمين وحتي شعر الرأس وأصابع اليدين ليخرج ما علق بالجسد من بكتيريا ودهون وأتربة.

وبعد ذلك ينتقل الى المرحلة الثالثة وهي المغطس حيث يصعد الى سلم من ثلاث درجات لغرفة بها غاطس يتسع لاربع أو خمسة أفراد حيث تتساقط المياه من فتحات خاصة بالسقف على هذا الغاطس الذى تصل درجة حرارة المياه الى 70 درجة مئوية لمن يرغب فى النزول إليه وتعتبر مرحلة هامة يقال أنها تقتل الجراثيم وتفتح مسام الجسم بينما يكتفى البعض الاخر بالوقوف حول هذا الغاطس لاستنشاق البخار ورزاز المياه يبلل أجسادهم .. وبعد ذلك تتم العملية الاخيرة المعروفة بالتكبيس أو التدليك وهي المرحلة الاخيرة فى خدمات الحمام.

رواد هذه الحمامات لديهم قناعات راسخة ومتوارثة من أن الاستحمام بهذه الطريقة يطيل العمر ويحافظ على الشباب وعلى الحيوية المستمرة ويزيل أسباب الاجهاد والتعب والملل خاصة بالنسبة للعرسان الجدد. سألنا المعلم شفيق عن الفترة الصباحية قال أنها مخصصة للسيدات ويتولى ادارة حمام الملاطيلى فيها زوجته وبناته وزوجات أبنائه فهى عملية عائلية جدا وتشهد اقبالا من السيدات خاصة عرائس المناطق الشعبية.

ورغم أن عدد هذه الحمامات قليل للغاية وهى مهنة عائلية متوارثة معرضة للانقراض و تشهد اقبالا من بعض الطوائف والفئات إلا أن البعض الاخر يرفضها بسبب الخوف من انتقال الامراض والجراثيم وهو مايرفضه القائمون عليها على أساس درجة الحرارة العالية للمياه والتجديد المستمر لها والذى من شأنه قتل كل الجراثيم.

القاهرة - «البيان»: