في خف من البلاستيك وفانلة داخلية جلس أبو جمال في بيته الكئيب في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين الواقع على مشارف العاصمة بيروت فيما يحيي المخيم الذكرى السنوية الـ 25 للمذبحة التي شوهت تاريخه.

يتصفح جمال ألبوماً صغيراً للصور ويستعيد الذكريات المؤلمة لمذبحة صابرا وشاتيلا التي ذبح خلالها نحو 3 آلاف لاجئ فلسطيني على يد ميليشيات مسيحية انتقاما لاغتيال الرئيس بشير الجميل.

كان جمال بين المحظوظين الذين نجوا من المذبحة لكن نجليه لم يكونا كذلك. قال جمال «16 سبتمبر هو ذكرى يوم اسود بالنسبة للفلسطينيين في لبنان. مر عليه الآن 25 عاما لكننا ما زلنا نعيش في ظل الخوف من إمكانية تكرار مثل هذه المذبحة بعد الاشتباكات الأخيرة في شمال لبنان».

كان جمال يشير إلى الاشتباكات التي وقعت مؤخرا بين الجيش اللبناني ومتشددين إسلاميين ينتمون لتنظيم فتح الإسلام تحصنوا داخل مخيم اللاجئين الفلسطينيين في نهر البارد بشمال لبنان.

وأدى قتال استمر على مدى أكثر من ثلاثة أشهر إلى تدمير المخيم الذي صار تحت السيطرة الكاملة للجيش اللبناني. يحكي جمال الذي يعيش في هدوء وغضب في هذا المخيم الفقير منذ أكثر من 52 عاما عن مدى كراهيته لحياته وكيف انه يتمني الآن أن يعيش أحفاده في أوروبا.

ويقول «ليس ثمة شيء يفعلونه هنا وهناك الآن قدر كبير من الكراهية بين اللبنانيين ضدنا نحن (الفلسطينيين) بعد اشتباكات نهر البارد الأمر الذي يمكن أن يكون بمثابة إنذار لنا». وأسفرت الاشتباكات في مخيم نهر البارد والتي بدأت في 20 مايو وانتهت مطلع سبتمبر عن مقتل 163 جنديا لبنانيا و222 متشددا إسلاميا و40 مدنيا.

وأوضح جمال «الفلسطينيون لم يكونوا يقاتلون الجيش اللبناني فهؤلاء المتشددون هم لبنانيون وسوريون وسعوديون وقلة منهم فلسطينيون. لكن في نظر بعض اللبنانيين فإن الفلسطينيين كانوا يقاتلون الجيش اللبناني وانه يتعين عقابهم جميعا». وأردف «هذا يذكرني بالوضع الذي كان سائدا قبل مذبحة صابرا وشاتيلا عام 1982.

تحالفت الميليشيات المسيحية مع الإسرائيليين الذين غزوا لبنان في ذاك الوقت وكانت تلك الميليشيات تعتقد أن الفلسطينيين احد أسباب مشكلتهم».

وجمال هو واحد من بين نحو 367 ألف لاجئ فلسطيني يعيشون في 12 مخيما منتشرة عبر مناطق شمال وجنوب وشرق لبنان. وينتمي هؤلاء اللاجئون لأجيال مختلفة أبناء وآباء وأجداد شردهم قيام دولة إسرائيل قبل نصف قرن. وقال جمال «مشكلتنا لن تحل إلا إذا أعادنا العالم وقادتنا إلى أرضنا في فلسطين».

وهو متشائم من انه لو تم الاعتراف بالسلطة الفلسطينية «كدولة غدا فإنه لن يكون هناك مجال أمام الملايين من الفلسطينيين الذين يعيشون في الشتات للعودة إلى ديارهم».وأضاف «قدرنا أن نعيش على الدوام في ظل الخوف من أن شيئا مثل صابرا وشاتيلا يمكن أن يقع مرة أخرى لشعبنا».

والى حد كبير، فإن اللاجئين الفلسطينيين هم أصحاب أسوأ وضع معيشي بين الفلسطينيين الذين يعيشون في العالم العربي. والفلسطينيون في لبنان ينكر عليهم الحق في الحصول على الجنسية والحرية في اختيار المكان الذي يريدون العيش فيه. وربما لا يتاح لهم تعليم أبنائهم في المدارس العامة أو السعي للعلاج في المستشفيات الحكومية. كما انه محظور عليهم العمل في 70 مهنة وحرفة منها الاعمار والتعليم والمحاماة والبناء».

ويقول المحلل الفلسطيني سهيل الناطور «عندما يعيش الناس في فقر مدقع فإنهم يحرصون على الانضمام إلى جماعات أيا كانت أيديولوجيتها بغية الحصول على المال. والفقر هو المورد الرئيس لتلك الجماعات».(د ب ا)