اتهم رئيس مجلس الشورى الأفغاني محمد يونس قانوني باكستان وإيران بأن لكليهما مطامح في بلاده ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير، داعياً إسلام آباد إلى إقامة علاقات ودية مع كابول، مشدداً على ضرورة أن تعرف باكستان أن مصلحتها في استقرار أفغانستان «لأننا لم نعد في عهد تسود فيه دولة على أخرى». وأكد على أن حركة «طالبان» والعنف المرتبط بها تحركه قوى خارجية.
بالرغم أن ذلك لم يقلل من تفاؤل قانوني من تحقيق المصالحة والاستقرار في بلاده، منوهاً إلى أن قانون المصالحة الشعبية وإقرار الدستور الجديد ساهما في استقرار أفغانستان. ورغم ذلك فإن رئيس مجلس الشورى يعتقد أنه لا تزال هناك نزعة لدى جزء من الشعب لإلغاء الآخر، محذراً من أن ذلك لا يزال يشكل تهديداً مستمراً وخطيراً لأفغانستان في ظل تعدد العرقيات ووجود مذهبين سني وشيعي. وفيما يلي نص الحوار:* بعد 30 سنة من الحروب والاحتلال السوفييتي والقتال الداخلي هل يمكن أن تعطينا صورة عن الوضع في أفغانستان الآن؟
ـ أعتقد أنه بعد اتفاقية بون (ألمانيا) قبل 6 سنوات والتي أعقبت سنوات طويلة من الحروب والمعارك والجهاد فإننا بدأنا صفحة جديدة في حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
هذه الاتفاقية استندت إلى معيارين، أولاً: الإجماع بين النخب السياسية وشرائح الشعب في أفغانستان، وثانياً: الإجماع بين جميع الدول ذات العلاقة مع أفغانستان.
واتفقنا على بناء الدولة على أسس ديمقراطية ومشاركة شعبية عادلة وعلى بناء أفغانستان من جديد مادياً ومعنوياً، وضعنا خطوات إيجابية في مجال بناء الدولة، حيث اتفقنا على الدستور الجديد القائم على مبادئ الإسلام والديمقراطية وأجرينا انتخابات للرئاسة ومجلس الشورى ومجالس المحافظات وتكونت السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.
وعلى مستوى الشعب قطعنا خطوات ولكن أمامنا تحديات، لأننا مع الأسف نواجه أزمة حقيقية وهي أزمة فكرية، لأنه بالرغم من أننا قطعنا سنوات طويلة من الجهاد والمعارك، إلا أن المجتمع الأفغاني يتشكل من قوميات مختلفة ولدينا مذهبان دينيان (سنة وشيعة) وعدة أطر سياسية، وإلى الآن لم نستطع أن نكون فكرة شعبية خارج إطار القوميات وخارج إطار المذاهب وخارج إطار التجاذبات السياسية، بتعبير آخر هناك ديكتاتورية وشمولية في الفكر، ثانياً:
لم نتجاوز محاولات إلغاء الآخر وفكرة حذف الجهة المخالفة، بمعنى انه قبل 30 سنة عندما قام الشيوعيون بالثورة ضد أول رئيس جمهورية الراحل محمد داود، وشكلوا حكومة وقاموا بإلغاء الآخرين وبحذفهم من الساحة السياسية، ثم جاء الحزب الشيوعي على مرحلتين «برشم» (الراية)، و«خلق» (الشعب)، وكلهم ضد المجاهدين، وبعد 14 سنة من الجهاد جئنا نحن وواجهنا نفس المشكلة في أوساطنا، «الجمعية الإسلامية» ضد «الحزب الإسلامي» وجميع المجاهدين ضد الشيوعيين. وبعد المجاهدين جاءت حركة «طالبان» وكانت الحركة ضد الجميع ضد المجاهدين وضد الشيوعيين.
وبعد حكومة «طالبان» جاءت الحكومة الحالية، ورغم وجودها لم تتم إزالة فكرة الإلغاء.إلا أن هناك تقدماً، ولدينا اليوم مجلس الشورى وهو مجلس الشعب وهناك مجلس الشيوخ وهناك تمثيل لأطياف الشعب وهذا يبشر بالخير ولكن كما تعلمون هناك جزء من هذا الشعب باسم حركة طالبان خارج الإجماع وهو يحارب ضد الدولة، ولكنه للأسف لا ينبعث أو ينطلق من أسس المجتمع الأفغاني وإنما يستند إلى استراتيجية تأتي من وراء الحدود وتفرض على أفغانستان.
و«طالبان» هي أداة في أيدي هذه الاستراتيجية وواضعيها ضد المجتمع، نحن نقول إننا بحاجة إلى السلام والى تحمل الآخرين، لو قسمنا الشعب فسنجد هذا الجزء من الشيوعيين والآخرين المجاهدين أو من طالبان أو من الليبراليين، ولن نصل إلى حل، لذلك فإننا نحتاج إلى فكرة شعبية شاملة توحد الجميع وتجعلهم يحترمون الدستور الذي يوفر لنا العيش كأسرة واحدة داخل أفغانستان رغم الاختلافات السياسية.
* هل تتوقع أنه في الانتخابات المقبلة ستكون «طالبان» مع الجماعات الأخرى ضمن الإطار الدستوري والانتخابات، وهل هذه الحركة مهيأة فكرياً للانخراط بالعمل السياسي؟
ـ لا اعتقد، كما قلنا هناك استراتيجية تقف خلف مشروع «طالبان» هدفها عدم الاستقرار والثبات في أفغانستان، وعلينا هنا التفريق بين الأداة والاستراتيجية التي مادامت موجودة فلا نستطيع أن نتفاهم مع أدواتها كطالبان رغم أننا نقسم الحركة إلى ثلاثة أجزاء:
جزء من «طالبان» هم العسكريون والقياديون وأنا لا أتوقع أن يبتعدوا عن هذه الاستراتيجية ويعيشوا مع الشعب الأفغاني سلمياً، الجزء الثاني هم شخصيات غير عسكرية ولكنهم غير راضين عن حكومتنا وانضموا إلى «طالبان» ولكنهم مستعدون في حال عولجت الخلافات أن يعيشوا مع الشعب ويحترموا الدستور، أما الجزء الثالث فهم مستعدون للتعاون مع أي حكومة تأتي لأنهم يريدون أن يكونوا جزءاً من الدولة.
ونحن لا نرى أي مشكلة مع الجزأين الثاني والثالث بعد التزامنا بقانون المصالحة الشعبية لأننا نسينا الماضي وننظر إلى الأمام، ولذلك نقول إن أي مجموعة من «طالبان» مستعدة لاحترام الدستور والقانون نحن نستقبلهم ونرحب بهم، أما بالنسبة للعسكريين فلا نسمح لهم حتى بالانضمام حالياً إلا إذا تركوا السلاح، وأتمنى من الجميع أن يتركوا السلاح ويشاركوا في السلطة عن طريق الانتخابات.
* أنتم كدولة لا تتدخلون بشؤون الغير ولا تتدخلون بشكل أساسي في شؤون دول الجوار لكنها تتدخل بشؤونكم الداخلية من خلال «طالبان» أو غيرها، فلماذا تسعى بعض دول الجوار في العمل على استمرار حالة اللااستقرار في أفغانستان؟
ـ هناك دواعٍ مختلفة، لو تكلمنا عن جارتينا باكستان وإيران مثلاً يمكننا استنتاج بعض الأمور، أنا اعتقد دائماً أن الموقع الجغرافي لأفغانستان دفعنا لنكون فريسة لمطامع الدول الكبرى على مرّ التاريخ بحكم موقعنا الجيوبوليتكي الخاص، من أجل ذلك مثلاً عندما هاجم الاتحاد السوفييتي أفغانستان، لم يكن هدفه البلد بحد ذاته أولاً وأخيراً، وإنما اعتبره معبراً ليصل إلى باكستان والخليج، من اجل ذلك نجد أن باكستان حالياً بحسب مشروع الشرق الأوسط الكبير لديها مطامعها في أفغانستان.
والمنافسة التاريخية المزمنة بين باكستان والهند تدخل في الموضوع. ووجود القوات الدولية يعيق مشاريع باكستان غير الراضية عن وجود قوات حلف شمال الأطلسي «الناتو» على أراضينا تماماً، مثل إيران.
وإن اختلفت استراتيجياتهما ولذلك هناك دعم حالياً من باكستان لحركة «طالبان» لدفع قوات التحالف لمغادرة أفغانستان لكي تصبح تالياً فريسة لمن يريد أن يسود هذا البلد، مع الأسف الشديد أنا لا أرى أي مبرر لهذه الاستراتيجية فهذه الفترة ليست فترة سيادة دولة جارة على جارتها، نحن نرى أن المصالح الأفغانية والباكستانية تقتضي وجود علاقات ودية وأخوية بين أفغانستان وباكستان لصالحنا ولصالحهم ولذلك نحن نقترح نسيان الماضي والنظر إلى الأمام وبناء علاقات بلدينا على أساس الاحترام المتبادل وعلى أساس المصالح المشتركة للبلدين.
ونحن نقول إن استراتيجية عدم استقرار أفغانستان ليست في مصلحة المنطقة وأي دولة. ونعتقد بعد انعقاد مجلس أمن «اللويا جيركا» أن هناك بداية بهذا الاتجاه.
* كيف تقيمون أداء مجلس الشورى بعد سنتين من عمره. وهل يقوم بدوره الرقابي للحد من الفساد ومنع انحراف السلطة؟
ـ شكراً على السؤال. كما تعلمون أننا أمام تجربة جديدة بعد سنوات صعبة لم يكتمل تعريفها، أو تطبيقها عملياً بعد. كل شيء مذكور في الدستور ولكنه يحتاج إلى إرساء وتجربة وتعريف. نحن مازلنا نواجه تحديات في هذا المجال. ولكن بالنسبة لنا حققنا ايجابيات بالسنة الأولى وزدناها بالسنة الثانية.
في المجلس نواب أعضاء شيوعيون وهناك من المجاهدين و«طالبان» نفسها ومن الليبراليين. وقبل ست سنوات كان العضو ملا عبدالسلام راكدي زعيماً للمجاهدين، وهكذا برهان الدين رباني وغيرهما. أما اليوم فالجميع يبدي رأيه بالتصويت الديمقراطي وهذا شيء جميل جداً. كما أصدرنا العديد من القوانين وعلى مستوى الرقابة صوتنا لعزل وزيري الخارجية والمهاجرين.
ويمكن القول إن الشورى أخذت مكانتها لدى الشعب، ولكننا نرى أن الحكومة لا تستطيع أن تتحمل رقابة المجلس، فعزل الوزراء من صلب اختصاصاتنا، لكن مع الأسف وخلافاً للدستور لم يعزل وزير الخارجية حتى الآن، وهذا يعني أن الحكومة لا تحتمل الدستور وصلاحيات المجلس. ولكن أنا آمل بالخير أننا نخطو خطوات ايجابية.
* ما أبرز القوانين التي أنجزتموها؟
ـ أكثر من 15 قانوناً أهمها قانون الصحافة والإعلام، وهو قانون ممتاز على مستوى المنطقة، وكذلك قانون مكافحة الفساد والرشوة وقانون لجنة متابعة تنفيذ القوانين، وقانون مكافحة المخدرات وقانون حماية البيئة وقوانين الميزانيات والمحاماة وتملك الأجانب وغيرها، إضافة إلى اتفاقيات لتبادل السجناء مع طاجيكستان وإيران، وأبرز هذه القوانين قانون المصالحة الشعبية الذي يساهم في تعزيز الوحدة الشعبية.
* هل أنتم متفائلون بدور المرأة في الحياة السياسية؟
ـ لدينا 68 امرأة منتخبة أي 28% نسبة حضور النساء في المجلس وهذه نسبة كبيرة لا مثيل لها، وحتى عندما جاءنا الرئيس الأميركي جورج بوش، قال لنا: «نسبة النساء لديكم أعلى منها لدينا».
وأنا اعتقد انه في ظل الظروف الاجتماعية والأمنية بأفغانستان فهذه بداية جيدة وأعتقد انه لو استمر التقدم ستزداد هذه النسبة. وهناك نساء ترأسن اللجان الدائمة في المجلس ويلعبن دوراً مهما بإقرار القوانين.
* كم تقدرون عدد الأفغان في الخارج من لاجئين وغيرهم؟ وهل من تواصل مع الجاليات بالخارج؟
ـ إلى الآن، أتصور أن هناك أكثر من ستة ملايين أفغاني في الخارج بما في ذلك اللاجئون في باكستان وإيران. وهناك تواصل معهم خاصة الموجودين بالدول القريبة. وأعتقد أن الأرضية ممهدة لعودتهم ليشتغلوا في بلدهم. ولكن للأسف اعتقد أن الأوضاع الأمنية انعكست سلبياً على رغبة المهاجرين بالعودة. الدستور يمهد لهم الحق بالعودة.
* هل من تواصل مع مجالس الشورى والشعب والنواب والأمة في الدول الأخرى؟
ـ نعم، هناك تواصل. ولكننا نعاني من عدم وجود علاقات كما يجب مع الدول الإسلامية ودول الخليج، مع أن أفغانستان عضو في الأسرة الإسلامية. ولكن لأسباب لا نفهم دوافعها نرى أن أفغانستان بقيت بمعزل عن هذه الدول. هناك تقصير من جانب الحكومة فنحن لا نتوقع إلا المحبة من الدول والشعوب الإسلامية لأفغانستان، ونحن نريد لهذه الدول أن تأتي وتستثمر هنا.
ورغم هذا الواقع أريد أن أشير إلى أن هناك حالياً علاقات مميزة مع بعض الدول الإسلامية مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ولكن ليس مع جميع الدول الإسلامية للأسف.
ولكننا نرى ضعفاً بالدبلوماسية الأفغانية وعدم مبادرة من الدول العربية والإسلامية تجاهنا.
* هل تفكرون بدبلوماسية نيابية عبر لجان الصداقة البرلمانية؟
ـ نحن مستعدون لدعم الحكومة، وهذه فكرة موجودة وفي الوقت نفسه نناشد ونأمل من إخواننا أن يقوموا بمبادرة خيّرة من هذا النوع لتعزيز العلاقات بين بلداننا.
* ضعف التواصل وتردي الأوضاع الأمنية يعطيان صورة سلبية للآخرين، وكذلك التشويه الإعلامي، الناس تعتقد انه ليس في أفغانستان مبنى من طابقين في بلدكم؟ لذلك هناك حاجة لتوضيح الصورة، لم نكن نتوقع أن لمجلس الشورى لديكم مبنى كهذا المبنى؟
ـ أنا معكم مئة في المئة، هناك تقصير إعلامي وصورة مشوهة تعطى للخارج، لا نفتح التلفزيون إلا ونراهم يعرضون صوراً عن دمار وجثث وفقر ومرض ونتعجب، هذا صحيح وجزء من حياتنا، لكنه ليس المشهد العام. كما رأيتم هناك فنادق وحياة طبيعية، نحن لا نقول انه في ست سنوات حققنا كل ما غاب عنا في ثلاث وثلاثين سنة، لكننا بدأنا واخترنا الطريق الصحيح المستقيم، وسنبلغ ما نريد ولو بعد فترة. ونتمنى من الإعلام أن يكون عادلاً وألا يظهر السلبيات فقط. فهناك ايجابيات كثيرة.
* استمعنا في جلسة سابقة إلى وزير الإعلام الأفغاني، ووجدنا لديه أفكاراً طيبة، نتمنى أن تدعموه، فنحن نشكرك جداً دولة الرئيس على هذا اللقاء.
ـ وأنا أشكركم وأشكر مبادرتكم تجاه بلدنا ونأمل تكرار زيارتكم لأفغانستان.
كابول ـ عدنان الراشد ومحمد الحسيني

