في قصر أرغ الفخم الذي يعود إلى العهد الملكي في أفغانستان كان اللقاء مع رئيس جمهورية أفغانستان الإسلامية حامد قرضاي الذي تحدث عن كل شيء: حركة «طالبان» وأثرها، والعلاقات مع دول الجوار، وتطلعاته لعلاقات مميزة مع دول مجلس التعاون مشيداً بالاستثمارات الإماراتية.

وتمنى قرضاي، في هذا الحوار الذي تنشره «البيان» مع الزميلة «الأنباء» الكويتية، أن تكون الأيام التي دفعت فيها بلاده ثمن تدخلات دول الجوار في شؤونها قد انتهت لأن حكومته تسعى إلى السلام مع الجميع وتتطلع إلى مستقبل أفضل للشعب الأفغاني. وأكد على أن الأفغان لن يستسلموا لحركة طالبان التي تسعى إلى تضليل العالم بالحديث عن تأييد البشتون لها، مؤكدا أنها العدو الأول للبشتون ولأفغانستان. واستعرض قرضاي جانبا من الانجازات التي حققتها حكومته على جميع المستويات وأكد اهتمامها بالاستثمار الأجنبي وتحديداً العربي، مشيرا إلى استثمار الإمارات العربية المتحدة في مجال الاتصالات وما حققه من نجاح. وتحدث عن مجالات أخرى يمكن للعرب أن يستفيدوا منها.

وعن توجهاته الداخلية، قال انه راض عن وضع الحريات في بلاده، وان الانتقادات الصحافية الشديدة له شخصيا هي جزء من الديمقراطية التي ارتضاها الأفغان والأمر نفسه ينطبق على حالة الشد والجذب بين الحكومة ومجلس الشورى.

وفي ما يلي نص الحديث مع الرئيس الأفغاني:

ـ بداية هل أنتم راضون عن دور العالم الإسلامي تجاه القضية الأفغانية؟

ـ بعض الدول تبذل جهودا حثيثة مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لمساعدتنا، ولكن دور العالم الإسلامي غائب، ونحن نسأل لماذا أنتم غائبون عن الساحة السياسية الأفغانية اليوم؟

ظلم الشعب الأفغاني كثيرا، هذا الشعب الطيب والفقير والمؤمن، هل الغياب سببه أن أفغانستان كانت دولة فقيرة وشعبها مسكين؟ لم يكن لدينا شيء نبيعه لأحد ولم يكن لدينا شيء نشتريه من احد، نقول لا بأس لو أن الغرب أهملنا ولكن لماذا يهملنا إخواننا المسلمون ويغيبون بأغلبيتهم عن قضيتنا؟

ـ كما نعرف ان فخامتكم جازفتم كثيرا وعشتم بين طالبان وكنتم موجودين في قندهار معقل حركة طالبان أيام حكمها، فبم تخبرنا عن تلك التجربة؟

ـ كلمة طالب تسمية يقصد بها العضو بحركات وجبهات الجهاد المنبثقة من المدارس الدينية، والمجاهدون كانوا كثرا في أفغانستان، أكثر الطالبان كانوا ينتمون إلى الشيخ محمد يونس خالص والشيخ محمد نبي محمدي رحمهما الله.

وكنت مشاركا بالجهاد أيام كنت في مدينة قندهار وعشت جنبا إلى جنب مع إخواني المجاهدين ومعرفتي بـ «طالبان» تعود إلى تلك الأيام، كانوا فيها أناسا نزيهين وملتزمين وأشخاصا طيبين ومن خيرة الرجال وظلوا كذلك حتى سقط بعض زعماء الحركة بيد الأجانب وشوهوا صورة الإسلام ودمروا بلدنا وقاموا بقتل الرموز في «طالبان» الذين كشفوا مخططاتهم المتواطئة مع الخارج ضد مصلحة أفغانستان.

ولم يتركوا واحدا من هؤلاء الرجال الأفاضل الذين اكتشفوا أغراضهم إلا وقاموا بتصفيته واذكر من هؤلاء الخيرين الملا برجان والملا أيار محمد والملا محمد اخنده زاده والملا مشر وجميعهم قضوا في ظروف غامضة على يد من كانوا يرتبون للقضاء على العناصر المخلصة.

حاولت حركة طالبان محو تاريخ البلاد من ذاكرة أبناء شعبنا عبر منع تدريس التاريخ، تاريخ أفغانستان العريق واستهدفوا في ذلك البشتون.

هناك شباب عمرهم 19 أو20 عاما لا يعلمون شيئا بشأن تاريخ بلدهم الذي غيبوا عنه لأن تدريسه كان غائبا عن مدارسهم في الوقت الذي كان البشتون متهمين فيه بأنهم طالبان.

في مديرية جاهوري بولاية غزنة كانت كل المدارس مستمرة بعملها ايام الحرب لكنها لم تكن تذكر شيئا عن أفغانستان (يستدعي الرئيس قرضاي احد أعضاء سكرتاريته الخاصة للشهادة أمامنا على ما يقول فهو كان في تلك المديرية)، اليوم المستوى التعليمي في المديرية مرتفع وقد توجه منها هذه السنة تحديدا 2400 طالب وطالبة لينضموا إلى جامعة كابول ويواصلوا دراستهم العليا.

وبالمقابل في مديرية اندير القريبة من جاهوري وهي مدينة بشتونية لـ «طالبان» نفوذ كبير فيها ولم يأت منها احد وهذا مثال يدل على وجود مؤامرة كبيرة ضد أفغانستان وشعبها من البشتون بشكل خاص، ولم تكتف طالبان بهذه الإجراءات بل حاولت وتحاول إذكاء نار الفتن بين القبائل وأبناء شعبنا.

وأنا استغرب انه في دول الخليج هناك انطباع بأن طالبان هم البشتون والحقيقة أنهم أعداء البشتون.

وفي مديرية ياكاولاند بولاية باميان أقدم الطالبان على إحراق السوق التجاري بكامله لكنهم لم يقفلوا المدارس، وبالمقابل في قندهار لم يقوموا بحرب أو أي عمل آخر وأغلقوا المدارس أمام البشتون!

هذه هي حالنا، لقد أهملنا الغرب بالماضي وأهملنا إخواننا، ودول الجوار مزقتنا وأوصلتنا إلى هذه الحالة.

كان هناك مخطط لضرب الأفغان وتشويه صورتهم في الخارج، وأنا أسأل: من قتل المجاهد احمد شاه مسعود؟ ومن قتل عبدالحق الذي أوقف هنا وأطلق النار عليه من كلاشينكوف؟ ألم يكن هؤلاء مجاهدين مسلمين؟ الم يحاربوا الاحتلال من اجل أفغانستان؟

ـ حسب معلوماتنا أن نظام طالبان كان على اتصال بنظام صدام حسين وتعاون معه، ماذا تقولون عن ذلك؟

بحسب المعلومات المتوافرة لدينا أخبرني مدير بالمخابرات الأفغانية أيام الجهاد أن مسؤولين في الأجهزة الأمنية العراقية والمخابرات العراقية جاءوا إلى أفغانستان عبر باكستان إلى منطقة قرب قندهار وجرت مباحثات بين العراقيين وطالبان.

ونحن لدينا معلومات أن سفير العراق السابق فاروق حجازي جاء إلى بيشاور ثم دخل إلى أفغانستان والتقى بقيادات طالبان حينها ومعه ضباط عراقيون جاءوا باللباس المدني وبقوا بأفغانستان. وقد أمّنوا وصول الدعم المادي والسلاح لطالبان و«القاعدة» من أجل إشغال أميركا في أماكن وجبهات عدة حتى لا تتعرض لنظام الحكم في العراق آنذاك.

نعم عندنا علم بهذا. كان يساعدهم من اجل معارضة الغرب.

ـ كيف هي علاقاتكم بدول الخليج حالياً؟

ـ التقيت بالأمير الشيخ صباح الأحمد في المملكة العربية السعودية عندما كان سموه رئيسا للوزراء، وسموه رجل حكيم ومطّلع جدا، يملك شخصية قوية ومميزة، ونكنّ له كل التقدير والاحترام. والتقيت أيضاً برئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد في الأردن، وله أيضاً أياد بيضاء تجاه أفغانستان منذ 30 عاما عندما كان سفيرا للكويت في طهران وسفيرا محالا لدينا. وقد بعثت إلى الأمير برسالة لنقوم بزيارة إلى دولة الكويت الشقيقة في الخريف أو الشتاء المقبلين.

نحن نطمح لعلاقات متينة وواسعة معها ومع كل أرجاء الوطن العربي. ولدينا اليوم علاقات ممتازة مع المملكة العربية السعودية الشقيقة لدورها الداعم لأفغانستان ومع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي نكن له الاحترام الكبير، ومع الإمارات العربية المتحدة وقيادتها، ومع الأردن وسلطنة عمان، ولنا في مسقط ممثلية كبيرة وكذلك الأمر في قطر ومملكة البحرين أيضا.

ونحن نريد لعلاقاتنا مع دول الخليج أن تتوسع لأنها مهمة جدا بالنسبة إلينا. نريد استثماراتكم في أفغانستان، حيث ان لدينا فرصا كبيرة للاستثمار وعوائدها وأرباحها كبيرة، حتى الآن فقط دولة الإمارات العربية المتحدة استثمرت هنا في قطاع الاتصالات وكانت التجربة ناجحة، تعالوا إلى قطاعات الغاز والتعدين والى ساحة توليد الطاقة وغيرها، وستكون في ذلك مصلحة الطرفين، واليوم أوضاع أفغانستان، كما شاهدتم على أرض الواقع، تتحسن وتتقدم.

قبل أيام افتتحنا جسر الصداقة مع طاجيكستان في إطار انفتاحنا على دول الجوار الأفغاني، وستكون لدينا قريبا خطوط مواصلات مع الصين، وعن طريق مجلس الأمن القبلي مع باكستان الذي انعقد قبل أيام سعينا جاهدين لتحسين العلاقات مع الجارة باكستان، وفي كل ذلك فرص أفضل لأفغانستان ولكل من يستثمر فيها.

ـ نفهم جيدا ما تقولون لأننا جلنا طيلة أربعة أيام في شوارع كابول واكتشفنا كيف أن الصورة التي تصلنا عنها عبر وسائل الإعلام مشوهة؟

ـ نعم هناك تضليل ومحاولات لإظهار صورة غير صحيحة عن أفغانستان، انتم زرتم ولاية كابول وهي الأقل تطورا، زوروا الولايات الأخرى وستجدون وتلمسون حجم التقدم الحاصل، الاستثمار الخاص هو الذي حقق ما شاهدتموه في كابول والحكومة لم تقم بما عليها بعد وإنما تستعد لذلك.

ونركز حاليا على الخدمات الصحية والطرق وبكل تواضع حققنا انجازات ملموسة، كان لدينا 40 ألف طفل من حديثي الولادة يموتون قبل 4 سنوات واليوم نضمن أنهم سيبقون أحياء، وكان عندنا 85 ألف طفل يموتون سنويا وهم دون الخامسة واليوم نوفر لهم الحياة، لقد أهلنا 3500 كيلومتر من شبكات الطرق في البلاد وأمنا التواصل بين أبناء شعبنا ووطنهم، ورفعنا صادراتنا إلى 700 مليون دولار ولدينا احتياطي من الأموال الأجنبية بمصرفنا المركزي يتجاوز ملياري دولار.

حرية تعبير

ـ هناك عراك سياسي كبير في البلاد، كيف هي علاقتكم بمجلس الشورى؟

ـ هناك شد وجذب، هذه هي حالة الحياة الديمقراطية الطبيعية، وذلك لا يزعجنا فنحن دعاة حرية وديمقراطية وللشعب الحق في إبداء رأيه ونحن نستمع لمطالب شعبنا ونحترمها.

ـ هناك حرية صحافية كبيرة جداً تصل إلى حد الانتقاد المباشر واليومي لكم؟ هل انتم نادمون على تحرير الصحافة؟

ـ لا بالتأكيد، أنا أقول: ليكتبوا ما يريدونه، في قلوب الناس تراكمات كبيرة فليعبروا عنها، فالحرية بالنهاية ستكون في مصلحة البلد، شعبنا كان مكبوتا جدا، أحيانا تكتب أشياء كثيرة غير صحيحة لكن لابد أن نتحملها.

ـ نلاحظ أن فخامتكم تتعاملون مع باكستان وإيران بهدوء لافت رغم الانتقادات الدولية والاتهامات لدورهما في أفغانستان؟ ما مستقبل العلاقات الأفغانية الباكستانية؟ والأفغانية الإيرانية؟

ـ نحن ندعم أي جهد يساهم في تعزيز امن المنطقة واستقرارها، وهذه رسالتنا للجميع لأن مصلحة أفغانستان تتحقق بعلاقات جيدة مع جيراننا وهذا ما نريده، فنحن دعاة سلام ولسنا دعاة حرب.

كابول ـ عدنان الراشد ومحمد الحسيني