تبدو ملامح الشجاعة على وجه الطفلة الفلسطينية ماريا أمين ذات السنوات الخمس، وهي تتلقى علاجاً مائياً في المسبح. ويشرف على العملية معالجون من الطاقم الطبي لمستشفى «ألين» للأطفال في القدس المحتلة. لقد شلت ماريا بعدما أصيبت في العنق، خلال هجوم صاروخي لجيش الاحتلال على غزة. واستشهد في العملية الإجرامية والدة ماريا وجدتها وشقيقها الذي كان في سنه السابعة. وقُذفت ماريا من نافذة السيارة التي كانت تُقلهم، وأصيبت بجروح بليغة.
ولا تستطيع ماريا أن تحرك رجليها، بل إنها لا تحس بالماء الذي تطفو عليه. كما لا تفارق مروحة كهربائية. ولا يعترف القانون الإسرائيلي بحق ضحايا لما يعتبره «أعمال حرب» إسرائيلية في التعويض. لكن الصحافة العالمية، فضحت الجريمة وعملت على إشهارها، ما أجبر سلطات الاحتلال على التبرع بعلاجها ليتهرب من المسؤولية الخلاقية. واضطرت وزارة الدفاع الإسرائيلية، على مضض، إلى التكفل بنفقات إعادة تأهيل الطفلة الفلسطينية، بالمستشفى التخصصي في القدس. على أن يتم ترحيلها، إلا أن المستشفى عارض قرار الترحيل. ويحاول الطاقم الطبي الإسرائيلي مساعدة ماريا على أن تحقق أقصى ما يمكن في حالتها من الاستقلالية.
كما يسعى المعالجون إلى تلقينها طريقة استعمال فمها من أجل تشغيل حاسوب. وقالت رئيسة المستشفى شيرلي ماير«دون الخوض في السياسة، وهذا ليس دوري، ولا مهمتي، أولويتي الكبرى هي التأكد من أن مرضاي يتلقون الرعاية التي يحتاجون إليها». وأضافت «لا أهتم بالمكان، لكن على حد علمي، إن هذا المستشفى هو الوحيد في الشرق الأوسط حيث يمكن لماريا أن تتلقى الرعاية المناسبة».
وقالت المسؤولة الطبية أيضا إن «حالتها في غاية التعقيد. لذا لن نصدر أي إعفاء، حتى نتأكد من إمكانية حصولها على الرعاية المطلوبة في مكان آخر». وستنظر المحكمة العليا في قضية ماريا في أواخر شهر سبتمبر المقبل. وإذا ما أصرت وزارة الدفاع الإسرائيلية على قرار الترحيل، فستنقل ماريا إلى مركز أبو ريه لإعادة التأهيل برام الله، في الضفة الغربية. وهو مركز متخصص بالعظام وليس الأعصاب.
وجاء في بيان للوزارة أن «ماريا ستنمو بشكل أفضل في محيطها الطبيعي». ويسعى حمدي والد ماريا جاهداً لكي تظل ابنته في القدس، معتبراً أن ذلك مسألة حياة أو موت بالنسبة لها. ويقول «لن تستطيع العيش لأكثر من خمسين ثانية، من دون المروحة، ثم إن هناك دائما تعقيدات. هنا يمتلكون الخبرة. أما في رام الله فلا»
كما يعترض محامي الطفلة آدي لوستيغمان على خطة وزارة الدفاع لعدة اعتبارات. ويقول «ماريا من غزة ولا أقارب لها في رام الله؛ ثم إن مركز أبو رية لا يملك الخبرة و التجهيزات الضرورية، لمعالجة كل تعقيدات محتملة، كما يمكن أن تودي كثرة الحواجز ونقاط التفتيش بين رام الله والقدس بحياة الطفلة الفلسطينية. ولن تكون أول ضحية تفارق الحياة بهذه الطريقة».
إلا أن وزارة الدفاع اقترحت أن ترسل بعثة طبية من أبو رية إلى القدس لتلقي تدريبات. كما عرضت المساهمة في شراء بعض التجهيزات الطبية التي تحتاجها ماريا، والتكفل بإيجار مسكن لوالدها لمدة سنة. «ثم ماذا بعد؟» يقول محامي الطفلة. إن «شلل ماريا والتهابها المتكرر، وحالات الحمى التي تنتابها، وحاجتها إلى الدواء والتجهيزات الطبية الجديدة، عندما تكبر، كلها أشياء قابلة للتطور».
ويقول «كل من يهتم بهذه القضية إنه حريص على مصلحة ماريا، لكن مصير هذه الطفلة الغزاوية صار موضوعا سياسياً، على غرار كل ما له صلة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي». وستبلغ ماريا سن السادسة بعد ستة أسابيع. وهي لا تطمح سوى إلى أن تحيا حياة عادية حسبما تسمح به الظروف. وتقول «أريدهم أن يمنحوني ووالدي وشقيقي الصغير بيتا، حيث يمكنني الاستحمام بمفردي، وأن أرتدي ملابسي بمفردي، أو لو أذهب إلى المدرسة» . ويوجد والد ماريا باستمرار بالقرب من ابنته. يطعمها، وينظف مروحتها، ويمشط شعرها. كما يطلي أظافرها بالدهان، رغم علمه بأنها لن تستعمل يديها أبدا.

