تتكرر مشاهده وطقوسه منذ 60 عاماً على بوابات الحدود الفاصلة بين الجارين النوويين، بطريقة تقترب به من عروض المسرح الحي، أو مسرح الشارع، غير أن حماسة الجمهور وشهود طقوس إنزال العلمين الباكستاني والهندي، وفتح وإغلاق بوابتي الحدود، لا تفقد حيويتها وكأنها في ولادة متجددة. ولفرط تدفقها تجرفك موجة الحماسة في قلب الحدث، وتنتزعك من صف المراقب إلى بؤرة المشاركة، والاندماج مع صناع الحدث.

«البيان» شهدت أحدث طقس يومي لإنزال العلم الباكستاني على بوابة «واجه» الحدودية مع الهند من جهة شرق لاهور. عندما انطلقت السيارة التي تقلنا من قلب لاهور ثاني أهم مدينة بعد إسلام آباد، وعاصمة الثقافة والفنون، كانت تتقدمنا سيارتان، واحدة عسكرية والثانية أمنية، تكفلتا بفتح الشوارع المغلقة وتجاوز نقاط التكدس المروري.

وعند وصولنا نقطة «واجه» الحدودية شرق لاهور، كانت المدرجات على جانبي بوابتي الحدود ممتلئة عن آخرها بجمهور يجمع كل فئات وأطياف الشعبين الباكستاني والهندي، وهتافاتهم الحماسية لا تنقطع، في تناغم وتنسيق مذهل، كأن هناك «مايسترو» خفياً يقود الجمهور على الجانبين.

تزلزل المكان حول بوابة «آزاد» الباكستاني عند نقطة واجه الحدودية هتافات «تحيا باكستان إسلامية ـ الله أكبر ـ لا إله إلا الله، وبمجرد ان تهدأ الموجة تنطلق على الجانب الآخر هتافات «تحيا هندوستان»، ولأكثر من ساعتين يتكرر المشهد، مع تنويعات لإكساب العرض حيوية ولإلهاب مشاعر الحماسة الوطنية، فهذا شاب يخطو على وقع هتافه «تحيا باكستان» وهو يلوح بالعلم والجمهور يردد خلفه، ويتبعه عجوز ثمانيني يرتدي العلم الباكستاني ويحمل علماً آخر يلوح به، وقوة هتافه تعيد إليه شبابه، وتستعيد لحظة استقلال باكستان عندما كان شاباً في مقتبل العمر.

وترتفع حرارة المشهد باتجاه ذروة العرض، حيث تتزامن عروض عسكرية باكستانية ـ هندية، ويتقدم جنود بزي التشريفات الرسمية وغطاء الرأس المميز، الأشبه ب«عرف الديك» وخطواتهم تدك الأرض، وتكاد تخترقها، يتوقفون لأداء التحية العسكرية، وهم يطلقون صيحات الاستنفار، لدرجة تنتزع تصفيق الجمهور.

وعندما تصك أذنيك الهتافات وتنطلق مكبرات الصوت، تظن أنك تقف على حافة نشوب معركة، ولكن يفاجئك الجانبان، بشكل حضاري، يتصف بالنضج والمسؤولية، فقد تلقنوا من كثرة تكرار هذا المشهد درساً في الوطنية وحسن الجوار.

صحيح أن الكل غارق في موجة حماسة وطنية، ومتوحّد في مشاعر حب الوطن، لكن من دون تجاوز الخط الأحمر لإيذاء الآخر، بل على العكس تماماً، احترامه والحرص على حقه هو الآخر في التغني بحب الوطن، ينعم الطرفان بالاستقرار وحسن الجوار الذي لم يصل بعد لمرحلة الدفء الكامل، بسبب نزاع كشمير المزمن.

ومع شدة تناغم أداء الجمهور على الحدود، وتناسق العرض العسكري تدرك مدى رسوخ قاعدة الشراكة منذ نضالهما المشترك من أجل الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، عندما تزامل المهاتما غاندي مع مؤسس باكستان محمد علي جناح، قبل أن يفترقا أحدهما في الهند والآخر بجمهورية باكستان، واختيار كراتشي عاصمة لها قبل أن تتحول إلى إسلام آباد الآن.

وعندما يقترب موعد غروب الشمس وتبدأ طقوس إنزال العلمين، يتقدم طابوران على الجانبين من الجنود بخطوات عسكرية حماسية وصيحات استنفار، يتبعها هتافات تشجيع من الجمهور، وما إن تنفتح بوابتا الحدود حتى تشتعل الأيدي بالتصفيق، وتلتهب الحناجر بالهتاف.

ويستعد الجنود كل إلى جوار سارية علم بلاده وهم يمسكون بحبال إنزال العلمين مختلطة بطريقة عجيبة، يتم فض اشتباكها بأسلوب مذهل يستولي على إعجاب الحضور. وفي اللحظة الأخيرة مع بدء إنزال العلمين يختطف جنديان باكستاني وهندي لحظة مصافحة خاطفة كبادرة طيبة على حسن الجوار بين «النوويين» اللدودين.

مع الغروب يطوي الفريقان كل علم بلاده ويحمله جنديان من كل جانب بخطوات عسكرية وسط تصفيق الجمهور الذي غادر مقاعده ووقف في ذروة حماسته، بانتظار شروق شمس يوم جديد ترفع فيه الأعلام، وتستمر سياسة حسن الجوار من دون الانتقاص من الحماسة الوطنية.

لاهور ـ واجه ـ سيد زهران