دعا رئيس الوزراء الأردني الأسبق الدكتور عدنان بدران إلى الحوار بين الحكومة والحركة الإسلامية لإنهاء الأزمة بينهما. وقال في حوار مع «البيان» إن الحوار أمر أساسي في التعالم مع «العمل الإسلامي».
وأضاف أن هناك تيارا في الحركة الإسلامية بدأ بالتطرف والغلو مشيرا إلى أن مشكلة هذا التيار انه بات يسيطر على أعمال جبهة العمل الإسلامي ذراع جماعة الإخوان المسلمين المتناغمة أصلا مع جميع الحكومات المتعاقبة.
وأكد أن الحركة الإسلامية في الأردن حركة وسطية يغلب عليها الاعتدال رغم أن حكومته لم تأخذ الثقة من نوابها في البرلمان. وفي موضوع آخر دعا د. بدران الذي يعتبر احد أهم الشخصيات الأكاديمية في الأردن إلى عدم المركزية في التعليم العالي في الأردن وقال إن التخبط الذي يعانيه هذا القطاع محليا ظاهرة حديثة سببها أن سياسات التعليم العالي متغيرة مع تغير الحكومات.
وتاليا نص الحوار:
* كلفت في العام 2005 بتشكيل الحكومة بعد أزمة حكومة فيصل الفايز مع جبهة العمل الإسلامي وتحديدا ما عرف بأزمة النقابات، اليوم بعد مرور عامين وتعاقب للحكومات، عاد الشارع الأردني لذات الأزمة، فكيف تنظر إلى ذلك كله؟
ـ لا أقول إن هناك أزمة بيني وبين جبهة العمل الإسلامي بل اختلاف في وجهات النظر وعموما الجبهة لم توقّع عريضة عدم الثقة في حكومتي ولكنها أيضا لم تعط لحكومتي الثقة. وكنت أتفاعل وأتعامل معها كجبهة برلمانية أساسها الحوار والمشاركة ولكن ليس المناكفة.
واعتقد أن الحوار أمر أساسي في التعالم مع «العمل الإسلامي». أما ما حصل مؤخرا فأرى أن هناك تيارا في الحركة الإسلامية بدأ بالتطرف والغلو والمشكلة انه بدأ يسيطر على أعمال جبهة العمل الإسلامي والجبهة هي ذراع للإخوان المسلمين المتناغمة أصلا مع جميع الحكومات المتعاقبة.
وبالنسبة للحكومة التي ترأستها فقد كانت الحركة الإسلامية وسطية بل ان الاعتدال الوسطية طغيا على مباحثاتي مع رموز جبهة العمل الإسلامي المعتدلين. وحكومتي لم تأخذ الثقة منهم بناء على ايديولوجية فهم لا يعطون الثقة لأي حكومة. ولكن ظهر تيار متطرف وهذا التطرف قاد إلى إساءة إلى العلاقة بين الجماعة والحكومة لذلك يجب بحث هذا التطرف وكيفية فتح حوار لنعود إلى الاعتدال في الرأي.
* ولكن ألا تعتقد أن تكرار هذه الأزمات يطرح سؤال عن المقايضات السياسية التي اعتادت جميع الحكومات انتهاجها مع الحركة وأننا بحاجة إلى تعامل جديد في التعامل معهم؟
ـ أولا ماذا نعني بالمقايضات السياسية، هؤلاء انتخبوا ككتلة برلمانية وعلينا التعامل باحترام مع ممثلي الشعب. وعندما يجلس ممثلو هذه التيارات الاجتماعية والسياسة تحت القبة علينا أن نضع بالاعتبار أنهم يمثلون شرائح اجتماعية وتيارات عريضة في المجتمع.
ومن هنا كنت ضد المقايضات السياسية وفي حكومتي لم أتقايض سياسيا مع أي تيار ولم أتعامل معه إلا بشكل موضوعي وما كان يجمعنا معا هو البيان الوزاري. دون الالتفات للحسابات الشخصية، لأني اعتبر أن تلبية أي احتياجات شخصية هي نوع من المحسوبية والواسطة، وفي حكومتي لم الين ولو شعرة لأي محسوبية أو واسطة أو اجتلاب صحافيين وغير ذلك.
* على ذكر الصحافيين وصفت حكومتك بأنها كانت على علاقة متوترة مع الصحافيين، وعدد كبير من الصحافيين اعتبروك صاحب علاقات عدائية مع الصحافة والصحافيين وقلت في أكثر من تصريح انك تعتبر بعض الصحف تمارس اغتيال للشخصية فهل تعرضت لهذا الاغتيال وهل كنت تعتقد أن حكومتك فوق النقد من الصحافة؟
ـ لقد تعاملت مع الصحافة بكل شفافية ولم الجأ لأي أسلوب قمعي مهما كيل لي من نقد وكانت حريات الصحافة مفتوحة ولكن لم اسمع لأي طلبات من قبل أي صحافي ولم اسمع لأي نائب أيضا سواء كانت طلبات معنوية أو مادية ولذلك ربما هذا النهج الجديد وعدم الخضوع لأي ابتزاز ربما قاد إلى هذا الاختلال في الرأي بيني وبين بعض الصحافيين. ولكن كان صدري مفتوحا لأي نقد لجميع الصحافيين.
* إبان تسلمك لمجلس الوزراء كانت هناك مشاريع قوانين انتخابات وأحزاب ونقابات مهنية، لماذا لم يتم إقرار هذه القوانين؟
ـ كان هناك قانون البلديات وتقدمت حكومتي إلى مجلس النواب بهذا القانون ولكن عندما حان موعد مناقشته كنا خارج الحكومة، الحكومة الحالية هي التي بدأت بالحوار حول المشروع. والقانون تم تعديله من قبل الحكومة الحالية، ولكن الخطوط العريضة هي ذاتها.
وأنا لا أريد الخوض في تنفيذ قانون البلديات على الانتخابات البلدية ولكن كقانون هو قانون عصري وجيد يسمح لجميع الشرائح لخوض الانتخابات فأعطى المرأة حق الدخول إلى المجالس البلدية عبر الكوتة وأعطى حقوقا للمهمشين.
لقد بنى القانون على أسس ديمقراطية، واستطيع الدفاع عنه بقوة، أما إذا حصلت هناك شبهة في تنفيذ القانون فهذا ليس له علاقة بالقانون. أما قانون الانتخابات البرلمانية، فقد سعينا إلى مناقشة قانون الأحزاب قبل الانتخاب لأننا نعتقد أن هناك ضرورة لتنمية الأحزاب السياسية، فوجود حزب واحد على الأرض الأردنية ليس لصالح الحياة الحزبية الأردنية وما سعيت له بناء تعدية سياسية مبنية على تعددية فكرية في الشارع.
ومن المعروف أن حزب جبهة العمل الإسلامي له قاعدة جماهيرية واسعة لهذا كنا نريد تعزيز الساحة الأردنية بالتعددية وهو ما تدعو إليه جبهة العمل الإسلامي بان تنمو أحزاب من القاعدة الشعبية، وان تكون أحزابا يسارية أو يمينية ضمن الدستور وضمن مظلة الحكومة أي أننا لا نريد أن يعلو فوق الدستور.
ولذلك درسنا مشروع قانون الأحزاب وكيف يمكن الخروج بقانون أحزاب عصري يسمح ببناء أحزاب ذات قواعد شعبية عريضة تبنى على أساسها التعددية والتنافسية ثم النظر في قانون الانتخاب. ومن المعروف أن قانون الانتخاب الحالي بحاجة إلى تحديث وتطوير،
هناك أسئلة عن مبدأ الصوت الواحد فحاولنا البناء على الصوت الواحد والقائمة النسبية بمزيج مشترك. ولكن لم يكن هناك وقت كاف. كما انه لا وقت الآن لإصدار قانون انتخاب آخر لهذا فان الانتخابات البرلمانية المقبلة ستنظم على أساس القانون الحالي.
* يأخذ المراقبون على الحكومات في الأردن قصر عمرها.. فما هو القرار الذي كنت ستتخذه لو كان عمر حكومتك أطول؟
ـ لدي أجندة وطنية استلمتها قبل شهر من فك الحكومة، وبدأت العمل عليها، وفق محاورها المختلفة وكنا نريد الوصول إلى اتفاق حولها، عبر دراستها ومناقشتها من خلال حوار وطني. كما أني تقدمت بقانون مكافحة الفساد وكنت سأتابع ذلك وقد واصلته الحكومة الحالية، كما أني كنت اطمح بالوصول إلى قانوني انتخاب وأحزاب عصريين لتنمية أحزاب سياسية ذات قواعد شعبية وتنمية البرلمان ليكون يمثل فئات والشرائح المختلفة.
* لننتقل إلى شق التعليم.. المراقبون يقولون إن هناك تخبطا في السياسات المتعلقة بالتعليم العالي في الأردن فما هو تعليقك على ذلك؟
ـ لا شك أن هناك قرارات سريعة تقريبا أسبوعية وأحيانا شهرية تصدر لتنظيم التعليم العالي وبالطبع نحن بحاجة لتنظيم هذا القطاع لنصل إلى الجودة والنوعية بمخرجات تكون موائمة لاحتياجات السوق. واقصد باحتياجات السوق الأردني والعربي والعالمي لأننا دخلنا في منظومة العولمة والتجارة الحرة ولذلك يجب أن نعي احتياجات السوق ضمن عالمية التجارة الحرة.
والتخبط هي ظاهرة حديثة سببها أن سياسات التعليم العالي أوامر تنفيذية تصدر عن مجلس التعليم العالي أي أن هناك غياب لاستقلالية الجامعة والتصرف بشؤونها، وغياب لمجالس أمناء الجامعة ومن هنا أقول يجب العودة لتقوية هذه المجالس لتنمية التنافسية بين الجامعات، وترك مجالس الأمناء لاتخاذ القرارات المناسبة لكل جامعة لتتكون لدينا تعددية في الجامعات من حيث التخصصات والنوعية والجودة ومن حيث المخرجات.
لا يوجد بلد في العالم تتساوى في المخرجات في الجامعات المختلفة كما تتساوى مدخلات التعليم أيضا. يجب أن تظهر تعددية في سيرورة التعليم ومخرجاته لأنه بالتعددية تنتج التعددية الفكرية والسياسية ونحن نعيش في بلد ديمقراطي، وهو ما يعني لا وجود للنمطية في الحياة،
وقد جربت هذه النمطية الدول الاشتراكية وفشلت فيها حيث كانت هناك مركزية شديدة جدا بحيث يؤسس جميع ما يتعلق بالتعليم وفق قرارات مركزية. وهو ما نقوم به حاليا أي أن نعود بالقرار التعليمي إلى المركزية. فليس هناك استقلالية لأي جامعة أن تتخذ قراراتها بنفسها.
ومن المعلوم أن قوة الغرب أوروبا وأميركا في التعلم والتعليم أن مخرجات التعليم نتاج تنافسية وتعددية لذلك سيبقى هناك تخبط لأنه من الممكن أن يأتي وزير آخر للتعليم العالي وسيجري تغييرات ما بدأه سلفه، لذلك تتغير السياسات بتغير الحكومات. ولكن عندما تترك المركزية إلى اللامركزية لصالح مجالس الأمناء تكون سياسة التعليم في الجامعات ثابتة وغير متغيرة مع تغير الحكومات.
* عندما بدأت الحكومة بدأت بإلغاء برنامج الموازي تقييمك لهذا البرنامج ولماذا توقفت عملية الإلغاء؟
ـ أقول إن من الأمراض التي حلت بالتعليم العالي في الأردن بروز التعليم الموازي، الذي ظهر كنتاج لعدم دعم الحكومة للجامعات فنقص لديها المال ولم تتوفر موارد مالية كافية للموازنة فلجأت مجالس عمداء الجامعة إلى اللجوء لخلق قبولات في الجامعات فوق الطاقة الاستيعابية سميت بالتعليم الموازي أي أن يدفع الطالب أضعاف الرسوم التي يدفعها الطالب العادي وهذه الرسوم درت عليهم الملايين فأنقذت الجامعات من ورطة مالية ولكنه خطأ وتخبط.
وقد كان على الحكومة دعم الجامعات للإبقاء على الاختيار الأفضل للمقبولين في الجامعة ان تحافظ على نوعية الجامعات الحكومية. الآن ماذا حصل؟ يوجد 42 ألف طالب في الجامعة الأردنية لوحدها رغم أن الجامعة لا تستوعب أكثر من 20 ألفا، وجامعات أخرى هناك ضعف الطلبة فيها
ومن هنا فاني أود الإشارة إلى أن البرنامج الموازي خدم الجامعة ماليا بلا شك ولكن البناء على خطأ فهو خطأ وقد كان على الدولة أن تقوم السماح للجامعات بإنشاء صناديق الطالب المحتاج وتدبير هذا المال وكان على الطالب الذهاب إلى الصندوق إذا كان بحاجة أما الطالب غير المحتاج يستطيع دفع رسومه بنفسه فيكون هناك برنامج واحد.
* ولكن لماذا توقف إلغاء البرنامج؟
ـ لان الحكومة لم تقم بدفع التزاماتها بالجامعات أي إلغاء البرنامج الموازي سيعرض خزينة الدولة لتعويض مع تفقده من رسوم البرنامج الموازي لذلك غض الطرف عنه مؤقتا وهو خطأ لان «الموازي» يجب أن يبحث بشكل دقيق سواء من حيث تداعياته أو مخرجاته ونتائجه
ولا يجوز في رأيي أن ندخل المال كأمر أساسي في بناء الجامعات لان ذلك لن يحدث نقلة نوعية مبنية على الجودة. ورغم أن البرنامج الموازي سيلغى يوما ما ولكنت توقف إلغائه اليوم سيكون حجر عثرة في بناء حداثة جديدة لتطوير التعليم العالي.
عمان ـ لقمان اسكندر
