دعا رئيس هيئة علماء المسلمين في العراق حارث الضاري أميركا إلى إنهاء العملية السياسية الجارية اليوم في العراق والسماح للعراقيين بتشكيل حكومة عراقية وطنية ذات طابع عسكري تحكم البلد وتنشئ جيشاً وطنياً يحل محل جيش الأحزاب والمليشيات، وفق قوله، تستطيع بعدها هذه الحكومة من أن تتفاوض مع أميركا على الانسحاب.
وقال الضاري في مقابلة مع «البيان» انه ليس أمام أميركا المرتبكة في العراق سوى هذا الأمر أو الانسحاب الفوري وتترك البلد لأهله. ودعا أميركا إلى إعادة النظر في سياستها في العراق بالاعتماد على من اسماهم «الغالبية العظمى من أبناء العراق الذين يريدون حكم بلدهم وتوحيده وتعميره، وان يتعاملوا مع الغير الذين لا يؤذونهم معاملة الأصدقاء سواء كانوا أميركيين أو غير أميركيين».
وأعرب رئيس هيئة علماء المسلمين في العراق عن معارضته لتوجيه أي ضربة عسكرية أميركية لإيران، وتاليا نص الحوار:
ـ كنت طلبت مؤخرا من واشنطن قطع العلاقات مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وهاجمت حكومته.. ماذا تقصد بهذه الدعوة، علما بان مواقفكم واضحة برفض التعاطي مع العملية السياسية ما المقصود بقطع العلاقات مع حكومة المالكي وماذا تريد الهيئة لعراق ما بعد المالكي؟
ـ لم تكن هذه الدعوة جديدة وإن كانت قد فاجأت الكثيرين بهذه الصيغة، وكنا طلبنا سابقا من أميركا مراجعة سياستها في العراق وإنهاء العملية السياسية، لان هذه العملية ورموزها قد سقطت قبل الحكومة الحالية وجاء المالكي ليؤكد للأميركيين ولغيرهم وترتب على هذا الفشل دمار العراق أو إتمام دمار العراق الذي بدأت الحكومات السابقة فاتسع نطاق التدمير والتخريب وكثر عدد الشهداء من أبناء العراق بكل أطيافه من سنة وشيعة وأكراد وعرب وغيرهم لان هذه الحكومة وإن كانت طائفية تعارض كل من يعارضها وكل من لا يسير وفق نهجها ومعها في توجهاتها وفي حكمها للعراق حتى لو كانوا من أبناء طائفتها.
وخير شاهد على ذلك ما فعله المالكي في قرية الزرقا في محافظة النجف حيث قتلت قواته ما يزيد على ألف شهيد من إخواننا الشيعة من أبناء القبائل العربية هناك، واعتقلت ما يزيد على 800 أسير ومعتقل، وقد روي لنا أن عددا كبيرا منهم نقل إلى طهران.
وما قام به أخيرا من أعمال مع جبهة التوافق وشركائه في الحكومة من ازدراء الجميع وتعاليه على الجميع وعدم استعداده للحوار حتى مع الذين رضوا ان يعملوا معه تحت الاحتلال وقبلوا الكثير من أخطائه بل وافقوا على دكتاتوريته وانفراده بالسلطة وخروجه على القانون المزيف الذي ارتضوه هم لحكم البلد.
ـ هل تعتقد أن دعوة القوات الأميركية في العراق واقعية في ظل المعطى العراقي الحاضر؟
ـ أنا أقول إنها في مصلحة أميركا وهي مرتبكة ليست لها مشروع في العراق فأضرّت بنفسها وبالعراقيين ولذلك لا بد أن تحزم أمرها وتختار إما الانسحاب الفوري وتترك البلد لأهله أو تأخذ الطريق الآخر وهو أن تنهي العملية السياسية وتأتي بحكومة عراقية وطنية ذات طابع عسكري تحكم البلد وتنشئ جيشا وطنيا يحل محل جيش الأحزاب والمليشيات التي لم تكن موالية للعراق وأسهمت في كل ما جرى في العراق من خراب ودمار وقتل ونهب وسلب.العراق لا يمكن أن يقوم على قدميه إلا بجيش وطني يدين بالولاء للعراق ويستطيع أن يبني دولة تستطيع أن تتفاوض مع أميركا على الانسحاب.
ـ سبتمبر اقترب واقترب معه انتهاء المهلة التي أعطاها بوش للمالكي ولكن رئيس الوزراء العراقي قام قبيل انتهاء المهلة بزيارة إيران كيف تقرأ هذه الزيارة؟
ـ هي هروب إلى الأمام في محاولة لإطالة عمر حكومته، لأنها جاءت في غير وقتها وكان المفروض منه البقاء في العراق وهو يواجه الأزمات الكبيرة وأبرزها توقف عمل حكومته وان كانت هذه الحكومة متوقفة أصلا منذ أمد وكانت مجرد حكومة شكلية، لا يمارس الكثير من وزرائها أعمالهم بل المليشيات والمتنفذون هم الذين يديرونها ولكن بعد انسحاب كتلة أو أكثر من كتل الحكومة تصدعت الحكومة وكان عليه معالجة المشكلة ولكنه قابلها بالتعالي والاستخفاف والاستهجان بمطالبهم رغم انها كانت مطالب شرعية ومعقولة وهي مطالب غالبية أبناء الشعب المعارضين للاحتلال وكذلك العاملين مع الحكومة والسائرين في فلكها.
ثم هو ذهب إلى تركيا فإيران وأرى أن ذهابه هذا بحث عن الحلفاء ليستقوي بهم على أبناء شعبه وخير دليل على ذلك أن الرئيس الإيراني عندما تهجم على المعارضين لحكومة المالكي ووصفهم بالمفسدين لم يعترض المالكي على ذلك علما بان المعارضين للمالكي يمثلون غالبية أبناء الشعب العراقي سواء ممن عملوا معه أو عارضوه من البداية.
ـ أنهى وفد أمني عراقي زيارته أخيرا للأردن، ووصفت الزيارة من قبل المراقبين بالمخيبة للآمال سواء للعراقيين أو للإيرانيين.. أين تضع سياق هذه الزيارة؟
ـ أنا لا اعلم بتفاصيل هذه الزيارة ولكنني كنت أتوقع أنها زيارة لن تنجح لان مطاليب حكام العراق في هذه الآونة مطاليب لم تكن معقولة وهي تتجاوز الأعراف السياسية والدبلوماسية والعلاقات بين الدول بل هي مبنية على رغبات وإرادات شخصية لها دوافع ذاتية ودوافع طائفية وانتقامية لذلك كنا نتوقع من البداية ألا توفق هذه الزيارة بالشكل الذي يريد حكام العراق اليوم.
ـ يقال إن الوفد الأمني العراقي سلم قائمة بأسماء مطلوبين عراقيين للحكومة العراقية فهل تعتقد انك من بين هذه الأسماء خصوصا وان جرى قبل ذلك الحديث عن المطالبة بتسليمك؟
ـ بالتأكيد إذا هم دفعهم حقدهم وجهلهم وغباؤهم إلى المطالبة بتسليم من يريدون تسليمه وبظروفهم الحالية التي ينبغي لهم التعالي عن مثل هذه المطالب السخيفة بالتأكيد سأكون من بين هؤلاء المطلوبين إن لم أكن في مقدمتهم.
ـ ما المطلوب عربيا ما رأيك بالدور العربي؟
ـ لا اشعر بالرضى من هذا الدور ولست وحدي بل كل أبناء الشعب العراقي لان العراق اليوم يذبح ويدمر وينهب ويخرب وهو يسير إلى شفى هاوية وإخواننا العرب مكتفين بالحيادية حتى لا يتهموا بالانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك. ونحن لا نريدهم الانحياز إلى أي طرف لان العراق كله واحد ونؤكد للعالم أن أبناء العراق الشرفاء من كل الفئات والمشارب والمذاهب كلهم مهمشون ومعذبون ومطاردون من شمال العراق إلى جنوبه فالدخول في القضية العراقية ينبغي أن يكون صريحا لان العراقيين اليوم يطلبون منهم النجدة دون استثناء سواء سنة أو شيعة أو أكراد وغيرهم.
والكل متعب والكل مؤذى من قبل الاحتلال ومن قبل الأحزاب التي اعتمد عليها الاحتلال في حكم العراق لان هذه الأحزاب لم تعمل إلا لنفسها، والا لرموزها، والا للجهات التي تتعامل أو تعاملت معها في العراق. لذلك نريد من العرب موقفا واضحا صارما يقول للأميركيين إننا تركناكم على مدى أربع سنوات لم نعترض سبيلكم ولم نتدخل في العراق كما تدخل غيرنا على سمعكم وبصركم بل بموافقتكم أحيانا وكنا نتوقع منكم تعديل سياستكم في العراق.
وإذا بكم تخربون العراق وانه ليس لديكم رؤية واضحة في تصحيح الأمور في العراق فعليكم الآن إعادة النظر في سياستكم وسيرتكم في العراق وتعتمدوا على الغالبية العظمى من أبناء العراق الذين يريدون حكم بلدهم وتوحيده وتعميره وان يتعاملوا مع الغير الذين لا يؤذونهم معاملة الأصدقاء سواء كانوا أميركيين أو غير أميركيين.
نريد أن يرتفع هذا الصوت من إخواننا العرب وان يقولوا للجهات المتدخلة في العراق أوقفوا تدخلكم في العراق، ونريد من الإعلام العربي أن يكون واضحا وصريحا.. وفي النهاية أقول إن العراق في خطر وإذا لم يتدارك العرب العراق فانه قد ينتهي لا سمح الله وعليهم أن يأخذوا هذه الحقيقة بنظر الاعتبار وذهاب العراق سيؤدي إلى ذهاب العرب وأذى للعرب وخلق المشاكل لهم وعليهم أن يتأكدوا بأنهم لن يسلموا إذا غيب العراق عن أمته العربية ومحيطه الإسلامي.
ـ بالحديث عن دول الجوار ماذا عن الدور الإيراني في العراق؟
ـ في العراق احتلال عسكري أميركي واضح للكل وهناك تدخل واسع من خلال هذا الاحتلال من قبل إيران وبدأ هذا التدخل بعد الاحتلال وهو معروف للأميركان إلا أنهم تساهلوا مع هذا التدخل لأنهم كانوا يعتقدون انه سيعينهم على تهدئة الأوضاع في الجنوب ومناطق أخرى في العراق إلا أن هذا التدخل اتسع واتسعت رقعته.
وبدأ يشكل بعض العقبات على الاحتلال الأميركي ولهذا اختلف الأميركيون والإيرانيون على الأقل في الساحة العراقية بعد أن علم الإيرانيون أن الأميركيين وقعوا في ورطة في العراق بسبب مقاومة العراقيين لهذا الاحتلال فاستغل الإيرانيون تورط الأميركيين ودخولهم في الحرب المشتعلة مع أبناء الشعب فتدخلوا في كثير من مفاصل الدولة من خلال الأحزاب الموالية لهم المعروفة.
وعلى رأسها المجلس الأعلى، وحزب الدعوة، وفصائل عديدة من حزب المهدي، وقوى أخرى، وكذلك أيضاً من خلال الأحزاب الكردية وفي مقدمتها حزب الاتحاد الكردستاني بقيادة جلال الطالباني الذي يعد من أكثر الحلفاء لإيران وساعد على الكثير من التدخل الإيراني في العراق.
ولكني أقول إن التدخل الإيراني على سعته، وعلى تغلغله في كثير من مفاصل الدولة واعتماده على الكثير من السياسيين التابعين للأحزاب المذكورة فانه هش يمكن مقاومته وانهاؤه، ولكن لا يمكن أن ينتهي ما دامت العملية السياسية التي يعتمد فيها الاحتلال على هذه الفئات الموالية لإيران بل ان المشروع الإيراني مستظل بظل هذه الأحزاب التي تعتمد عليها أميركا والاحتلال الأميركي وللأسف فان المشروع الإيراني هو مشروع تدخل واسع له أبعاد ودوافع عديدة تدفع إلى أن يتوسع سواء دوافع سياسية أو تاريخية أو اقتصادية أو أمنية وهي تدفع إيران للتدخل والاستفادة من وضع الاحتلال الأميركي المهزوز والمتورط في العراق.
ـ بالعودة إلى إيران.. فبعد سكوت وسائل الإعلام العربية والدولية عن الحديث عن ضربة عسكرية أميركية لإيران استأنفت هذه الوسائل تعقيبا على تصريحات بعض المسؤولين الأميركيين الحديث عن الموضوع. هل تتوقع أننا أمام ضربة قريبة، وكيف تنظر إلى هذه الضربة في حال وقعت؟
ـ أنا لا أتوقع ضرب إيران على المدى القريب أما إذا ما كانت في صالح العراق والعراقيين فانا اعتقد انها ليست في صالح العراق ولا المنطقة بل ولا في مصلحة العالم بأسره. لان الضربة إن كانت قوية حاسمة فانها ستقوي آمال أميركا في البقاء بالمنطقة وهذا ليس في مصلحتنا.
وفي المقابل إن كانت هذه الضربة ضعيفة فانها ستعطي إيران شعبية كبيرة في داخل إيران وخارجها وبالتالي سيستمر مشروع إيران في التدخل في العراق وغيرها في المنطقة. وأضيف عاملا آخر فانه إذا ما وقعت الحرب لا سمح الله في العراق فان ميدانها سيكون لا سمح الله في العراق وعليه سيكون العراقيون هم الخاسرون في كل الأحوال.
ـ كيف تنظر إلى هروب قضاة المحكمة العراقية التي قامت بمحاكمة رموز النظام العراقي السابق وآخرهم رائد الجوحي؟
ـ لم أكن أتوقع أن يستقيل من استقال من هذه المحكمة لان كل من فيها هم أبناء فئة واحدة وكلهم من الحاقدين على النظام السابق بحق وغير حق وكلهم من المرغَبين في الأموال والامتيازات ولكن عندما يصل الأمر أن يستقيل بعضهم ويفر آخرون خارج العراق فهذا يعني أن العراق وصل إلى حد من السوء لا يمكن تصوره.
وما حدث دلالة على انه لا يوجد في العراق حكومة ولا حكم ولا قانون ولا نظام إذا ما صح ما ذكره رائد جوحي أن تدخلات رئيس الوزراء هي التي أرغمته على ذلك وأؤكد أن المالكي كان يتدخل في كل صغيرة وكبيرة وكان هو وراء إعدام كل من اعدم.
وبهذه المناسبة أناشد العالم والأمم المتحدة في التدخل في موضوع هذه المحكمة التي أعدت لذبح العراقيين وإنهاء الكفاءات العراقية من المدنيين والعسكريين.ورئيس الوزراء تدخل لأنه تدخل في غيرها سواء في وضوع لجنة النزاهة وتستر على قضايا مالية وتخريب وفساد كثيرة وتدخل في محاكمات لمحاكم وقضايا جنائية وإجرامية. رئيس الوزراء ومن على شاكلته في هذه الحكومة يتصرفون كأنهم عصابة أوكلت إليهم غابة ويريدون أن يحكموها بطريقتهم الخاصة ومطامعهم وأحقادهم وبمصالحهم الخاصة.
عمان ـ لقمان اسكندر
