عندما وضع عدوان يوليو أوزاره في مثل هذه الأيام كان عدد القتلى اللبنانيين قد تجاوز الألف وكانت بنى لبنان التحتية الرئيسية قد تعرضت لهجوم تدميري ممنهج، فيما كانت الأنباء عن إنجازات المقاومين على أرض المعركة تبعث على التفاؤل ويتردد صداها في العالم العربي كله مترافقاً مع أنباء كثيرة عن أداء جنود العدو الفاشل وهزيمتهم في مناطق جبل عامل ما شكل انقلابا على مفهوم الجيش الذي لا يقهر.

وجاء الإعلان عن وقف الأعمال العسكرية بموجب القرار 1701 بعد 33 يوما ثمرة للنضال على جبهتين سياسية وعسكرية بعد أن توحدت جهود اللبنانيين سلطة ومقاومة وشعبا وقيادات وأحزاب من أجل الحفاظ على الوطن.

خضعت تجربة الحرب الماضية لكثير من الجدل والنقاش خلال عام إلا أن التقييم الأكثر بعداً وشمولية جاء من قيادات المقاومة نفسها، حيث رأى نائب كتلة الوفاء للمقاومة الحاج حسن حب الله أن أهداف العدوان الذي جاء بدعم أميركي كان إسقاط المقاومة في لبنان كونها العمود الفقري لحركات المقاومة والممانعة في أكثر من منطقة، لذلك عبرت وزيرة الخارجية الأميركية في بداية العدوان عن رأيها بأن حرب يوليو هي مخاض لولادة الشرق الأوسط الجديد، أي أن الولايات المتحدة كانت تريد من وراء الحرب إسقاط كل المقاومات في المنطقة لتصبح سهلة للسيطرة والهيمنة، إلا أن هذه الأهداف سقطت بثبات المقاومة في لبنان .

وبالتالي عجزت إسرائيل عن تحقيق أي انتصار بل خسرت ما كانت تحتفظ به وهو القوة الردعية والهيبة العسكرية التي سقطت في أرض المواجهة حيث خرجت المقاومة منتصرة ولبنان معها والأمة العربية وبدأ المشروع الأميركي في المنطقة بالتراجع، مؤكدا أن ما نشهده من حصار لحكومتي فلسطين ولبنان ما هو إلا نتيجة فشل المشروع الأميركي الذي بات اليوم في مأزق.

وأكد حب الله أنه من أهم نتائج العدوان تعاظم قوة حركات المقاومة الإسلامية والالتفاف الشعبي العارم حيث استندت الشعوب إلى انتصار المقاومة في لبنان إضافة إلى الدعم السياسي الواسع والتأييد المطلق لمشروع المقاومة وأكبر دليل على ذلك الحشد الكبير الذي اجتمع في 22 يوليو بعد شهر على انتهاء العدوان .

والذي كان بمثابة تجديد البيعة برأي الكثير من المحللين والمراسلين العرب والأجانب الذين حضروا المناسبة، لافتا إلى أن المقصود بجماهير المقاومة ليس الشيعة أو المسلمين وحسب بل المسيحيين أيضا حيث تعززت بعد العدوان ورقة التفاهم التي وقعناها مع التيار الوطني الحر المتمثل بقائده الجنرال ميشال عون الذي ازداد إيمانا وثقة بنهج وخط وجدوى المقاومة.

أما على المستوى الإسرائيلي فرأى حب الله أن نتائج العدوان كانت وخيمة على الداخل حيث للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل تنخفض شعبية رئيس الحكومة إلى 3 في المئة، فضلا عن انهيار الجبهة العسكرية إذ لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من الوصول إلى ضفاف الليطاني أو إلى أقرب نقطة للحدود في منطقة وادي الحجير كما أن الغطاء الجوي الذي يمهد لتقدم القوات عادة واجهته المقاومة وأحرقت الميركافا التي كانت تمثل القوة الردعية الأساسية لإسرائيل، وحتى عندما توقفت الأعمال العسكرية خرج الإسرائيليون بشكل مذل حيث توسطوا لدى قوات «يونيفل» من أجل انسحاب آمن بعيد عن ضربات المقاومين.

وقال إن تقرير فينوغراد جاء كأصدق تعبير عن هزيمة الإسرائيليين حيث أوصى بعدم خوض الجيش أي حروب قبل خمس سنوات، ما يعني أنه تحول إلى جيش منهك فاقد للقدرات القتالية العالية المطلوبة لأي جيش. وأضاف أن «التاريخ سجل انتصار المقاومة وفشل إسرائيل وسيبقى العالم يتذكر وقائع معركة تفوق فيها المقاومون على أعتى جيش وستبقى انعكاسات حرب تموز قائمة ومستمرة على الداخل الإسرائيلي السياسي والعسكري والشعبي».

مسؤول الإعلام المركزي في حزب الله د. حسين رحال أكد أن حرب يوليو استطاعت أن تغير المعادلة الإسرائيلية السابقة القائلة بأن أي حرب ينبغي أن لا تكون في أرض العدو وأن تبقى الجبهة الداخلية الإسرائيلية آمنة، وأن حرب يوليو جاءت لتثبت عقم هذه التجربة بعد انكشاف الجبهة الإسرائيلية ووصول صواريخ المقاومة إلى مناطق الداخل الإسرائيلي.

وهذا ما أضعف استراتيجيات العدو إلى حد كبير، أضف إلى ذلك أن المنظومة العسكرية للجيش الإسرائيلي كلها اهتزت سواء على مستوى الأسلحة البرية أم الجوية أم البحرية، وقد كان سلاح البر المتمثل بالميركافا فخر الصناعة الإسرائيلية ورمز تفوقهم أول ما تداعى وانقلبت بعدها نظريات القتال الجوي التي يحملونها بعد أن فشلت في حسم المعركة منذ بدايتها ما اضطر العدو إلى زج جنوده وآلياته في معارك برية فشلت هي الأخرى في تحقيق أهدافها وأدت بعد انتهاء الحرب إلى إقالة قياديين إسرائيليين وإعادة هيكلة الجيش الإسرائيلي وإعادة النظر بكافة الخطط العسكرية والنظريات الإستراتيجية.

وقال رحال إنه «على المستوى السياسي فقد أصاب الضعف والوهن القيادة السياسية الإسرائيلية في ظل غياب الأحزاب الحيوية التي تحمل رؤى مستقبلية والقادرة على حماية شعبها، فقد أنتجت حرب تموز واقعا جديدا تمثل بفقدان الثقة بين القيادة والشعب في إسرائيل» وقد عبر عن هذه الظاهرة رغبة الكثيرين بالهجرة والانتقادات العامة لأداء القيادة الإسرائيلية خلال الحرب.

إضافة إلى الجدل الذي أعقب الحرب حول أولوية تحصين البنى المدنية من ملاجئ وغيرها أو تدعيم وتعزيز قدرات الجيش بشكل عال، ما ولد حالة من الاستياء لدى المدنيين الإسرائيليين الذين شعروا بأن خطط تقوية الجيش ستأتي على حساب التفريط بأمنهم ومستقبلهم ووجودهم، مشيرا إلى أن للحرب انعكاساتها أيضا على المستوى الثقافي والاجتماعي الإسرائيلي إذ تغيرت صورة الإسرائيلي سواء كان جنديا أم مدنيا إلى نفسه بعد أن هزمه الآخر العربي في الحرب وهو الذي اعتاد أن يهزم الجيوش العربية.

أضاف رحال أن الحرب على المستويين العربي والمحلي أعادت الاعتبار للإنسان العربي القادر على التعامل مع منظومة معقدة وأن يكون جزءا منها. وأضاف أن «الحرب أنتجت صورة جديدة للإنسان العربي الذي لا يقل قدرة ولا كفاءة عن الآخر الغربي الذي يعيش غرور العجرفة لكونه فقط من أصل أو لون أو عرق مختلف.

أما على الصعيد الداخلي فقد كان من أهم نتائج حرب يوليو تأكيد قدرة الردع لدى لبنان الذي يملك ذراعا طويلة جدا تتمثل بالمقاومة المنسجمة مع الجيش وبقية مؤسسات الدولة، وقد تبين أيضا أننا في لبنان لا نستطيع أن نكون موجودين على حدود مع عدو يهدد ويتوعد كل يوم دون هذه القوة الرادعة الموجودة والتي يحتاجها لبنان».

وشدد على أهمية دعم المقاومة في وجه المشاريع الإسرائيلية لأنه يرى «لبنان غير قادر على مواجهة أطماع إسرائيل الكثيرة في حال قررت مثلا تحويل لبنان إلى مستعمرة تابعة لها، وعندها لن يحمينا المجتمع الدولي ولا الدعم الخارجي بل قدراتنا الذاتية وتحصيننا لمجتمعنا».

نائب الجنوب في كتلة حركة أمل عبدالمجيد صالح اعتبر أنه بمجرد ارتفاع عدد الراغبين بالهجرة من الإسرائيليين بعد الحرب إلى 20 في المئة هذا أكبر دليل على اهتزاز وعدم استقرار المجتمع الإسرائيلي، وقال إن «التداعيات التي أحاطت بالحرب أظهرت إخفاق الإسرائيليين على مستوى تصفية المقاومة وتحقيق أي انتصار في تلك الحرب نتيجة اختلاف طرق المواجهة العسكرية ووقوع إسرائيل في إرباك لغياب التنسيق بين الأذرع العسكرية البرية والجوية والبحرية لديها». وقال: «إذا ما قرأنا بتأن نتائج العدوان فإننا أمام تجربة قد تشكل نموذجا مستقبليا لكثير من حركات التحرر والأنظمة التي لا تزال على عداء مع إسرائيل».

وأضاف صالح أن إسرائيل «أدركت منذ الأسبوع الأول للعدوان أنها ستفشل في تحقيق أهدافها وأن قوة المقاومة ومنعتها ستحول دون إعطائها شرف التفوق على المجاهدين، إلا أنها وتحت الضغط والإملاءات الأميركية واصلت عدوانها وتكبدت الهزيمة المدوية»، واعتبر أن الانقسام الذي برز منذ أيام العدوان الأولى على مستوى الرأي العام اللبناني كان نتيجة رهان البعض على انتصار إسرائيل في حربها على المقاومة أما على المستوى السياسي فإن الأزمة التي تمر بها البلاد هي وجه من وجوه الانقسام حول الحرب الماضية حيث يراهن الفريق الآخر على مصداقية أميركا بدل المراهنة على الوفاق الداخلي.

وقال إنه بعد سنة على العدوان نحن كقيادات مقاومة وشعب ومجاهدين لا نأمن شر إسرائيل ونعتقد أنها تسعى للثأر من المقاومة والجبهة التي ساندتها، فإسرائيل لم تستوعب الإخفاق الذي منيت به وستسعى بكل إمكانياتها لضرب قوة لبنان المتمثلة بمقاومته وجماهيرها المتمسكين بحقهم وأرضهم.

بيروت ـ ثناء عطوي