بعد عام على تعزيز «جيش السلام»، كيف توصف علاقات أهل الجنوب بـ 13 ألف جندي ضمن قوات الطوارئ الدولية (يونيفيل)؟
الصورة تبدو مركّبة، فهناك تفاعل ودي جداً مع البعض، وحذر مع البعض الآخر.
الحياة تُعاش هنا إلى جانب أوروبا وإفريقيا وآسيا، كما فلسطين المحتلة.
تلوّن «العسكرة الأممية» عيون صبيان وبنات تلمع أمام جمال أوروبي ومتوسطي. خلال عقود مضت، تكللت حكايات مماثلة بأكثر من ستين زيجة. عقد القران الأول، منذ عام، احتفل به في جديدة مرجعيون مؤخراً. جنوبية حفظت سر الزواج بإسباني.
عام على تعزيز «اليونيفيل»، و29 عاماً تمهر تاريخاً من تعايش الجنوبيين مع غانيين ونرويجيين وهنود وإيرلنديين، والآن المزيد من الفرنسيين والإيطاليين، ومعهم مستجدون ماليزيون وقطريون وإسبان، إلى آخر اللائحة الدولية.
خصوصيات قومية وعسكرية غير موحدة بين الكتائب. تفاوت القدرة الشرائية بين الأوروبيين وبين نظرائهم الآسيويين أو الأفارقة. دلالات في اليوميات، كما بخلفية السياسة، والاقتصاد المناطقي، والمشهد الطوائفي في الجنوب الطالع من تحت ركام الحرب الأخيرة.
استهداف هؤلاء «الآتين من بعيد» (الدورية الإسبانية) بعملية تفجير في 24 يونيو الماضي يغير خريطة تحركات قوات الطوارئ، ومعهم الأهالي، واضعاً الإجراءات الأمنية المتزايدة في ميزان العلاقة بأهل الدار. فهم «شباب صغار يا حرام ما ذنبهم؟»، بشهادة جنوبيين متعاطفين. وهم أيضاً الآخر الإشكالي، الذي يلزمه الوقت والخبرة الميدانية لفهم مكانه الجديد، ولإجادة الأساليب الفضلى في التعاطي مع ناسه.
فمنهم من لا يستغني عن الكاميرا، يصوّر كيفما اتفق، مثيراً توجسات المحليين. ومنهم من وضّب أمتعته في مركزه السابق، في أفغانستان أو مناطق الصراع الساخنة في إفريقيا، قبل أن يتوجه إلى جنوب لبنان جالباً معه ربما أفكاراً مسبقة، أو تقاليد تفاعل مع محيط مختلف تماماً.
هكذا، يحصل أن يخطئ الدوليون الجدد أو يصيبوا في تقديم أنفسهم. هكذا تتفاوت صورهم لدى اللبنانيين على ميزان اختبار تجريبي، كان قد بدأ يستقر، لولا الجو الأمني الذي يحيط بعناصر الطوارئ حالياً، وتختلط في إطاره السلوكيات: الناس الميالون غالباً إلى التفهم من جهة، والجنود الواعون بشدة إلى تأثير مظهرهم المدجج بالخوذ والدروع الواقية من الرصاص، على صِلاتهم بمجتمع صديق من جهة أخرى.
وإذ يتجلى الحرص على هذه الصداقة من خلال مشاريع مدنية، إنمائية وطبية وتعليمية متنوعة، ترصد لها ميزانيات ضخمة، وتتفاوت أحجامها ونتائجها بين الكتائب المختلفة، فإن بيضة القبان تبقى في كفّة التفاهم والتنسيق الدائم مع السلطات المحلية، كرؤساء البلديات والمخاتير، ومع القوى الأساسية في الجنوب، خصوصاً حزب الله.
ربما تصنّف دولة مشاركة في اليونيفيل الحزب عدواً أو إرهابياً. لكن ميول الطبقة السياسية، هناك، تبقى خارج حسابات قيادات قواتها هنا. تدرك هذه القيادات أن حزب الله في الجنوب هو أكثر من سلاح، وأنه يتمدد كياناً سياسياً واجتماعياً وثقافياً.
رحلة في الجنوب، ترسم دروبها تضاريس علاقات أبناء المناطق المختلفة مع قوات اليونيفيل منذ عدوان 2006.
وساوس كاميرا تغرق بلدة الخيام في زحمة ساحتها وغبار ورشة إعادة الإعمار. التواجد الأساسي هنا هو للقوات الإسبانية، دوريات وتفقد ومرور مجدوَل. يبدو النبض اتجاه هؤلاء الجنود أقرب إلى المفارقة إذا ما قورن مع إبل السقي، حيث يزخر شارع بأكمله باللافتات الأليفة تعلو مطاعم وحانات ومتاجر من نوع: «أميغو»، و«بول أوفر سناك».
مسافة الحذر من الإسبان سمة خيامية، حيث غالبية شيعية، وإن لمس الزائر تغيراً ما في المزاج بأثر من الانفجار الذي استهدف الدورية الإسبانية على تخوم البلدة. أما في إبل السقي الدرزية المسيحية، والتي لا تبعد عن جارتها أكثر من دقائق بالسيارة، فيزدهر التفاعل الاقتصادي بل والاجتماعي الحميم.
هو النسق اللبناني المعهود والذي سيتكرر كثيراً في سياق جولة جنوبية: الطوائف عناوين السياسة، والسياسة إطار لليومي، ولو في أقوال الشارع الذي لا يختلف كثيراً، سوى في بساطة التعبير عن الخطاب الرسمي للطبقة السياسية اللبنانية المشروخة.
ويشير مراقبون إلى أن القوات الدولية لم تغير من أسلوبها في الدوريات الراجلة في الخيام، ما يفسره الأهالي على أنه إشارة على اطمئنان ما إلى المحيط. وهذه الإشارة، مضافة إلى حالة من التعاطف، لا أحد يجزم إن كانت ستدوم، إزاء الشهداء الأسبان الستة.
ويؤكد المختار أحمد حسان على أن أهل البلدة لا مشاكل لديهم مع أحد، ويقول إن «الإسبان يعطوننا دائماً الانطباع بتواجدهم الأمني أكثر من أي شيء آخر.. دائماً يطرحون الأسئلة: وين في مراكز لحزب الله؟ وين في مقاومين؟ نراهم كثيراً وفي أيديهم كاميرات، يصورون البيوت. لماذا كل هذا التصوير؟».
ويضيف انه في مرة طرقوا باب منزل الساعة الواحدة فجراً، بحجة أنهم ضلوا طريقهم ويريدون الاستدلال إلى وجهتهم. يصعب تصديق ذلك، فللدوريات وجهات مرور معروفة وقد سلكوها مراراً من قبل.
يحكي عباس عطوي عن بيته الذي يعمل على ترميمه، حيث حفر حفرة عميقة لتركيب خزان مياه: (فجأة جاء أحدهم ومعه كاميرا وبدأ يصوّر، بل فتح الشادر الذي نضع فيه عدّة الشغل ونرتاح أحياناً بداخله. ركض ولدان كانا هناك لاستدعائي، ولم أستطع أن أفهم ماذا يفعل الرجل، أو حتى أن أثنيه عن التصوير.
قصدت رئيس البلدية شاكياً، فقال إنهم ربما شكّوا في وجود أسلحة أو نية لتنفيذ نفق. تسري الأخبار عن تعميم قيادة اليونيفيل على جنودها ضرورة الامتناع عن التصوير لأي سبب، ولو كان سياحياً. إنما، في مثل هذا السياق، لا تعود المسألة في الأعمال بنيّات الجنود الدوليين، بل في انعكاس تصرفاتهم على مرآة المزاج العام في بلدة مثل الخيام.
في هذه الأثناء، مطاعم إبل السقي، التي يتسيّد زينتها العلم الإسباني موقّعاً بأقلام جنوده، تشكو الخواء. ملصق «أحب الحياة» على زجاج المحل لقطة جنوبية نادرة. «بالأمس أطلق صاروخ، لن ترى أحداً هنا اليوم»، يقول فيصل الغبار الذي يمتلك مطعماً.
ويقول حسن الغبار بدوره أن معظم هذه المحلات كانت مقفلة منذ رحيل القوات النرويجية قبل حوالي تسعة أعوام، لكن مجيء القوات الإسبانية بعد حرب يوليو أنعش العمل. صحيح أن الكتيبة الهندية ظلت هنا، «لكن هؤلاء فقراء، مثلنا مثلهم الله يساعد، لا يسهرون ولا يشترون، وإن كانوا يحرصون على تدعيم صِلاتهم بالأهالي من خلال دورات ميكانيك ويوغا، ومن خلال المستوصف».
أما الإسبان، الذين عبّدوا الطريق من بنت جبيل إلى إبل السقي، وشرعوا في تنظيم حصص لتعليم لغتهم، فهم «الرواتب باليورو». يسهرون، أفراداً وضباطا، يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع. يناسبهم توافر الكحول في إبل السقي.
ويقول فيصل إن «الإسباني يشبه اللبناني، يحب المرح ويدفع الحساب عن أصحابه، وهو أيضاً خدوم، لقد تدبر لي ضابط صديقي عيدان فحص السكري لأمي المريضة، وعرض علي إدخالها إلى مستشفى المعسكر إذا اقتضى الأمر». يقول فيصل إنه يسمع من الإسبان مراراً عن رغبتهم في توظيف أشخاص من الطوائف كافة: «أقول دائماً للشباب أصدقائي من الخيام أن اشتغلوا معهم واستفيدوا منهم، شو بدكم بالسياسة؟ لكن عبثاً».
في شبعا وحدها أربع زيجات من النرويجيين الذين رحلت قواتهم منذ سنوات لتستقر مكانها الكتيبة الهندية. توقفت عن الكرّ سبحة قصص الحب، تماماً كما الدورة الاقتصادية التي باتت تعتمد على مواسم عودة المغتربين والسياح، أكثر من الأجانب المقيمين.
تاريخياً، كانت قوات اليونيفيل المتواجدة في قرية كوكبا مؤلفة من النيباليين والغانيين وأيضاً النرويجيون «الذين مكثوا لسنوات وكانت فترة ازدهار وأمن مضبوط» كما يقول المختار كامل القلعاني.
الكتيبة الهندية في كوكبا منذ العام 1999، أضيفت إليها في فبراير الماضي كتيبة ماليزية صغيرة (حوالي 500 جندي) تحدد نطاق عملها القوات الإسبانية.
يختصر المختار قلعاني توصيفه للماليزيين بـ «المهذبين، لا يختلطون كثيراً بالناس ولا يدخلون إلى المحلات، مسلمون، لا يشربون الكحول ويحرصون على شراء الأطعمة الحلال، دورياتهم متواصلة، وقد ركّبوا أجهزة تكييف في الكنيسة وخزانات مياه ساخنة في مدرسة القرية».
السياحة المنيعة
وتبدو استراحة صور للداخل من بوابتها الخارجية قلعة استرخاء وعمل على حد سواء. يفصل موقف سيارات، مزنر بالشجيرات ومخططة أرضه بعناية، بين المدخل المنيع وبين شاطئ البحر. هنا يجاور كسل الأجساد النحاسية المستلقية على الرمل حيوية العاملين ضمن فريق المراقبة التابع لليونيفيل، والذي يشغل شاليهات صغيرة معدة لعطل نهاية الأسبوع.
ويشرح مدير عام الاستراحة على خليفة الإجراءات الأمنية المستجدة على الفندق الذي ارتفع عدد زبائنه من بعد الحرب إلى ثلاثة أضعاف، ويكمل العد على أصابع الكف: جهاز كشف المتفجرات، كاميرات بالأشعة ما تحت الحمراء للتصوير في الظلام، ومساحة ستقتطع من موقف السيارات وتؤجّر أرضاً لبيت جاهز سيصبح مستوصفاً للحالات الطارئة، ولا تنقص التنفيذ سوى اللمسات الأخيرة للمسؤول المالي في اليونيفيل.
وإدارة الاستراحة بدورها مرتاحة إلى سير العمل: ضباط دوليون ضيوف، مؤتمرات، بعض السياح،... لكن الشغل الحق يدور بنسبة 80 في المئة في فلك إجازات عسكر اليونيفيل الذين يأتون للسباحة، بالإضافة إلى المكاتب التي تؤجر لفرق عملهم. «قبل حرب يوليو كان روادنا من اليونيفيل محدودين، بعض الفرنسيين والغانيين، وقلة من الهولنديين والإيرلنديين. الآن يتدفق علينا الإيطاليون والفرنسيون، وأحياناً الكوريون، بالإضافة إلى القطريين»، بحسب خليفة.
إذن، في صور، غير البعيدة من مركز القيادة العامة لليونيفيل في منطقة الناقورة تصب الاحتياطات الأمنية في مصلحة السياحة المسيجة بسور ومدخل وكاميرا. أما الشاطئ العمومي، بخيمه ومطاعمه، فإذا قدّر له الآن أن يكون وجهة لليونيفيل ودوائر قواتها، فإنه يرضى بنصيبه من الجمعيات والمؤسسات المدنية والإنسانية أو الفرق العاملة على مشروع الألغام الخ.. من دون العسكر والضباط ورواتب اليورو التي كانت، قبل عبوة الخيام، تعمم الخيرات على الجميع..
غير أن المدينة تشهد بشكل عام طفرة اقتصادية مدهشة، تسببت في مضاعفة إيجارات وأسعار الشقق.
القطريون الأكثر تآلفاً
والقطريون؟ «هم أكثر تآلفاً مع الناس بسبب اللغة والدين المشتركين، والحق يقال أنهم غيروا فكرتنا عن الخليجيين عموماً» يقول أحد الجنوبيين. ويضيف: «هؤلاء يحبون التعرف إلى من حولهم، لكنهم لا يخرجون وحدهم، ولا يرتادون السهرات التي ظننّا».
جنوب لبنان ـ رشا الأطرش
