نفى وزير الداخلية الأردني الأسبق سمير حباشنة في حوار مع «البيان» أن تكون الأزمة بين الحكومات الأردنية وحركة «الإخوان المسلمين» تتصل بالعملية الانتخابية وبحق الحركة في العمل داخل الساحة الأردنية، مؤكداً أن جوهر الخلاف يتصل بنهج الإخوان المتشدد وطريقة ممارستهم للسياسة لافتاً إلى أن الجبهة خرجت عن اعتدالها الذي كانت عليه قبل التسعينات من القرن الماضي، معتبرا أن المواجهة ستكون قريبة لكنه رفض الاجتثاث.

ويتزامن الحوار مع الحباشنة الذي خاض عندما كان وزيرا للداخلية أزمة مشابهة لتلك الحالية بين رئيس الوزراء الأردني معروف البخيت والحركة الإسلامية على خلفية انسحابها من الانتخابات البلدية نهاية الشهر الماضي، وكان الإخوان هاجموا الحباشنة قبل عامين على خلفية الانتخابات النقابية.

وفي ما يلي نص الحوار: ـ كثير من السياسيين شبه الأزمة بين الحكومة وجماعة الإخوان المسلمين بالأزمة التي مرت قبل نحو العامين إبان تسلمك وزارة الداخلية واشتعلت وقتها أزمة بين الوزارة والنقابات المهنية.

فهل تعتقد أن المقارنة صحيحة؟ـ بالفعل، فلم تكن الأزمة في السابق مع انتخابات النقابات المهنية بل مع ذات النهج وعندما تركت الحكومة قلت في محاضرة ان المواجهة مع قوى التشدد تؤجل ولا تلغى وهي حتمية، لسبب في أي كينونة اجتماعية يمكن ان نعيش معا على اختلاف عقائدنا إذا قبل كل منا بالآخر ولكن ما يجري ان هناك اتجاهاً متشدداً داخل الحركة ينمو وهو اتجاه لا يقبل الشراكة في العيش والأفكار ولا يقبل تبادل المسؤولية ان جاز التعبير.

الحركة الإسلامية كانت جزءاً من النسيج العام في الحياة السياسية الأردنية ولكن لا شك ان عقد التسعينات شهد ظهور افكار متشددة في هذه الحركة وأؤكد ان هذا التشدد يسيطر على هذه الحركة الآن. وعندما وقعت الازمة بين الداخلية والنقابات سابقا قيل كلام كثير منه اني اؤزم، اني اريد فتح معارك جديدة في البلد..

وقلت حينها اني لا اريد فعل ذلك فالنقابات هي نقاباتنا، والإسلام إسلامنا ولكن من يحاول تجييش هذه المؤسسات الوطنية من جهة والإسلام من جهة أخرى لصالحه ويستقي بها على الدول يجب مواجهته. وكما قلت المواجهة لا تلغى ولكن تؤجل. ـ كيف يمكن الخروج من هذه الازمة برأيك، في ظل عدم صلاحيات التأجيل أو المقايضات السياسية التي كانت تجري سابقا؟

ـ لم تكن تقع المقايضات، ولكن النظام الأردني السياسي والعائلة الهاشمية التي تشكلنا مرجعية وتقف على رأس الهرم الأردني، تتسم بالتسامح فحتى لا تذهب الأمور إلى الأمام يصدر رأي من جلالة الملك انه يجب إعطاء أبنائنا فرصة، لكون الملك مرجعية لكافة الأردنيين. وللأسف بعض قوى التشدد تفهم هذا التسامح ضعفاً وهناك فرق كبير بين النظام المتسامح والنظام القوي.

أنا أقول انه لا يجوز ان يكون هناك تراجع ولكن ليس على أساس اجتثاث الحركة الإسلامية فهذا الأمر غير مطلوب، بل نريد ان نرى الحركة الإسلامية التي كانت قبل التسعينات، وانا هنا لا أتحدث عن شروط بل عن سلوكيات ومؤسسات يجب ان تطل عليها الدولة، لا يجوز ان نكون دولة داخل دولة، وأريد ان اذكر انه إذا ما قوي حزب ما إلى درجة ما فإنه يمكن ان يصل بقوته إلى درجة إعلان الحرب نيابة عن دولة ما والشاهد على ذلك لبنان.

ـ الكثيرون يرون ان الحياة الحزبية في الأردن فارغة، وهناك حديث عن تشكيل تيار وطني واسع من رؤساء حكومات ومسؤولين سابقين في الدولة فهل انت ضمن هذا التيار وما هو رأيك فيه؟

ـ أرى ان الحزب السياسي كينونة ومخلوق اجتماعي كما كل المخلوقات النابضة، والحزب يمكن ان يكون كينونة اجتماعية نابضة ويمكن ان يكون كما الحجر. الحزب حاجة موضوعية لا تأتي وفق بناء فوق، بل هو حاجة معينة وفي لحظة معينة يخرج.

وانا لا اعتقد ان اللحظة التاريخية أو اللحظة الحرجة قد تولدت بعد، ومع محبتي للإخوة وجهودهم فهي محاولة تتكرر قبل كل انتخابات وأنا ارصدها قبل كل انتخابات، قبل انتخابات 1993 وقبل انتخابات 1997، وقبل انتخابات 2003 وهذه الانتخابات المقبلة.

حيث تتحرك بعض الشخصيات حيث جزء منها يعمل برؤية قصيرة، عينه على الانتخابات وآخرون لديهم نوايا حسنة، ولكن تجربة امتطاء صهوة الحزب السياسي أو التيار الوطني كما يقال الآن، لغايات قصيرة واستخدام شعارات كبرى لغايات صغرى وانا لا اتهم الناس ولكن هناك من يرى ذلك.

لا يوجد في الدنيا تيار يمكن ان يأتي ردة فعل على تيار آخر، كأن يقال ان جبهة العمل الإسلامي تأخذ واجهة واسعة في العمل الحزبي الأردني فتعالوا نؤسس حزبا لمواجهة الإسلاميين. هذا كلام فيه عقم سياسي لا ينجب مخلوقا قابلا للحياة، بان تقول أريد ان اعمل حزبا سياسيا لمواجهة الإسلاميين.

ثانيا انا أرجو الا تُقحم مؤسسة العرش بنشاطاتنا اليومية، فالعائلة المالكة للجميع وكل واحد فينا له حصة فيها مهما اختلف تياره. فلا يجوز ان أقول ان حزبي متكئ على مؤسسة العرش فكلنا كذلك.

ومؤسسة العرش معنية بحزب جبهة العمل الإسلامي والقوميين والشيوعيين والوطنيين، ومرد الاستقرار والأمن في بلدنا ان لدينا مرجعية. وأقول ذلك لأني سمعت البعض يقول ان هناك توجيهاً ملكياً لإنشاء هذا الحزب أو ذاك.. وهذا الكلام لا يجوز ان يقال إطلاقا فمؤسسة العرش مصانة في الدستور ويجب ان تبقى منزهة.

ـ لكن الكل متفق ان هناك أزمة بين المواطنين والأحزاب؟

ـ الحزب كما قلت حاجة موضوعية، والناس يضعون في العادة مقارنة في هذا الموضوع غير منصفة ففي فترة الخمسينات كانت هناك عناوين كبرى. فالإنسان العربي يعتقد انه على قاب قوسين أو أدنى من الوحدة، وان تحرير فلسطين أصبح على الأبواب. أما الآن فالمفاهيم أصبحت أكثر واقعية. بمعنى أصبحنا ندرك ان العناوين الكبرى ليست وشيكة الوقوع، وانها بحاجة إلى مزيد من العمل.

والمواطن من جهة أخرى يريد دعوة جاذبة وبراقة للانتساب إلى الحزب، وانا هنا أؤكد أنه إذا ما تمكن أي تيار أو جهة من وضع نبض المواطن واحتياجاته ونتسم بسجل نظيف هنا يمكن الحديث عن انتساب المواطنين إلى الأحزاب. وهي عوامل متشابكة. رغم ذلك فالدولة عليها واجب أيضاً.

وعليها دفع الأحزاب إلى حالة التيارات وليس كما هي عليه الأمور من تشرذم وتشتت. خصوصا وان الساحة الأردنية تضم تيارات إسلامية، ووطنية، وعروبية، ويسارية. اما اليوم ففي الساحة أحزاب قومية عدة وأحزاب يسارية وأخرى قومية وهكذا.. وهذا أمر يفقد الحزب جديته.

فالساحة الأردنية اليوم تضم اما بازارات حزبية استعدادا للانتخابات أو أحزاباً مشتتة وتشرذما. وفي أية حال اعتقد ان ما نعانيه ليس أزمة حزبية بل أزمة عامة للعمل السياسي الحزبي، وهي تحتاج إلى دماء جديدة.

عمان ـ لقمان اسكندر