في واحد من أيام الحرب نزل علي محمد من مكان نزوح عائلته في الجبل إلى «نزهة» في المحيط. قادته النزهة وصديقه إلى الضاحية الجنوبية.

أراد الوصول إلى البيت بأي ثمن. والبيت على حدود المربع الأمني. لم يكن علي يعرف بعد إذا كان المبنى الذي يقطن فيه قد قصف. سمح له عناصر حزب الله بالذهاب صوب البيت. لكن، وفي الطريق، ارتفع هدير الطيران الحربي. دب الرعب في أوصال الصديقين وتلطيا في مدخل المبنى الأقرب إليهما. وقفا هناك قليلاً، وانتبه علي إلى غباء فكرة التلطي في مدخل مبنى، لأن الطائرات تستهدف الأبنية فقط. لم يعد هناك إلا إطلاق السيقان للرياح.. إلى السيارة، ومنها إلى الجبل.

يومها، خرج من الضاحية بالذكرى المرعبة فقط.

انتهت الحرب وعاد إلى البيت. لم يجد المبنى، ولا البيت.. لا.

لم يجد الحي برمته.

يضحك وهو يتذكر الأيام الأولى بعد الحرب. «كنت ترى كل الناس يمشون وسباباتهم أمامهم. يقول الواحد لمن معه: أنظر. هذا صالون البيت وتلك غرفة الجلوس. يبحثون عنها والغرف باتت كالصفحات المغلقة بعضها على بعض».

لم ينتظر المجتمع الآخذ بالتوسع في الضاحية نهاية الحرب الأهلية كي يبدأ بالبناء. الأبنية راحت ترتفع بكثرة في منتصف الثمانينات. المساحة الممتدة بين شارع بئر العبد وبين طريق الحارة الرئيسي شهدت فورة فعلية. تجار عقارات جنوبيون راحوا يتنافسون في البناء والبيع، وتوافدت طبقة شيعية ميسورة الحال من أهالي مغتربين وتجار وأصحاب مصالح وغيرها تنتقل إلى شقق جديدة في أبنية عالية تجاور أخرى قديمة.

فورة تزامنت مع صعود حزب الله. مسجد الإمام الرضا حيث كان العلامة محمد حسين فضل الله يصلي ويلقي خطبه، ليس بعيداً عن هذه المنطقة التي باتت منكوبة. والشارع حيث يقع المسجد ظل مقطوعاً من طرفيه لسنوات طويلة قبل ان ينتقل فضل الله إلى مسجد الحسنين.

في التسعينات امتلأت البقعة برمتها. لم يعد هناك من مساحة إلا وارتفع فيها بناء. وتركزت مؤسسات حزب الله الاجتماعية والسياسية وحتى الثقافية في هذا المحيط. لم يكن مجرد مزاح القول المألوف بين مسؤولي حزب الله ومناصريهم حين الإشارة إلى المربع الأمني: نعلم أنه سيصير ملعب كرة قدم في النهاية. هو قول أقرب إلى تنبؤ واقعي، وقد تحقق.

قبل هذا، كان محيط المربع الأمني قد أخذ طريقه كما سائر المناطق في الضاحية الجنوبية إلى الاكتفاء الذاتي. حياة بمتناول اليد من الطبيب إلى المختبر الطبي إلى أنواع السلع كافة إلى المصانع حتى. حياة كاملة أخليت في ليل الثاني عشر من يوليو، وبدأ الطيران بعدها بسحق كل شيء.

الصورة المرعبة التي كانت صباح انتهاء الحرب زالت. لكن الآن بعد سنة، تبدو الأبنية المنتصبة المتباعدة نافرة في هذه المساحة الكبيرة من الحفر العميقة المسيجة بأسوار حجرية صغيرة. عاد علي لتفقد بيته، لكن المشي هنا يبدو صعباً. بعد مجيئه للبحث عن أغراض البيت في الركام المرفوع، اتخذ الشاب قراره بأنه لن يمر مجدداً من الحي. أراد الحفاظ على شعور أخير غمره بالسعادة وراوده في لحظة شبه درامية. كان قد وجد كيس الصور الغالي وتابع البحث. فجأة وقع كفاه على مسطح خشبي. مسح الغبار عنه، فإذا به باب خزانته. رفعه. وجد كل ثيابه تحته، كما هي من دون خدش.. كانت كل ما تبقى له من حياة سابقة.

الضاحية الجنوبية ـ جهاد بزي