خرج إلياس صفير من الغيبوبة التي لفته على امتداد عام إلا قليلا، منتصرا. انتصر باستشهاده في قلب كسروان تحت جسر قدره في حرب إسرائيل على لبنان. الحرب التي لا يتردد البعض في اعتبارها مجرد دفاع إسرائيلي عن النفس ردا على خطف حزب الله لجنديين إسرائيليين، طاولت المنطقة التي كانت تظن نفسها في منأى عن «البربرية فإذا بأوصالها مع جيرانها تنقطع وإذ بها تقدم فاتورة من الضحايا والأضرار المعنوية والمادية تجعلها شريكة فاعلة في الدفاع عن الأرض والكرامة».
في كسروان، لم يغب عن الأذهان بعد مشهد المدارس الرسمية والثانويات والأديرة ومنازل كثيرة في الساحل والجبل وقد ضجت كلها بالنازحين الجنوبيين وعبارة: «بيوتنا بيوتكن» التي قابلتها بعد انتهاء الحرب عبارة: «نعجز عن شكر إخوتنا ولكننا عائدون إلى أرضنا ولو كانت بيوتنا في الجنوب مدمرة، وسنعود حتما لزيارتكم.. بالأفراح». النضال يكون في المؤازرة أيضا وفي التعاون والألفة بين.. مواطنين، قربت إسرائيل من دون أن تقصد في ما بينهم فاكتشفوا أن المسافة التي تفصلهم لم تكن بعيدة يوما.
بصورة عفوية، تجندت كسروان، بأهالها وسكاها وهيئاتها الدينية والمدنية والحزبية للمساعدة وفتحت قلوبها قبل أبواب منازلها للنازحين. في مركز القائمقامية، يروي أحد الموظفين: «ما إن اندلعت الحرب وبدأ النازحون يتوافدون إلى كسروان، حتى بدأنا نحن، الموظفون الخمسة في الإدارة، نؤمن المواد الغذائية والحاجيات المختلفة وفي دوام متواصل وما حدا راح زعلان من عنا». وما الذي دفعكم للقيام بذلك؟ يجيب: هو واجب وطني».
تشير مصادر مسؤولة في القائمقامية إلى أن التعاون كان قائما بشكل كامل مع الهيئات التربوية والحزبية والشعبية والأديرة وجمعية كاريتاس ومنظمة الأمم المتحدة والبلديات التي تكفلت بنقل المياه مثلا على حسابها الخاص، بالإضافة إلى مؤسسات تجارية عديدة قدمت ما استطاعت تقديمه من ألأصناف التي تبيعها مثل الأحذية والثياب وغيرها». ووفق أرقام القائمقامية، فإن مجموع النازحين إلى كسروان، ساحلا وجبلا، بلغ منذ بداية الحرب ولغاية 12 أغسطس 2006، ما يعادل 23 ألف نازح وفدوا من مختلف قرى الجنوب والضاحية الجنوبية والناعمة.
بلغ عدد النازحين في الساحل والوسط الكسرواني، في دير المخلص في جعيتا ومنازلها، نحو 355 نازحا ليصل في مدرسة حارة صخر الرسمية ومنازلها إلى 431 و592 في ثانوية غادير ومنازلها وفي الملتقى الثقافي. وصعودا نحو عشقوت، سجل عدد النازحين ما بين المدرسة الرسمية ودير الفرانسيسكان ودير أم النور ومنازل البلدة، 1548 نازحاً.
وبلغ عدد النازحين في عجلتون 1014 ما بين المدرسة المهنية والثانوية ودير مار يوسف ومنازل البلدة. واستضافت فيطرون في منازلها 712 نازحا في حين استقبلت ميروبا ما بين منازلها ومدرستها الرسمية 1100 نازحا. ويقول أمين السر في الرهبنة اللبنانية الأب كلود ندرة: «فتحنا أديرتنا في كل المناطق وقدمنا الدعم المادي والعيني لجميع النازحين في كسروان والذين أتوا تحديدا من قرى الشريط الحدودي».
ويشرح المسؤول في التيار الوطني الحر لواء شكور أنه في اليوم الأول لاندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان، عقد التيار الوطني الحر اجتماعا سريعا وشكل إثره غرفة عمليات وهيئة طوارئ أوكلت مهمة تأمين المسكن والمأكل للنازحين فسارعت بالعمل فورا بالتنسيق مع الإكليروس وهيئات المجتمع المدني لفتح المدارس بالإضافة إلى منازل تخص مناصري التيار.
وقدمت «القوات اللبنانية» أيضا المساعدات للنازحين، ويقول مصدر مسؤول فيها إن القوات سعت إلى فتح المدارس وتقديم المواد الغذائية والطبابة والعمل على إشعار الأهالي أنهم ما زالوا في بيوتهم وليسوا غرباء.
تنشر «البيان» هذه الصفحة بترتيب خاص مع «السفير» اللبنانية
حصة كسروان من العدوان
قد يكون من المبالغة القول إن الرابع من أغسطس 2006، تاريخ قصف الجسور في غزير والكازينو والفيدار، شكل تاريخا مفصليا في العلاقة البنيوية والاجتماعية بين الأهالي في الجنوب وبين المدخل الشمالي لبيروت العاصمة، ولكنه حتما كان محطة بارزة في تاريخ التقارب بين «مجتمعين» والتآزر بين المختلفين إلى حد الخلاف في السياسة.
ولكنه أيضا اليوم الذي قدمت خلاله كسروان «الفلس» في ضريبة الدفاع عن لبنان.استمرت معاناة عابري جسري غزير وكازينو لبنان قرابة ثمانية أشهر، ريثما انتهت عملية التأهيل التي تكفلت بها مؤسسة جورج إفرام فاوندايشن لجسر غزير وشركة كازينو لبنان للجسر الثاني. ومن بين عشرات الجرحى الذين تفاوتت إصاباتهم، كان الأبرز هو الياس صفير (70 سنة) الذي دخل في الغيبوبة منذ «يوم الجسور» واستشهد متأثراً بجراحه قبل نحو أسبوعين.
