يمكن اعتبار منطقة البقاع من أكثر المناطق تضرراً من جرّاء عدوان تموز على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، إذ ضربت البنية التحتية للقطاعات الإنتاجية فيها بشكل كامل. وتشير وثائق دائرة العمل في البقاع إلى خسارة أكثر من 2216 عاملاً لوظائفهم بسبب تدمير المقاتلات الإسرائيلية للمعامل البقاعية خلال حرب يوليو 2006.
وتشمل هذه الأرقام العمال الثابتين والمسجّلين ضمن لوائح العمل وفي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فيما تتجاوز أعداد العمّال الذين خسروا موارد عيشهم الفعلية هذا الحد، نظراً للعمالة غير المسجّلة، فيصل الرقم إلى حوالي خمسة آلاف عامل.
وتدلّ الإحصائيات الأخيرة لوزارة العمل اللبنانية على أن القطاع الصناعي خسر في العام 2006 أكثر من391 مؤسسة صناعية تحوّلت من مؤسسة خاضعة لقانون العمل إلى مؤسسة عائلية يديرها أصحابها فقط، وذلك نتيجة العجز عن تحمّل كلفة التوظيف. وتحذّر دوائر العمل من أن هذا الرقم يتصاعد، ما يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في أعداد العاطلين عن العمل.
بالإضافة إلى ذلك، تم صرف حوالي 90 في المئة من العمال الموسميين في القطاع السياحي في البقاع، بحسب الأرقام التي أمّنتها غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع. وفي القطاع الزراعي، فقد آلاف العمال وظائفهم نتيجة الأضرار التي لحقت بهذا القطاع وبالتربية الحيوانية.
وفي ظل غياب الأرقام الرسمية، تشير بعض الإحصائيات إلى فقدان حوالي خمسة عشر ألف عامل لوظائفهم بعد الحرب الإسرائيلية، فضلاً عن عدم تأمين فرص عمل للوافدين إلى السوق أو الباحثين عن عمل منذ مرحلة ما قبل الحرب.
ويشير رئيس لجنة قضايا المناطق وشؤون الزراعة في المجلس الاقتصادي والاجتماعي محيي الدين الجمال إلى أن المنطقة تعتمد بشكل أساسي على الزراعة التي تشكل مصدر دخلها الأساسي، ثم تأتي الوظائف في القطاعات المختلفة لتشكل المصدر الثاني للإنتاج الأهلي.
وأدّى توقف المؤسسات عن العمل خلال فترة الحرب وما بعدها إلى ارتفاع نسبة البطالة بشكل كبير، ما انعكس سلباً على القطاعات الإنتاجية المختلفة، نظراً لتراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين. أما مصدر الدخل الثالث في المنطقة فهو القطاع التجاري، علماً أن الدورة التجارية تحتاج إلى مصدر دخل للعمال من جهة، والى إنتاج زراعي يؤمن قدرة شرائية للعائلات في القرى من جهة أخرى.
بناء على ما تقدّم، تغرق الدورة الاقتصادية منذ يوليو 2006 في أزمة كبيرة نتيجة ارتفاع معدلات البطالة وخسارة المواسم الزراعية. ويهدد استمرار الأوضاع على حاله باستكمال دائرة الأزمة الاقتصادية في البقاع ومناطق الأطراف، وهي أزمةٌ أحكمت حتى الآن قبضتها بنسبة 75 في المئة على المجتمع البقاعي، بحسب الجمال.
نيران القصف والدَيون
يحمل نضال صلح (41 سنة) شهادة ميكانيك صناعي، وهو أب لصبي وفتاة تقدما لامتحان الشهادة المتوسطة في هذا العام. بدأ نضال العمل في مصنع «ليبان ليه» في العام 2002، وانتسب إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في بداية العام 2003.
سمح تثبيت نضال في العمل له بالحصول على قرض مصرفي وأمل من خلاله بتحسين وضعه المعيشي. ومع بدء الحرب، استدان نضال مبلغاً من المال احتاجه لتأمين نقل العائلة إلى مكان آمن، بعيداً عن نيران القصف الإسرائيلي. وفي منتصف يوليو 2006 وبعد مرور ثلاثة أيام على بدء الحرب الإسرائيلية فقد عمله بعدما دمرت الاعتداءات جزءاً كبيراً من المصنع.
قابل نجاة نضال وعائلته من نيران الاعتداءات سقوطهم تحت نيران الديون المتراكمة والأعباء المتزايدة، في الوقت الذي خسر فيه مصدر دخله الوحيد بعد صرفه من العمل من دون تعويض. لا ينوي نضال ترك البلد والهجرة حتى اللحظة، وهو يبحث عن عمل جديد شأنه شأن آلاف المواطنين في البقاع ممن فقدوا عملهم خلال الحرب وبعدها، أو ممن هم أساساً عاطلون عن العمل.
يقول نضال: «إذا كانت المؤسسات الصناعية وغيرها تطالب بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بها، فإن العمال الذين تعرضوا للصرف خلال الحرب وبعدها يبقون عرضة لأوضاع اقتصادية واجتماعية خانقة مع غياب التعويض ومصادر الدخل».
يشير الجمال إلى أن حوالي خمسة آلاف عامل فقدوا عملهم نتيجة تدمير سبعة مصانع كبرى، بالإضافة إلى ارتفاع نسب البطالة نتيجة إقفال بعض المصانع الصغرى والورش بعد الحرب، نتيجة الأزمة الاقتصادية.
فصحيح أن النسبة الأكبر من البطالة تأتي من تدمير المصانع والقطاع الزراعي، لكن الدمار أثر أيضاً على المؤسسات التجارية التي انخفض حجم إنتاجها، ما دفعها إلى صرف عدد من عمالها، بحسب الجمال الذي يشير إلى أن إجمالي العمّال الذين فقدوا وظائفهم منذ يوليو 2006 بلغ حوالي 15 ألف عامل.
وتعود مسببات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البقاع إلى حرب يوليو في جزء منها، لكن أيضاً إلى السياسات المتبعة في مرحلة ما بعد الحرب، وخصوصاً استكمال ضرب مقومات القطاع الزراعي، بحسب الجمال. هو يعتبر أن «الحرب على الاستقرار الاجتماعي وعلى الوضع الاقتصادي في مناطق الأرياف بدأت منذ 30 سنة وهي مستمرة حتى اليوم، في حين أن حرب تموز لم تدم أكثر من 33 يوماً فقط».
يرى الجمال أن الاستقرار الاجتماعي ووقف الهجرة لن يتحققا إلا عبر دعم هذه المناطق وتنميتها: «وبدلاً من ذلك، تستمر الدولة ووزارة الاقتصاد باستهداف المزارعين في سياساتها. مثلاً، تمكّن مزارعو الشمندر السكري من تأمين سيولة مالية تساعدهم على استثمار أراضيهم خلال العام، عن طريق الاستدانة من المصارف بكفالة اتفاقية الشمندر.
وعلى الرغم من ذلك، نفّذت الدولة هجمة على زراعة الشمندر، تحت ذريعة اتفاقية التجارة الحرة، علماً أن الزراعة بشكل عام مدعومة في العديد من الدول، حتى في الولايات المتحدة وأوروبا.. وفي تركيا مثلاً، هناك دعم للتصدير بنسبة 70 في المئة».
يخلص الجمال إلى أن مجموعة من العوامل نشأت خلال الحرب وأدّت بعدها إلى ضرب القطاع الزراعي في البقاع، بدءاً من الإتيان على المواسم المنتجة في تموز ولثلاثة أشهر تليه، أي حتى أيلول.. ثم لاحقاً، عندما لم يتمكن المزارعون من دخول الدورة الزراعية نتيجة تراكم الديون والأعباء الناتجة عن خسارة مواسمهم، علماً أن أكثرية المزارعين لا يمتلكون الأراضي التي يزرعونها.
في المقابل، لم تعد شركات المنتجات الزراعية قادرة على التعامل مع المزارعين بالدين، كون هذه الشركات هي أساساً مدينة للمصارف، ولم تستطع استيفاء حقوقها من المزارعين المتضررين، الذين بدورهم يتحملون أعباء إضافية ناتجة عن استئجار الأرض وكلفة الطاقة من كهرباء ومازوت فالفوائد المتراكمة في المصارف.
شلل القطاع التجاري
بين الاستهداف المباشر خلال الحرب وبين التأثر بتداعياتها، يقع القطاع التجاري في البقاع ضمن حلقة مفرغة. تراجعت الحركة التجارية بعد الحرب نتيجة ضعف الحركة السياحية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين (المرتبطة بالبطالة، أيضاً). ما أدّى إلى تراجع مصادر دخل مئات المؤسسات والعاملين فيها.
من شتورة إلى زحلة فبعلبك يعيش القطاع التجاري حالة جمود شبه تام وإن اختلفت الأسباب من سوق إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى. ففي بعلبك، أتت الضربات الإسرائيلية على وسط الأسواق التجارية، كما أن المدينة تعرضت للتدمير خلال الحرب. النتيجة المباشرة للاعتداءات على السوق هي تضرر حوالي 400 مؤسسة ومحل تجاري، منها حوالي 35 دُمّرت بشكل كامل.
لكن الأضرار غير المباشرة التي تلت الحرب فاقت نسبتها أضرار الحرب المباشرة. فالحركة التجارية تراجعت بشكل حاد في المدينة، على الرغم من المسارعة إلى إزالة آثار العدوان بالتعاون مع التجار وجمعية «جهاد البناء».
يشير رئيس جمعية تجار بعلبك نصري عثمان إلى اعتماد السوق على الحركة الداخلية في المدينة بشكل أساسي، وعلى حركة قرى المحيط أيضاً إذ تعتبر بعلبك مركزاً تجارياً أساسياً في محيطها. ويعود جزء من حركة السوق إلى السياحة في المدينة، سواء سياحة اللبنانيين أو المغتربين والعرب والأجانب. وأدّى تراجع الحركة السياحية بكافة أشكالها إلى خسارة مصدر دخل السوق.
من جهة أخرى، تراجعت قدرة سكان المنطقة الشرائية نتيجة الخسائر في القطاع الزراعي وارتفاع معدلات البطالة، الأمر الذي أثّر بدوره على القطاع التجاري، فضلاً عن استمرار التوتر الأمني والسياسي في لبنان، وموقع البقاع منه بشكل خاص.
حاول تجار المنطقة إعادة النهوض بشتى الوسائل، لكن السوق أصيب بشلل كبير وتراجعت الحركة بنسبة تفوق 70 في المئة منذ الحرب وحتى اليوم. يقول عثمان إن اهمال المنطقة وعزلها هي سياسةٌ متبعة منذ زمن بعيد.
فحال الطرقات المؤدية إلى بعلبك مثلاً يدعو السواح إلى الامتناع عن زيارة المدينة، رغم أنها من أهم المدن الأثرية في لبنان والمنطقة. ويمكن لها في حال إعادة تنظيم خصائصها السياحية، أي ربط القلعة بالطرق والمدينة ومنتزهاتها، أن تساهم في إنعاش الوضع الاقتصادي ليس في بعلبك فسحب بل في لبنان.
هذه المطالب يتوارثها أبناء بعلبك والمنطقة منذ ستينات القرن الماضي، ويكملون بالمطالبة بها من دون بلوغ أي نتيجة. ومن هذه المطالب: تحويل بعلبك إلى مدينة سياحية نموذجية وربطها بباقي المناطق اللبنانية، وتنفيذ مشاريع استثمارية كبيرة في المنطقة لخلق فرص العمل، ودعم القطاع الزراعي وتشجيع السياحة، ما يخلق ارتياحاً وحركة في القطاع التجاري.
بنى التجار آمالاً على تحسن الأوضاع خلال فصل الشتاء بما يسمح للحركة بالعودة نسبياً إلى الأسواق، لكن الأزمة السياسية التي نشأت مباشرة بعد الحرب من استقالات وأحداث وأمنية وانقسام قسمت ظهر هذه الآمال. ثم جاءت أحداث مخيم نهر البارد لتعيد الحركة السياحية في زحلة إلى نقطة الصفر.
من هنا، يعلو الصوت لإنهاء حالة الصراع السياسي القائمة كمطلب أساسي تجمع القطاعات عليه للسماح بعودة النشاط التجاري إلى المنطقة. أما المطالب المباشرة فتتلخص بتقديم قروض ميسرة للقطاع وتخفيض الفوائد والضغط على المصارف لإعادة جدولة ديون المؤسسات.
تنشر «البيان» هذه الصفحة بترتيب خاص مع «السفير» اللبنانية
البقاع ـ إبراهيم شرارة

