مع اشتداد حر الصيف في دمشق تبدأ محلات البوظة الدمشقية بعرض أفخر ما لديها من مثلجات تعتمد على تقاليد عريقة عمرها مئات السنين.

وزوار دمشق من مختلف الأقطار العربية يعرفون جيداً طعم البوظة الدمشقية الشهيرة وكثير منهم يتوجه أول فصل الصيف إلى محل «بوظة بكداش» الواقع منتصف سوق الحميدية حيث لايزال يحتفظ برونقه القديم وطريقته التقليدية في تقديم «البوظة»، حيث يقوم عامل يرتدي طربوشاً أبيض طويل بدق الثلج مع الفواكه أو الحليب بمدقه خشبية ضخمة فيتحلق حوله الأطفال وهم يراقبون البوظة وهي تتشكل. وفي العام 1895، تم افتتاح أول محل لبيع البوظة في دمشق، فتقاطر سكان المدينة لتذوق هذه المادة اللذيذة الغريبة التي ذاعت شهرتها، وصارت محط اهتمام وإعجاب الجميع، وبذلك تعتبر دمشق أول مدينة تباع فيها هذه المادة. وكانت مكونات البوظة بداية توضع في أوان نحاسية ضخمة، مغلقة ببراميل خشبية ويملأ التجويف بين الخشب والنحاس بالثلج الطبيعي مضافا إليه الملح، ما يمكّن البوظة من المحافظة على قوامها الصلب وبرودتها.

ويتم الحصول على الثلج من قمم الجبال، ويخبأ إلى فصل الصيف في الكهوف والمغارات العميقة وسط عوازل طبيعية من الأعشاب، ثم يحكم إغلاق المغارات لحين الحاجة إلى الثلج، وهكذا تفتح المغارات في الصيف وتؤخذ منها قبل بزوغ الشمس كميات الثلج المطلوبة، وتواصل الأمر على هذا الشكل حتى العام 1936، حين وصلت الطاقة الكهربائية إلى العاصمة دمشق، وظهرت يوم ذاك تجهيزات آلية صنعها أصحاب المهنة بأيديهم.

ويؤكد الباحث محمد مروان مراد أن صناعة البوظة شهدت تطورات عديدة مع الأيام، وإن كانت مكوناتها لا تزال بصورة عامة تعتمد على الحليب الطازج، والسحلب الموجود في أعالي الجبال وهو مادة مفيدة للجسم، إضافة للسكر وماء الزهر وماء الورد البلدي وبعض أنواع الأعشاب، ويمزج الفستق الحلبي من الطبخة الأولى مع مكونات البوظة وكذلك القشطة، وتميزت دمشق بنوع جديد من البوظة أدخلت في مكوناته الفاكهة الطبيعية.

ويضيف مراد أنه بعد تحضير المكونات تبدأ عملية الطبخ بوضع الحليب الطازج ضمن طرنبات نحاسية كبيرة محاطة بأنابيب ماء يغلي، دون تعريضه للنار بشكل مباشر طبعا للسماح بتبخر الماء الموجود في الحليب فيصبح دسمه أعلى وبالتالي يحتفظ بلونه الأبيض الناصع، ويستمر في الغليان حتى درجة حرارة 130 لمدة ساعة ونصف، وبعدها يضاف السكر المخلوط بالسحلب البلدي والمسكة ويترك يغلي لفترة لتعقيم المواد الأخرى، ثم ينزل لآلات التبريد الحديثة ويبرد بهدوء لمدة ساعتين، ثم يضاف ماء الزهر والفانيلا والمواد الأخرى المنكهة، ومن ثم تأخذ الخلطة للتجميل عن طريق اللف الحلزوني، وهذه العملية تعطي البوظة شكل الكريمة بسبب الخفق المستمر، وهناك طريقة أخرى هي الدق بالمكابس الخشبية اليدوية، فالعامل يدق الخلطة المجمدة حتى تصبح بقوام العلكة وبهذه الطريقة يمكننا التحكم بأشكال تقديمها.

أما إدخال الفاكهة الطبيعية فتكون في المراحل الأخيرة من غليان الحليب طبعا بعد إخضاعها لعملية تنظيف متكررة، وتغلي مع الحليب حتى يتم تعقيمها، ثم تنتقل إلى الخلاطات لتتجانس، ثم تؤخذ لآلات التجميد وأثناء تناولها يشعر الإنسان انه يتناول الفاكهة وكأنها طازجة، وطبعا تراعى كمية السكر المضاف للبوظة حسب وجود السكر في الفواكه. وتحتوي البوظة العربية على مكونات طبيعية. أي لا تحتاج لدرجة تجميد كغيرها من المثلجات، فأحيانا تكون درجة الحرارة في الجو أبرد من البوظة شتاء، وما دامت مكوناتها تحتوي على دسم عال، فلا تؤثر سلباً بل تعطي نتائج عكسية صحية للإنسان لما فيها من مواد غذائية.

لم تمض سنوات قليلة حتى أصبحت البوظة تقدم في كل المناسبات، واستبدل الناس الشراب بالبوظة في الأعراس ولكل الشرائح الاجتماعية، وفي بداية الأربعينيات درجت موضة البوظة حيث تعلق بأشكال ضخمة بكابلات وتقطع بالسكين.

وكانت ألمانيا أول من حاول تقليد البوظة العربية، ومن ثم فرنسا وروسيا وشمال إفريقيا، وفي العقدين الأخيرين، افتتحت بعض المدارس لتعليم البوظة العربية في أميركا وتحديدا في نيويورك وشيكاغو ولوس انجلوس، وفي فرنسا افتتحت مدرسة البوظة الدمشقية، كما يقول الباحث مراد.

وما يروى في هذا المجال: «أن مواطنا سوريا من آل الحموي كان يعمل ببيع الفطائر في محله في مدينة سانت لويس الأميركية، وقبيل افتتاح المعرض الدولي فيها عام 1904، حصل على ترخيص لبيع الزلابية: وهي كعكة فارسية رقيقة تقدم مع السكر في أطباق صغيرة، ومع الأيام الأولى لافتتاح المعرض، وكان الصيف حاراً، راح البائع يعبئ الزلابية الساخنة في أوراق لفها على شكل قمع، حتى إذا بردت أضاف إليها ملعقة من البوظة، وحقق الابتكار الطريف نجاحا كبيراً. وأطلق عليه الناس «قمع كريم» المعروف اليوم باسم «بوري البوظة».

دمشق ـ تيسير أحمد