هذه التي في السماء ليست سحابة. هي المجرّة التي نعيش فيها. نهر من النجوم يمر في قبة سوداء تبرق بما لا يحصى من تلك الكائنات المضيئة. لا يرتوي الواحد من التحديق في مثل هذه السماء. ليل بنت جبيل سحر خالص. قبل سنة، كانت السماء نفسها هنا، لكن غيوم الحرب حجبت النجوم ليلاً، وحجبت الشمس نهاراً. كانت حرباً.
وكانت جثث كثيرة مرمية في الطرقات، أو مدفونة تحت أعمدة بيوتها وحجارتها، في أسرتّها. في يوم مهول، فقد عماد بزي أعصابه. رأى زوجته وأولاده الأربعة حوله ورأى أمه وأباه وشقيقته والزوار الثلاثة اللبنانيين الأميركيين. رآهم متجمعين وإسرائيل تصب غضباً هستيرياً على المدينة. إذا كانت الصدفة قد حمت البيت حتى الآن، فكم ستبقى الصدف إلى جانب هؤلاء.
ارتعب أكثر من أي مرة أخرى. عجز عن الكذب الأبيض على أطفاله. لم يقل لهم إن هذه الأصوات هي لصواريخ المقاومة تدك إسرائيل. أمطرت السماء كل حممها. مطر شيطاني غزير جعله يصرخ أن إقرأوا القرآن.. سلم لخالقه وقال إن النهار لن يطلع. لكن النهار طلع عليه. عماد الذي لم يغادر مدينته نجا من تلك الليلة ومن كل ليالي الحرب الأخرى. سلمت الأرواح وقال الناس الحمد لله.
قبل الخروج إلى بنت جبيل ما بعد الحرب، كان أبوعماد قد اشتاق في أحد أيام الجحيم إلى التبغ فمشى في شوارع المدينة. مشى يبكي. التقى بابي نعيم بزي، الشيوعي العتيق، أحلى مثقفي بنت جبيل. طلب أبو عماد منه أن يأتي معه إلى بيته. أبو نعيم قال إنه سيبقى حيث هو بالقرب من زوجته التي سلمت الروح في المنزل بعد المرض. أبو نعيم أعطى الرجل علبة جبنة من أجل الأطفال.
افترق الرجلان، وتابع أبوعماد مشيه ورأى مقاومين يقفزون فوق ركام الشوارع. عاد إلى البيت. سأل ابنه: «ما الذي تضعه على خصرك؟». فهم عماد، رب العائلة الأربعيني، أن والده يعني علاقة المفاتيح، وعرف القصد. شال العلاقة ورماها بعيداً. لم يعد بحاجة إلى مفاتيح بعد الآن، فمحلاته الثلاثة احترقت، متجران لبيع الأحذية وثالث لصنعها. لم تعد موجودة. حين وضعت الحرب أوزارها، بدأت حكاية عماد.
في اليوم الأول على نهاية الحرب، انشغل عماد بالمساعدة في انتشال جثث الشهداء. نظر إلى رزقه المحترق ولم يجد وقتاً للتنبؤ بالآتي من الأيام. في حياة تبدو الآن بعيدة، كان رجلاً مرتاحاً. مدخوله من المعمل والمتجرين جيد وأولاده يتعلمون في مدرسة خاصة.
رمشت عين الحرب، ولم يعد شيء على حاله. الشهور الثلاثة الأولى مرت قاسية على من بات بلا عمل. الشيكات التي بحوزته كانت بلا رصيد ولم يحصلها. كان يضع إيجارات المحلات للبلدية في صندوق كسره وصرف المال. استدان مبالغ يرثى لقيمتها.
كان لديه في البيت بضاعة قليلة، صار ينزل إلى السوق وينتظر لبيع زوج أحذية كي يعود بالطعام إلى العائلة. في مثل هذه الأحوال يسأل الرجال أنفسهم: أين كنا وأين صرنا؟ يشعرون بالخجل وبالإحباط وعقدة الذنب. مدرسة أولاده وقفت إلى جانب الأب في محنته، وساعدته قدر المستطاع. وهو اتكل على الله، واستدان من شقيقته مبلغاً لا بأس به. ابتاع بضاعة، وضعها في شاحنته الصغيرة المغلقة، نزل إلى السوق.
تعب العمر
وقف عماد من جديد على قدميه، وإن بتعب، وبإعادة لصق حياة كجرّة تناثرت شظايا. خمسة معامل أحذية أخرى احترقت. كان يعيش منها نحو 40 عائلة بالإضافة إلى البنات اللواتي يعملن في بيوتهن. دعونا لا ننسى. هذه مدينة شهدت في شهر واحد ما شهدته مدن في حرب عالمية. ليس من خيال جامح كان قادراً على رسم مشهد بنت جبيل إلا خيال تلك الدولة الكريهة. كان سهلاً الإدعاء بنفض غبار الحرب عمن لم يلتصق به غبار منها أصلاً. لكن بنت جبيل لم تنفض غبار حربها بعد، ولن تنفضه قريباً.
هنا، لاتزال الحرب جاثمة على الصدور، لم يخرج الناس منها بعد. هنا، إذا نظرت من أي نافذة محتملة رممت وعادت كما كانت، سترى أثراً لرصاصة على الجدار المقابل، أو سترى مبنى ما زال عارياً وغرفه محترقة. هنا لا شيء على حاله. «.آخ»، يقول عبداللطيف محمد علي بزي. يضيف أنه «ما عادت تعمر مثل ما كانت بنت جبيل. كانت عروس الجنوب».
لماذا يتنهد السبعيني بالحطة العربية الجميلة والسيجارة اللف؟ لا وجه المدينة هو وجهها ولا ذكرياتها. لا طاقة اصلاً على الذكريات العتيقة. الذكرى العالقة هي في اختفائه تحت الدرج لساعتين ونصف بعدما رأته طائرة التجسس واستهدفت المحيط الذي لجأ فيه. كان ذاهباً من البيت ـ الملجأ إلى بيت آخر ليجلب طعاماً لأربع عشرة نفساً مختبئة في بيت. هذه مجموعة أخرى تدبرت حالها في الحرب ولم تغادر مدينتها.
الحاج عبداللطيف كان جار عماد في العمل. يملك محلين للوازم الخياطين وآلات خياطة. احترقت البضاعة والمحلان، وأصيب بيته واحترق الأثاث. خسارته في المتجر بلغت 40 ألف دولار. هو أيضاً يبيع البضاعة الآن في الشاحنة الصغيرة المقفلة. يسخر من المحلات الجاهزة التي نصبت مؤخراً وستؤجرها البلدية للتجار الذين فقدوا محلاتهم، وهي في مكان بعيد عن سوق المدينة.راح تعب العمر. هذان التاجران ما زالا ينتظران تعويضاً. ينتظران بملل. لا شيء يعوض الذي راح.
ضجة مركز البلدية تشي بالحياة. لكنها ضجة تدور حول الحرب والتعويضات المنتظرة والمتأخرة والدفعات التي استحقت أو ستستحق. في غرفة الاجتماعات في مركز البلدية، خصص جدار بأكمله لعمل فني. جلبت حجارة صخرية من البيوت المهدمة في الحارات ورصف منها جدار غير مستو. علقت لوحات معدنية تسمي الحارات التي لم تعد موجودة تقريباً، أي البلد القديمة: حي عين الصغيرة. الساحة. الحوارة. الحسينية.
حاكورة نص الضيعة. الديوان. حي الجامع. البركة. ارتفعت أسماء شهداء المدينة وشهيداتها بالعشرات. ووضع على الأرض أمام الجدار أغراض البشر التي سحبت من تحت الركام، بغبارها. العاب أطفال وورقة علامات مدرسية ونارجيلة وكرسي قش وغيرها. لوحة مشغولة فنياً. لكنها أحلى من الواقع. الواقع: الدمار هنا لايزال لا يصدق. هذا المربع، القلب الصخري المؤلف من مئات البيوت بالقناطر والأزقة، تاريخ أجداد أجدادنا، على ما يقول الحاج اسحق.
على الجدار في العمل الفني، الحارات أعلاه هي مجرد أسماء. لكن من ولد ونشأ هنا، فهي عمر برمته. قد يقوم قلب جديد لهذه المدينة، منمق وصخري وجميل وتستعاد أسماء الحارات ذاتها. غير أن هذا لن يعيد الحارات التي كانت. لن يعيد ذكرياتها وحنينها وعفويتها. لن يحل القلب الجديد مكان ذاك القلب العفوي الحقيقي الذي راح. لكن ما العمل؟ «البشر راحت، فمن يبكي الحجر؟» كما تقول السيدة المسنة. العزاء هنا هو أن إسرائيل أرادت الانتقام من هذه المدينة التي سببت لها الجنون. الانتقام هو الجواب الوحيد لدى أبناء بنت جبيل حين يسألون أنفسهم لماذا فعلت كل هذا.
خوف مزدوج
الضجيج عالٍ. الورش القائمة في كل مكان تسبب جزء من هذا الضجيج. الغبار الذي لا يرتاح نهاراً هو جزء آخر، لكن الضجيج الأعلى يتأتى مما يعتمل في نفوس الناس. ليس عادياً أن يتكرر دائما التخوف من الآتي. والتخوف في هذا الجزء من لبنان هو مزدوج. تخوف أعقب الانفجارات وأحداث نهر البارد، وتخوف من حرب إسرائيلية أخرى. يفتقد أهل البلد الطمأنينة. وهم بالطبع معذورون. هذا صيف مختلف عن سابقه قبل سنتين. المغتربون لن يأتوا كما تعودوا.
ساكنو بنت جبيل ممن دمرت بيوتهم ولم ينهوا بناءها بعد بانتظار الدفعة الثانية، استأجر الكثير منهم في خارجها. الكهرباء عملة نادرة هذه الأيام. الإعمار طريق شاقة وطويلة وإنتظارات لدفعة بعد دفعة، ناهيك عن وسط البلد الذي لم يتفق بشأن صيغته النهائية بعد.
الإعمار.. هذا أول الكلام وآخره
هناك شعور بالغبن. عماد يقول ان مؤسسات كثيرة لم تكن موجودة أصلاً في بنت جبيل سجلت بأنها دمرت وقبضت تعويضات بينما من خسر فعلاً لم يعوض عليه. من يعبتر نفسه محايداً يقول إن المحسوبين على حزب الله وحركة أمل تمتعوا بامتيازات في التعويض، بينما غيرهم مغبون. عائلة خسرت بيتاً واحداً، وأحياناً لم تخسر، قبضت ثمن أربع وحدات (الوحدة هي بيت سكني يعوض عليه بقيمة 40 ألف دولار). عائلات عوّض عليها بمبالغ اكبر بكثير من أضرارها. بينما من لم يعد بيته صالحاً للهدم، جاء كشفه بأنه بحاجة للترميم.
ما يحكى هنا وهناك، يتحول إلى مثل فاقع بشدة. حيدر علي فرج صب جام غضبه على أهل مدينته. نصب خيمة بالقرب من بنائه المتضرر، ورفع لافتات مكتوبة بالعامية شديدة الصراحة في تهجمها. من الصعب دفع هذا الرجل إلى التحدث بهدوء. هذا الذي «أتى من الحرب. ناس سرقوا وناس يموتون».
وهو يلصق على بيته إفادة موقعة من مهندس تشرح ان المبنى لم يعد صالحاً. يمضي هو وعائلته النهار في الخيمة ويذهبون ليلاً للنوم في غرفة تقطنها أمه. فرج يقول إن المبلغ الذي حسب له للترميم، أي 14 ألف دولار، لا يكفيه ليرمم. إذا أردنا خلاصة لكل ما يعترض عليه ويعتصم من اجله، فهو يقول: «إما أن يهدموا بيتي، مثلي مثل غيري، وإما سأبقى في الخيمة».
هدم البيوت، في بنت جبيل، صار ميزة إذاً..
المدينة، على ضجيجها، كئيبة. تفاصيل قلب البلد اشد بلاغة في القول من العمل الفني في المركز البلدي. الشوارع التي باتت رملية. القناطر المحطمة. البيوت التي لاتزال تلال ركام صخرية. الآن، وعلى هلال ابيض من كراسي بيضاء تجلس نسوة في ساحة باتت فارغة بالقرب من بيت النائب الراحل.
هن في استضافة محمد حسن بزي، الذي يقطن وزوجته في غرفة بالقرب من بيته المهدوم. هما من قلة تعد على الأصابع تعيش في هذا المكان الذي بات موحشاً. النسوة الجالسات الآن على فنجان قهوة يأتين كل واحدة من بيتها المؤقت. يجلسن حيث كانت البيوت ويتسامرن. كل يوم يأتين. شوقهن ليس إلى البيوت وحدها. شوقهن هو إلى حياة برمتها.
تنشر «البيان» هذه الصفحة بترتيب خاص مع الزميلة «السفير» اللبنانية
بنت جبيل ـ جهاد بزي
