وصفت الانتخابات التركية بأنها سباق هائل بين العلمانيين عتيقي الطراز والحكومة ذات التوجهات الإسلامية. وأصدر الجيش أكثر المؤسسات احتراما في تركيا تحذيراته، لكن الرأي العام تجاهلها ولم ينتخب حزب العدالة والتنمية ذا الجذور الإسلامية فحسب، بل منحه نحو نصف أصواته الانتخابية.
وكان رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان كيّسا عند الانتصار. وقال إن حزبه سيفتح صفحة جديدة وانه لا يحمل ضغينة لأحد. ولكنها احتفالات الانتصار الراقصة هي التي ستروع ليس فقط الخصوم السياسيين بل أيضاً الجيش تجاه اردوغان وتصميم حزبه على التخفيف من الطبيعة العلمانية للدولة التركية.
ومع انفجارات الألعاب النارية التي راحت تدوي في الخلفية وأمام آلاف المؤيدين الذين أخذوا يلوحون بالأعلام، ظهر اردوغان في مقر حزب العدالة والتنمية ومعه زوجته إيمان. وعلى عادتها دائما كانت ترتدي حجابا إسلاميا ليس كالسائد في تركيا، لكنه الحجاب الذي ظهر في منطقة الشرق الأوسط منذ سنوات.
ومع ذلك، فإنه بالنسبة للعلمانيين لم يكن مشهد ايمان اردوغان في حجابها هو الباعث على الضيق بل مشهد وزير الخارجية عبدالله غول وحجاب زوجته خير النساء. وربما لم يكن غول يتوقع أن يتم ترشيحه لمنصب رئيس الجمهورية، لكن اردوغان هو الذي رشحه وكان الأمر الذي قاد في نهاية المطاف لانتخابات الاحد وطرح بقوة أسئلة صعبة عن مستقبل تركيا.
لقد أسس اردوغان وغول حزب العدالة والتنمية من بقايا حزب إسلامي متشدد. ويحاول حزب العدالة منذ وصوله إلى السلطة العام 2002 أن يصور نفسه على انه حزب محافظ. وقد اشتدت المخاوف من أن الحزب ربما يحاول تقليص التوجه الغربي لتركيا اثر دعم اردوغان لقانون ـ مني بالفشل ـ كان يقضي بتجريم الزنا ثم محاولات الحكومة تعيين خبير مصرفي إسلامي رئيسا للبنك المركزي ثم أخيرا وليس آخرا قيام المجالس البلدية التابعة للحزب بمحاولات لفرض قيم دينية على المجتمع.
بيد انه في نفس الوقت أيضاً كان حزب العدالة والتنمية يحقق نموا متواصلا على مدى سنوات وليس هذا فحسب لا بل طبق أيضاً مجموعة من الإصلاحات التي استهدفت مواكبة القانون التركي لمعايير الاتحاد الأوروبي. ولذا لم يجد العلمانيون بدا من التحرك بعد أن تبين أن حزب العدالة والتنمية وقد سيطر على البرلمان والحكومة بفضل نتائج انتخابات 2002 بات من الممكن أيضاً أن يستولي على الرئاسة ومن ثم يسيطر على المؤسسات المدنية الثلاث الكبرى في البلاد.
أكثر من مليون مواطن نزلوا إلى الشوارع احتجاجا على احتمال أن يصبح غول رئيسا للبلاد. وعندما بات من شبه المؤكد أن غول سينتخب من قبل البرلمان أصدر الجيش تحذيرا صار الآن يعرف بـ «الانقلاب الخامس» الأمر الذي يعتقد كثيرون انه اثر في قرار المحكمة الدستورية بإلغاء تنصيب جول لمنصب الرئيس على أسس إجرائية. ولما كان اردوغان يسعي لانتخاب غول رئيسا للبلاد فانه سارع بالدعوة لإجراء انتخابات مبكرة. ويبدو أن المقامرة نجحت.
ومع الانتهاء من فرز غالبية الأصوات، عاد حزب العدالة والتنمية بأغلبية قوية. ولكن لم يحصل على أغلبية الثلثين (367 مقعداً) اللازمة لتنصيب رئيس دون ما حاجة لأحزاب أخرى. وكان اردوغان المح خلال الحملة الانتخابية إلى انه ربما يطرح أسماء مرشحين آخرين للمنصب. لكن الظهور ليلة أول أمس في شرفة مقر حزب العدالة على طريقة قصر باكنغهام أوحي بان اردوغان متمسك بغول.
وقوطع خطاب النصر لاردوغان كثيرا من قبل المؤيدين بالهتاف: «غول للرئاسة». ومن الممكن بالطبع أن يكون ظهور اردوغان بعد الانتصار بهذا الشكل مجرد جزء من مسرحية لكنه لو أصر على ترشيح غول للرئاسة فان كل العيون ستتحول إلى الجيش التركي. ففي ابريل أعلنت هيئة الأركان العامة أنها ستفعل كل ما هو ضروري لحماية العلمانية. ومن دون شك فان الأعضاء المنتخبين الجدد سيتطلعون إلى معرفة ما يمكن أن يكون عليه رد فعل الجنرالات الذين أطاحوا بأربع حكومات على مدى الخمسين عاما الماضية.