تحتفل سلطنة عمان اليوم بذكرى انطلاق النهضة بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد الذي استطاع منذ توليه مقاليد الحكم في البلاد في العام 1970 الوصول بالمسيرة العمانية إلى مصاف الدول المتقدمة في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية.

ففي 23 يوليو 1970 دخل التاريخ العماني مرحلة جديدة نحو البناء العصري للدولة والمواطن وفق استراتيجية محكمة صاغتها الحنكة الفريدة التي يتمتع بها السلطان قابوس منذ البداية التي أراد لها أن تكون بيد البناء الجماعي والتكاتف بين الحكومة والمواطن لتحقيق الأهداف سواء منها القريبة أو البعيدة.وترجم ذلك الخطاب الأول لقابوس في العام 1970 حينما دعا مواطنيه إلى شحذ الهمم لبناء الدولة الحديثة والي تكوين علاقة الشراكة والمسؤولية الجماعية بين الحكومة والمواطنين، قائلا إن «الأمم لا تبنى إلا بسواعد أهلها». وقوله أيضاً إنه «بدون التعاون بين الحكومة والشعب لن نستطيع أن نبني بلادنا بالسرعة الضرورية للخروج من التخلف الذي عانت منه هذه المدة الطويلة، إن الحكومة والشعب كالجسد الواحد إذا لم يقم عضو بواجبه اختلت بقية الأجزاء في ذلك الجسد».

ولم يخذل العمانيون عزيمة قائدهم فقد تكاتفت جهود التنمية التي أثمرت على مدى 37 عاما بتحقيق التطور العمراني والحضاري في جميع المجالات والصعد وفي كل المناطق الجبلية والريفية والساحلية التي حظيت بخدمات وبنى أساسية بقيت محرومة منها لسنوات طويلة في ظل الحكم السابق لعمان حيث إن السلطان قابوس ومنذ توليه الحكم في السلطنة جعل ضمن أولوياته بناء الإنسان والتنمية البشرية إلى جانب توفير التعليم والصحة والبنى الأساسية والتطور التقني والتكنولوجي في كافة المجالات.

وفي ذلك أكد في أحد خطاباته أمام مجلس عمان (مجلسي الدولة والشورى) أن «المضي قدما بالدولة نحو تحقيق آفاق أعم وأوسع من التنمية الشاملة المستدامة لن يتحقق إلا بالعلم والعمل والفكر المتفتح القادر على مواكبة معطيات العصر وظروفه ومتابعة تطوراته ومنجزاته في مختلف ميادين الحياة مع المحافظة في ذات الوقت على ثوابتنا وأصالتنا غير متهيبين من التواصل مع مختلف حضارات وثقافات شعوب العالم لاستكشاف ما أنجزته وطورته تلك المجتمعات لتعزيز مكانتنا في العالم المترابط المتداخل والذي بلا شك انه مع التطورات العلمية في وقتنا الحاضر أصبح بدرجة من التقارب كالقرية الواحدة .

حيث لا يمكن لمجتمع أن يعزل نفسه ويعيش بمفرده دونما التواصل والتعامل مع الآخرين هذا إذا كان يسعى لخير ورفاهية أفراده وكذا كان شأن أسلافنا العمانيين وعلى مرّ العصور يجوبون بقاع العالم مادين يد الصداقة للجميع متطلعين بتفاؤل إلى تبادل المنافع والمكاسب مع المجتمعات الأخرى دونما تمييز أو تحيز يفيدون ويستفيدون».

وكشفت المرحلة الحرجة التي مرت بها سلطنة عمان مؤخرا إثر تعرضها للإعصار المداري جونو معدنا لا يصدأ من خلال الملحمة الوطنية والتكافل الاجتماعي التي شكلها الجميع من مواطنين ومقيمين في كل المحافظات والمناطق لإعادة البناء ومساعدة أشقائهم المتضررين، حيث برز من خلال القوافل الإغاثية القادمة من أقاصي الشمال والجنوب ومن الغرب والشرق في ربوع السلطنة حيث ظهر الجميع كأسرة واحدة مستشعرين بأن الضرر للجميع والتكافل واجب على الجميع والمسؤولية جماعية للوطن والمجتمع وهو ما مكن عمان من اجتياز هذه المحنة بكل ثبات وإصرار لإعادة الإعمار بأيادي وطنية مخلصة.

وفى الوقت الذي حققت فيه سلطنة عمان تطورا كبيرا ومتواصل اقتصادا واجتماعيا فإن ذلك تم بالتوازي مع تشييد أركان الدولة العصرية القادرة ليس فقط على توفير الأمن والأمان للمواطن والمقيم على أرضها ولكن أيضاً يتمتع فيها المواطن بكل الضمانات في مجال الحريات حيث يحدد النظام الأساسي للدولة (1996) وبشكل دقيق ومفصل حقوق وواجبات المواطن وكذلك دور مختلف أجهزة الدولة .

كما يعطى مكانة خاصة للقضاء العماني واستقلاليته ليرتكز الحكم على العدل وسيادة القانون ولتتكامل كل الجهود من اجل بناء التقدم والازدهار والرخاء للمواطن العماني في الحاضر والمستقبل. ومن ثم تطورت ادوار قوات السلطان المسلحة وشرطة عمان السلطانية وأجهزة الأمن وكذلك دور مؤسسات الشورى العمانية مجلس الدولة ومجلس الشورى لتسهم كلها في تحقيق الأهداف الوطنية.

ومن خلال ذلك تستعد السلطنة حاليا لانتخابات مجلس الشورى للفترة المقبلة 2008 ـ 2011 التي سيكون موعد الاقتراع لانتخاب الأعضاء الجدد في 27 من شهر أكتوبر المقبل وسط منافسة 717 مترشحاً بينهم 20 امرأة لتمثيل 61 ولاية بكافة أنحاء السلطنة.

أما على صعيد العلاقات الخارجية للسلطنة مع الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات والهيئات الإقليمية والدولية فقد استطاع السلطان قابوس رسم نهج ومبادئ ثابتة تتمثل في مناصرة الحق والعدل والعمل المتواصل مع بقية دول العالم لتحقيق المحبة والسلام وتسوية النزاعات الدولية بطرق الحوار والمفاوضات لكي يعمّ الأمن والاستقرار على الجميع وتنعم بخيراته كافة شعوب الأرض.

وحظي السلطان قابوس ومنذ توليه مقاليد الحكم بتقدير واحترام رفيع المستوى من قادة العالم خليجيا وعربيا ودوليا إلى جانب كثير من المنظمات والهيئات والمحافل الإقليمية والدولية تقديراً لقيادته الحكيمة واحتراماً لسياساته الواضحة وإسهاماته وجهوده الداعمة لما من شأنه إرساء أسس السلام ولعل آخر ذلك جائزة السلام الدولية التي نالها جلالته من الجمعية الخيرية الروسية الدولية .

والتي تمثلت في منحه نجمة فاعل الخير المطعمة بالماس وهي ارفع وسام تمنحه الجمعية، فضلاً عن منحه الخنجر الذهبي لفاعل الخير، وتمثال ملاك السلام المحسن تقديرا لجلالته في خدمة السلم والتعاون وفعل الخير على المستوى الدولي ودعوته للتصالح والتعاون بين الشعوب.

مسقط ـ علي البادي