يقولون أن مياهه تشفي 37 مرضاً معظمها جلدية، منه انطلقت أول رصاصة على الاستعمار الفرنسي.. انه حمام الصالحين الذي بناه الرومان منذ ألفي عام شرق الجزائر والذي يقصده الملايين من السياح من جميع أنحاء العالم للاستجمام والعلاج، إلى جانب المتعة والراحة النفسية.

فالجزائر تمتلك أكثر من 200 موقع لتدفق المياه الساخنة طبيعيا، أقيمت حول عشرات منها مركبات سياحية واستشفائية وقصدها ملايين من الزوار للتداوي والاستجمام. وينفرد موقع حمام الصالحين بولاية خنشلة شرق البلاد بأحواضه المكشوفة التي تشتغل منذ ألفي عام.

وهو عبارة عن صحون صخرية عملاقة بعضها دائري والآخر مستطيل تنساب إلى داخلها مياه حرارتها 70 درجة مئوية وتحيط بها أرضية مبلطة بالحجارة الكبيرة ويتدفق الماء الساخن في سواقي متصلة ببعضها ما يزيد المكان رونقا وجاذبية.

ويشمل مركب «حمام الصالحين» السياحي عدداً كبراً من الحمامات المغطاة أو الحجرات الساخنة كما تسمى محليا لكن معظم الزوار يفضلون الأحواض المكشوفة لتوفرها على عناصر المتعة والترفيه. وتغطي المكان خاصة في الشتاء سحابة من البخار المنبعث من الحمامات والسواقي وحتى الوادي الذي تصب فيه المياه المستعملة.

ويستند الموقع إلى جبل شامخ بارتفاع 2300 متر تغطيه أشجار الصنوبر الحلبي والزان والبلوط، وتمتد أمامه سهول غنية يرتزق من زراعتها عشرات الآلاف من السكان كانت منذ القدم سبب تعميرهم تلك المنطقة.

وبحسب ما توفر من معلومات في الأرشيف فإن الحمامات كانت تستخدم منذ عهد الرومان وهم أول من بناها في القرن الأول للميلاد حين زحفوا من سواحل الجزائر إلى الأعماق حيث السهول الخصبة فوجدوا في تلك المياه الدافئة المتدفقة في شكل ينابيع قوية الفوائد الجسمية والراحة.

وبعدها اعتاد عليها الناس حتى صار من بين طقوسهم القيام بزيارات دورية والاغتسال بالماء الساخن ليس فقط للتداوي البيولوجي ولكن أيضا للراحة النفسية وربما من ذلك اشتق الحمام اسمه الحالي حمام الصالحين. ويستقبل الموقع سنويا ما يزيد على مليون زائر رغم المنافسة الشرسة لحمامات ذات شهرة فاقت حدود الجزائر في ولايات كثيرة من الجزائر على غرار سطيف ومعسكر وعين الدفلة والبليدة وقالمة وباتنة وسعيدة وغيرها.

وقد زار حمام الصالحين العامين الماضيين عدد كبير من السياح الأجانب وأبهروا وهم يرون الناس تستحم في الهواء الطلق وعلى رؤوسهم يتساقط الجليد وحولهم تتكدس أكوام وقال أحدهم «أعتقد أنه المكان الوحيد في العالم الذي يمكن أن تسبح فيه ومقياس الحرارة مجمد عند نقطة الصفر دون أن تشعر بالبرد».

وقال سائح ألماني «نعرف جيدا الحمامات التركية ذائعة الصيت لكن ما وجدته في خنشلة خارقا للعادة... لقد شعرت بالخوف وترددت كثيرا قبل أن أقبل دعوة المرافقين لي من الجزائريين للاستحمام في ذلك الجو القارس لكن بمجرد أن دخلت الماء كان الدفء وحتى عندما خرجت من الماء بعد نصف ساعة استحمام سرت تحت الثلج إلى غاية حجرة تغيير الملابس على نحو 50 مترا ولم أشعر بالبرد.. أمر مدهش».

ودون أحد سكان المنطقة في مذكراته أن وفدا من الشباب من أوروبا الشرقية حل بخنشلة في بداية الثمانينيات من القرن الماضي واستمع إلى أحد مسؤولي المدينة وهو يقول للضيوف «من هنا من هذه المنطقة انطلقت أول رصاصة لتحرير الجزائر ليلة الفاتح من نوفمبر 1954 » وحين زار الوفد حمام الصالحين قال أحد أعضائه وهو شاب من بلغاريا «الآن فقط فهمت لماذا كانت هذه المنطقة أول من أطلق الرصاص على الاستعمار لتحرير الجزائر» في إشارة لجمال الموقع واستحقاقه التضحية لتحريره.

الحكايات عن حمام الصالحين وما جادت به قرائح زواره من أوصاف لا تنتهي. لكن الأكيد أنه من أجمل ما خلق الله على هذه الأرض فمن سفوح الجبل القريب تتدفق مياه عذبة بدرجة عالية من البرودة في شكل شلالات صغيرة تلتقي في الوادي بمياه ساخنة تنبع من أسفل ذات الجبل لتشفي 37 نوعاً من الأمراض بحسب ما اكتشف حتى الآن من بينها أنواع عديدة من الأمراض الجلدية والعظام والمفاصل والصداع المزمن وما إليها.

وتقرب مدينة خنشلة التي يقطنها 140 ألف نسمة على نحو سبعة كيلومترات من حمام الصالحين. هذه المدينة بناها الفيلق الروماني الثالث أغوستا وأطلق عليها اسم «ماسكولا» أما اسمه الحالي فيعود للعهد البربري ويقول المؤرخون إن خنشلة هو اسم ملكة البربر ديهية التي حاربت البيزنطيين وواجهت توسع الفتوحات الإسلامية في الجزء الغربي من شمال إفريقيا.

وانهزمت في الحرب أمام جيش حسان بن النعمان وقتلت في المعركة. وكان العرب يطلقون عليها اسم «الكاهنة» لدهائها الحربي. ويبقى أن تاريخ حمام الصالحين مرتبط أشد الارتباط بتاريخ مدينة خنشلة و تاريخ خنشلة مرتبط بالحمامات. وتاريخهما معا مرتبط بالطبيعة الخلابة التي تحيط بهما. حتى أن سكان المدينة وضواحيها، يقولون: «من زار خنشلة ولم يزر حمام الصالحين فكأنه ما زارها».

الجزائر ـ مراد الطرابلسي