لم يتمالك الشاعر الفرنسي الرومانسي لامارتين نفسه من الدهشة عندما دخل إلى خان أسعد باشا العظم فصاح معجباً: هذا أجمل خانات الشرق. وبعد أن تأمل قبابه الضخمة المحمولة على العضائد قال: إن شعباً فيه مهندسون لديهم الكفاءة لتصميم مثل هذا الخان وعمال قادرون على تنفيذ مثل هذا البناء لجدير بالحياة والفن.
يعتبر خان أسعد باشا،أحد مفاخر دمشق العمرانية، فهو يعطي فكرة واضحة عن مدى التقدم العمراني المذهل الذي كان في دمشق في تلك الفترة، وهو بحق نموذج تراثي متكامل لـ «السيتي سنتر» بالمعنى المعاصر. فهو مكان للتسوق من كل البضائع المتوفرة في ذلك العصر، وللتنزه وقضاء الأوقات في مشاهدة غرائب المعروضات الآتية من مختلف البلدان، وأيضاً لشرب القهوة والاستماع إلى غناء مطربي ذلك العصر وقيانه.
وبنى هذا الخان الوالي أسعد باشا العظم، المولود في العام 1705. والذي آلت إليه ولاية دمشق سنة 1743 مع إمارة الحج، فدخلها في موكب عظيم من الإنكشارية وأكابر المدينة وأمرائها وأعيانها. وبقي في منصبه هذا 14 عاماً متواصلة بنى فيها قصره المشهور في العام 1749.
كما بنى الخان الذي ليس له نظير في سعته وجمال زخارف واجهته وطراز بنائه كما يذكر المؤرخ البديري الذي وثق يوميات تلك المرحلة. واستمر العمل في بناء هذا الخان 14 شهراً فقط، إذ بدأ مطلع شهر سبتمبرعام 1752 ميلادية واكتمل نهائياً أواخر أكتوبر من سنة 1753، وهي فترة قياسية حتى في المعايير المعاصرة.
ويؤكد الباحث أكرم العلبي أن أسعد باشا بنى خانه على أنقاض قيساريتين قديمتين من العصر المملوكي وعدداً من الدور والدكاكين الأخرى. وتقدر مساحة الخان، الذي قارن الشاعر لامارتين قبته بقبة كنيسة القديس بطرس في روما، بحوالي 2500 متر مربع.
ويتكون من 21 مخزناً في الطابق السفلي و45 مخزناً في الطابق العلوي. وصرف عليه في اليوم الواحد 1200 قرش. أي أن كلفته الإجمالية بلغت أكثر من نصف مليون قرش، ولمعرفة قيمتها الحقيقية. يذكر المؤرخ عبدالقادر العظم أن رطل السمن البلدي كان بقرش واحد.
ويقع الخان وسط سوق البزورية الشهير في قلب دمشق القديمة، ورغم ما يتحلى به من فخامة وعظمة وغنى معماري، إلا أنه يعتبر نموذجاً للأبنية العملية بكل تفاصيله. وتتجلى قيمته العملية بمخططه الذي يتصف بالتناظر التام. فالباحة المتوسطة بقبابها التسع تحتل قلب المنشأة كما أن دهليز المدخل الرئيس يقع في المحور الشرقي الغربي للبناء بأكمله.
ويتجمع حول الباحة في الطابق السفلي صفين من الغرف المخصصة للتجار، الخلفية منها للمكاتب والأمامية للمستودعات، فيما يتألف الطابق العلوي من غرف متجاورة على شكل مربع شبه مغلق وردهات تطل على الباحة المتوسطة بواسطة درابزين خشبي.
ورغم مرور قرنين ونصف القرن على بنائه، لايزال خان أسعد باشا يثير اهتمام زائريه من مختلف الثقافات والأجناس، وما إن يدخل أحدهم إلى باحته المتوسطة حتى تعقد الدهشة لسانه، تماماً كما حدث مع لامارتين قبل نحو 200 عام. وفي السنوات الأخيرة بدأ الخان باستقبال مهرجانات ثقافية مثل مهرجان الموسيقى الأندلسية.
كما وينظم فيه بشكل دوري معارض فنية، غير أن الأنباء تتحدث عن رغبة لدى الجهات المعنية بتحويله إلى متحف للتاريخ الطبيعي، وهو ما لا يتوافق مع قيام وزارة السياحة السوري بطرح الخان للاستثمار كفندق من فئة النجوم الخمسة، فهو مؤهل بشكل كامل لمثل هذا الاستثمار، تستلهم فيه الأجواء الشرقية الأصيلة كونه يقع في قلب دمشق القديمة في نهاية سوق البزورية حيث روائح التوابل التي تنقلك إلى عصور سالفة تعبق بالخيال المجنح.
دمشق ـ تيسير أحمد

