قبل شهر، أرادت أم عفيف الاحتفال على طريقتها بعودة بكرها من كندا. أخذت السيدة السبعينية سكيناً صغيرة وقصدت حقلها القريب من منزلها في عيناتا. علقت السكين في جم «البقلة» البلدية. ظنت أم عفيف أن الجذر ثابت فسحبت المرأة يدها بقوة لتقتلعها. كان الجذر شريطاً.. على الفور، انفجرت بها قنبلة عنقودية كان مطر الشتاء طمرها بتراب الحقل.

بقيت أم عفيف شهراً على سرير إحدى المستشفيات ثم فارقت الحياة متأثرة بجراحها. أضيفت ابنة عيناتا إلى ضحايا القنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة الذين وصلوا إلى 210 ضحايا من بينهم 69 طفلاً. هناك حقيقة ثابتة للكارثة الإنسانية والإقتصادية التي ضربت الجنوب اللبناني عبر القنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة: «72 ساعة، هي الفترة الفاصلة ما بين اتخاذ القرار 1701 وموعد تنفيذه.

مهلة أعطاها المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، لرئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت كانت كافية لتزرع إسرائيل الجنوب بـ أربعة ملايين قنبلة عنقودية، وفق اعترافات جنرالاتها في صحفها، الذين عقبوا على فعلتهم بالقول: «ما فعلناه كان وحشياً للغاية، لقد غطينا الأرض بكاملها».

تلك الأرض التي غطوها تشمل مائة وتسعا وخمسين بلدة ومدينة جنوبية، حدد فيها مركز التنسيق لنزع الألغام، الذي يعمل بالشراكة بين الجيش اللبناني والأمم المتحدة، 920 موقعاً ملوثاً بالقنابل العنقودية حتى اليوم مقارنة مع 400 موقع تم تحديدها بعد ثلاثة أشهر على انتهاء العدوان ودخول القرار 1701 حيز التنفيذ.

تغطي هذه المواقع ما مساحته 37 مليون متر مربع من الأراضي وهي أراضٍ زراعية وحول المنازل والمدارس وتشكل خطراً على حياة المواطنين وضربت ولا تزال منازلهم. ويقدر مركز التنسيق لنزع الألغام، القنابل العنقودية غير المنفجرة بمليون قنبلة عنقودية في مختلف المناطق الجنوبية، وتحديدا جنوب الليطاني، وفق المسؤولة الإعلامية والبحث الميداني في المركز داليا فرّان.

وبالإضافة إلى القنابل العنقودية، ثبت لفريق الأمم المتحدة قيام إسرائيل بزراعة ألغام جديدة خلال حرب يوليو وتم اكتشاف حقل الغام جديد في بلدة دير ميماس، إنفجرت بعضها بقطيع وأصاب فريقاً بريطانياً لنزع الألغام في المنطقة نفسها.

وحتى اليوم، لم يتلق مركز التنسيق جواباً عن رسالتين وجهتهما الأمم المتحدة عبر قوات الطوارئ الدولية (يونيفل) ومكتبها الأعلى في نيويورك إلى إسرائيل تستفسر فيهما عن الألغام الجديدة، وبشكل خاص عن القنابل العنقودية، وتحديداً عن المواقع الجغرافية التي ضربت فيها وكذلك الأنواع والكميات.

تقول فرّان إن حقل ألغام دير ميماس ليس حقلاً تقليدياً منظماً، مشيرة إلى «اننا لا نتوقع أن تكون هناك مشكلة كبيرة، على الأقل مقارنة بمشكلة القنابل العنقودية». وعن مهلة نهاية العام 2007 التي كان مركز التنسيق قد وضعها للانتهاء من مشكلة القنابل العنقودية، تقول فرّان إن المهلة تشمل البلدات الجنوبية ومحيطها وحقولها وليس خراج القرى والأودية والهضاب.

وتؤكد على طلب الجيش اللبناني من المركز تمديد عمله لغاية نهاية العام 2008، مشيرة إلى أن التمديد سيخصص لتنظيف المساحات الملوثة المتبقية بعد نهاية العام 2007 وهي خراج القرى والأراضي المشتركة في ما بينها.

وكانت مصادر موثوقة أشارت إلى طلب الجيش اللبناني تمديد عمل مركز التنسيق لنزع الألغام حتى نهاية 2008 على أن تشمل نشاطاته بالإضافة إلى القنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة، حقول الألغام المتبقية خارج الخط الأزرق ومنها حقول مارون الراس وعيترون ومروحين جنوباً، وكذلك حقول سوق الغرب والبترون وهي حقول الغام قديمة. وأما فرّان فتنفي أن تكون مهمة المركز قد توسعت لتشمل الألغام في سوق الغرب والبترون.

تنظيف 17 %

إلى اليوم، نجحت فرق مركز التنسيق لنزع الألغام (ومن ضمنه المشروع الإماراتي) وبالتنسيق مع الجيش اللبناني، في تسليم 17 في المئة من مساحة الأراضي الملوثة بالقنابل والذخائر غير المنفجرة إلى المزارعين والأهالي (أي 17 في المئة من 37 مليون متر مربع ملوثة).

وتؤكد فرّان أن هناك حوالي 17 مليون متر مربع قد نظفت مبدئياً من خطر القنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة، وأن المنطقة المنظفة مبدئياً تحتاج إلى استكمال شامل للمسح باستخدام الآلات التي تسمح باكتشاف الذخائر والقنابل التي طُمرت لسبب أو لآخر تحت الأرض وعلى عمق يصل إلى 20 سنتيمتراً.

إلى الأراضي المنظفة فعلياً والتي سلمت إلى المزارعين، وتلك المنظفة مبدئياً وتحتاج إلى «مسح شامل»، هناك وفق فرّان، «3 في المئة من الأراضي الملوثة نظفت فوق الأرض وتحتها نسبة إلى أنها أراض صلبة في الغالب وموزعة على أرض مساحات معبدة وأخرى صخرية أو ذات تربة صلبة يستبعد معها خطر القنابل المطمورة واعتمد في تنظيفها على الكشف البصري.

ومن بين الـ 37 مليون متر مربع تم تصغير مليونين ونصف مليون متر مربع، أي حوالي 7 في المئة من المساحات الملوثة، وفق فرّان التي تشير إلى أن «تصغير المنطقة يتم بعد تنظيف القنابل العنقودية في منطقة ما وعدم إيجاد قنابل أخرى في المحيط فيعمد الفريق إلى تصغير حجم قطر البحث في المنطقة التي كان متوقعاً تلوثها».

وعادة، يضع الفريق قطراً محتملاً يمتد على مساحة مئة متر مربع حول أي قنبلة عنقودية يجري العثور عليها، للبحث عن قنابل أخرى غير منفجرة. ويطمح المركز إلى الحد من مشكلة القنابل والذخائر غير المنفجرة وتحجيم هذه المشكلة مع نهاية العام 2007. ومع حلول هذا التاريخ سيتم تسليم كل المناطق المحيطة بالمنازل ومعها الحقول الزراعية داخل القرى.

وفي محيطها القريب إلى المزارعين والأهالي بصفتها مناطق ممسوحة تحت الأرض وفوقها وبالتالي نظيفة. يستثنى من هذا الطموح الأماكن التي لم يكتشف تلوثها بالقنابل العنقودية بعد، والأودية وخراج القرى والهضاب البعيدة عن القرى والتي يحتوي بعضها حقولاً وأراضي زراعية، وخصوصاً الكثير من مراعي المواشي التي تقع في صلب الاقتصاد الجنوبي.

وتعتبر الأودية وخراج القرى أولوية متأخرة عن الحقول الزراعية القريبة التي تشكل خطراً أكبر على حياة الناس واقتصادهم. وستؤجل المناطق البعيدة نسبياً إلى العام 2008. وتعمل على تنظيف المساحات الملوثة وتحت مظلة مركز التنسيق تسع شركات، جمعيات ومنظمات حكومية موّلت بطرق مختلفة وعبر الأمم المتحدة. ويعمل في إطار هذه الشركات والجمعيات 1300 شخص غير الفرق التابعة للجيش اللبناني وفرق اليونيفل التي تساهم على طريقتها في نزع الألغام والقنابل العنقودية.

تتحرك اليونيفل بطريقتين: تنظيف الأراضي للاستخدام الخاص (مقراتها ومواقعها)، وعبر عمليات تقع ضمن نص القرار 1701 الذي يذكّر بضرورة العمل في الشؤون الإنسانية، ومن فرق اليونيفل من قرر العمل في إطار تنظيف القنابل العنقودية ونزع الألغام.

وبالنسبة للألغام التي تتولى نزعها وتموله دولة الإمارات، يتوقع مركز التنسيق ومشروع عملية التضامن الإماراتي، وفق فرّان، الانتهاء من تنظيف المنطقة السادسة من الألغام مع نهاية 2007. ومع تنظيف المنطقة السادسة تبقى ألغام الخط الأزرق المقدرة بـ 375 ألف لغم بالإضافة إلى بعض «التفويتات» في داخل بعض القرى الحدودية ومنها مارون الراس وعيترون ومروحين والغام الحرب اللبنانية في سوق الغرب والبترون.

وكان المسح الوطني لأثر الألغام الذي قامت به المجموعة الاستشارية الخيرية البريطانية في العام 2003، أشار إلى أن الألغام الأرضية أو القذائف غير المنفجرة موجودة في 22 قضاء من أصل 24 في لبنان، وتغطي مساحة 137 كيلومترا مربعا، ما يؤدي إلى عرقلة التنمية الاجتماعية الاقتصادية ويلحق ضررا بأكثر من 30 في المئة من سكان البلاد البالغ عددهم 3 ملايين و700 الف نسمة.

ويقدر عدد الألغام بـ 400 الف لغم، 57 في المئة منها في المناطق المجاورة للخط الأزرق ما يضر بـ 90 الف نسمة تعتاش الغالبية منهم على الزراعة والعمل اليومي الزراعي. وسبق لمصادر الجيش اللبناني أن أكدت على وجود 440 ألف لغم مضاد للأفراد والآليات في محافظتي الجنوب والنبطية، تؤثر على حياة 500 ألف شخص يعيشون في 150 مجتمعا محليا.

وتعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة الممول الأكبر في عمليات نزع الألغام في مكتب التنسيق. تعهدت الإمارات بنزع الألغام في المنطقة السادسة التي تقع شمال الليطاني وتضم مناطق جزين وحاصبيا والنبطية (حوالي 25 ألف لغم)، وهي بقيت ملوثة بالألغام منذ ما قبل تحرير العام 2000.

وبالإضافة إلى المنطقة السادسة تعهدت الإمارات بتنظيف القنابل العنقودية من كل المنطقة التي كانت نزعت منها الألغام بعد التحرير وتشمل جميع القرى الواقعة في الشريط الذي كان محتلاً، وتقدر مساحة هذه المنطقة بـ 580 كيلومترا مربعا.

وبالنسبة لحقول الألغام على الخط الأزرق وفي قرى مارون الراس وعيترون ومروحين وبقية الحقول، لم تطلب الدولة اللبنانية من الأمم المتحدة ولا من دولة الإمارات تنظيف هذه الحقول وخاصة تلك الواقعة على الخط الأزرق، كما أن الدولة لم تسمح بتنظيفها حين طلب مكتب التنسيق ذلك.

وكان مركز التنسيق لنزع الألغام طلب من الدولة اللبنانية في العام 2005 السماح بتنظيف حقول ألألغام في قرى مارون الراس وعيترون ومروحين لما تشكله من خطر على الأهالي والمزارعين ورعاة الماشية فوافقت الحكومة حينها على حقول مارون الراس فقط.

وبذلك باشر فريق أخذ العينات في الجيش اللبناني، وهو فريق مدرب وكان شبه مفرغ للعمل مع مركز التنسيق، بتنظيف حقول مارون إلى حين اندلاع حرب تموز فتم سحبه حينها بطبيعة الحال.

القرى والبلدات المتضررة

وثّق مركز التنسيق لنزع الألغام التابع للأمم المتحدة في صور 185 بلدة جنوبية على ألأقل رصد فيها تلوث بالقنابل العنقودية منها:

عدشيت، عدلون، عباسية، عدشيت القصير، عين إبل، القلع، العريض، العيشية، البياض، الحنينة، الجميجمة،المنصوري، بيوت السياد، المالكية، النبطية التحتة، القنطرة، القصير، القليلة، السماعية، الصوانة، علما الشعب، علمان، الأميرية، انصار، عربصاليم، ارنون، الطيري، عين إبل، عيناثا، عيتا الجبل،

عيتا الشعب، عيتا الظط، عيترون، عيتيت، بافليه، باريش، باتوليه، بيت ياحون، بازورية، بيت ليف، بنت جبيل، بلاط، بليدا، برج الشمالي، برج قالويه، بيوت السياد، دير عامص، دير الزهراني، دير ميماس، دير قانون النهر، دير قانون راس العين، طيبات العرب، الطيبة، فرون، غندورية، حبوش، حداثا، حلوسية،

حناويه، حانين، حاريص، حتشيت، هباريه، حنية، حومين الفوقا، الحوش، حوش حي المرتضى، حولا، حومين الفوقا، حميري، جناتا، جبال البطم، جبشيت، جميجمة، جويا، كفردونين، كفررمان، كفر صير، كفرا، كونين، كوثرية السياد، خربة سلم، كفرشوبا، حلتا، كفركلا، كفرصير، كفرتبنيت، خيام، قوسايه، معالي، معروب، محرونة، ميدون، مجدل زون، مجدل سلم، مالكيه، معركة، مارون الراس، مروحين، مزرعة شالبعال،

مزرعة مشرف، النبطية، النبطية الفوقا، النبطية الشرقية، النميرية، الناقورة، النفاخية، قعقعية الجسر، قانا، قلايا، القصيبة، راميا، راشيا الفخار، رمادية، رشاف، رومين، صفد البطيخ، سهل باتوليه، سير الغربية، سجد، شقرا وبرعشيت، شمعة، شعيتية، شاهين، شوكين، صديقين، السلطانية، صربين، صريفا، صرير، طلوسة، طير دبا، طيرفلسيه، طيرحرفا، تبنين، تولين، تورا، صور، وادي جيلو، وادي الحجير، وادي السلوقي، يانوح، يارون، ياطر، يحمر، زوطر الغربية، زوطر الشرقية، زلاية والزرارية.

القنابل أغلبها أميركية

بعد تفجير أكثر من 120 ألف قنبلة عنقودية يمكن التأكيد أن ثمانين في المئة منها هي أميركية الصنع والباقي إسرائيلي وهناك جزء بسيط لا يتجاوز الواحد في المئة من صنع الصين. وأكثر الأنواع استعمالاً ضد الأراضي اللبنانية حالياً هي: ٍ64 وٍ24 وٍ77 الأميركية وٍ58 إسرائيلية وهناك ٍ»ل2 وهي صينية الصنع.

ووفقاً للنتائج الميدانية على الأرض جرى إثبات حقيقة غير معروفة عن القنبلة العنقودية ٍ58 التي صنعتها إسرائيل وسوقتها وباعت منها بمليارات الدولارات إلى دول كفنلندا والنرويج وغيرها. وتخلصت هذه الدول من سلاحها القديم العنقودي واستبدلته بقنابل إسرائيل العنقودية المعروفة بـ سٍفَُّّْ ِّل أي القنابل غير المنفجرة الذكية على أساس تمتعها بنظام تدمير ذاتي بعد فترة جد قصيرة من وقوعها على الهدف وفي حال عدم انفجارها.

ومن شأن امتياز التدمير الذاتي أن يخفف من مشكلة استعمال القنابل العنقودية الممنوعة على أهداف مدنية وكذلك من تأثيراتها على حياة الناس والمدنيين بعد الحرب. وسوقت إسرائيل قنابلها (غير المنفجرة الذكية) على أساس أن نسبة الفشل فيها لا تتجاوز الواحد في المئة نظرياً ولكن استعمالها في العدوان على لبنان أثبت أن نسبة الخطأ فيها وبالتالي عدم نجاحها في تدمير ذاتها تصل إلى عشرة في المئة، وهي نسبة ليست بأفضل كثيراً من القنابل العنقودية الأخرى والتقليدية التي تخلصت منها الدول المشترية.

وأُلقيت القنابل العنقودية بواسطة حاويات تختلف سعتها وفقاً لنوعها، لكن في المبدأ تحتوي الحاوية المقذوفة من المدفعية على 88 قنبلة عنقودية بينما تصل سعة الحاوية الصاروخية إلى 644 قنبلة عنقودية. وتعرف الحاوية الملقاة من المقاتلة العسكرية بالخزان وتحتوي على 650 قنبلة عنقودية. وتنتشر القنابل العنقودية لدى انفجار الحاوية على مساحة 25 ألف متر مربع من الأراضي ملوثة الأمكنة التي تقع فيها لتتحول إلى قنابل موقوتة تنفجر بمجرد لمسها.

جنوب لبنان ـ سعدى علوه

تنشر بترتيب خاص مع الزميلة «السفير» اللبنانية