تشهد منطقة المغرب العربي حركة كبيرة دفعت عددا كبيرا من المحللين إلى توقع تغييرات في الأمد القريب قد تصل إلى حد كسر كل الحواجز بعقد قمة يكون فيها العاهل المغربي الملك محمد السادس على طاولة مشتركة مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لبحث آفاق تطور المنطقة وإعادة الحياة للاتحاد المغاربي.

ففضلا عن الاجتماعات القطاعية التي تناوبت العواصم الخمس على احتضانها، يسعى الأمين العام لاتحاد المغرب العربي الحبيب بن يحيى لتنسيق المواقف يرجح أن يكون الغرض منه تتويج هذه الاجتماعات والاتصالات بقمة ستكون تاريخية بالتأكيد وفي مستوى قمتي زرالدة بالجزائر ومراكش بالمغرب اللتين أعلن فيهما عن ميلاد الاتحاد قبل 17 عاما.

وأجرى بن يحيى قبل أيام محادثات مع رئيس الحكومة الجزائرية تناولت موضوع إنعاش مؤسسات الاتحاد وآفاق عقد قمة مغاربية في الشهور المقبلة. وأعلن بيان عن رئاسة الحكومة الجزائرية حصول محادثات بين الجانبين تمحورت حول البناء المغاربي وتعزيز العمل المشترك وتطوير التعاون في مختلف المجالات. وجاء الاجتماع في سياق عمل واسع يقوم به الأمين العام لاتحاد المغرب العربي تضمن لقاءات مع كبار المسؤولين في الدول الخمس.

وفي تصريح للصحافة على هامش حضوره اجتماع وزراء الثقافة لبلدان الاتحاد بالجزائر الأسبوع الماضي قال الحبيب بن يحيى «لمست عند لقاءاتي بالمسؤولين في بلدان الاتحاد إرادة مشتركة للتحرك وتطوير عمل الاتحاد المغاربي» واستنتج من هذا الاهتمام أن «الأمور تسير بصفة إيجابية نحو عقد قمة قبل نهاية العام».

وبحسب السير العام لتطور الأوضاع في منطقة المغرب العربي فإن ثلاثة عوامل على الأقل دفعت إلى تقليص حجم الهوة بين الأطراف لاسيما بين المغرب والجزائر. أولها على الإطلاق قرار مجلس الأمن الذي يحدد طرفي النزاع بخصوص مشكلة الصحراء الغربية بين القوة المحتلة للإقليم وهي المغرب والقوة التي تطالب باستقلاله وهي جبهة البوليساريو وبداية المفاوضات بين الجانبين في نيويورك لتسوية الخلاف.

وسمح قرار مجلس الأمن ببدء المفاوضات بتراجع المغرب عن موقفها السابق الذي يصر على الجزائر طرفا في النزاع ويجب أن تكون طرفا مباشرا في المفاوضات. وهذا التراجع بدوره قلص المواجهات السياسية والحملات الإعلامية بين الطرفين، وجعل موقف الجزائر المؤيد لتقرير مصير الصحراويين مستقلا عن الحل الذي يفترض أن يكون بين الطرفين المتنازعين وضمن إطار الأمم المتحدة.

أما ثاني العوامل التي أدت إلى التحرك لإحياء الاتحاد فهو الضغط الدولي على دول المنطقة لاسيما الجزائر والمغرب لتشكيل تكتل متكامل اقتصاديا. وسبق للولايات المتحدة أن عرضت «مبادرة ازنشتايت» للتعاون الأميركي الجزائري متعدد الأشكال على أن يكون مسار التعاون بين الأطراف قويا ولا تشوبه خلافات تقوض مساعي التطور والتكامل.

كما عرض الاتحاد الأوروبي تعاونا بالجملة مع البلدان الخمسة ككتلة مع أنه وقع اتفاقيات منفردة مع ثلاث دول منه هي تونس والمغرب والجزائر. وفي المدة الأخيرة أضيف عامل حاسم سيسرع بالتأكيد التقارب والعمل المشترك وهو الانتشار الرهيب للنشاط الإرهابي في المنطقة وتوسع تنظيم القاعدة في منطقة المغرب العربي ودول الساحل جنوب الصحراء وهذا الانتشار استدعى اهتماما دوليا تقوده الولايات المتحدة وتلعب دول المغرب العربي فيه دورا كبيرا.

وساهمت التهديدات التي أطلقها تنظيم القاعدة في بلدان المغرب الإسلامي مؤخراً ونقل عملياته على كل من تونس والمغرب في تحرك أمني واسع بالمنطقة، حيث رفعت أجهزة الأمن الجزائرية والتونسية والليبية مستوى التنسيق إلى أقصى درجة وصار العمل المشترك حدث كل يوم سواء على الحدود أو من خلال الاتصالات والاجتماعات على مستويات قيادية.

كما بدأ التنسيق بين الأمن الجزائري والمغربي في مراقبة الجماعات الإرهابية على الحدود بين البلدين.وأدى هذا إلى اعتقال 16 شخصاً من المغرب كانوا قد دخلوا الجزائر في ثوب الهجرة غير الشرعية طلبا للعمل لكن تبين بعد استجوابهم من البوليس المغربي أن دخولهم للجزائر كان بغرض الالتحاق بكتائب القاعدة للتكوين والتدريب للقيام بنشاط تخريبي في المملكة. وأوقف الأمن الجزائري هؤلاء في مايو الماضي وسلمهم للجهات القضائية المغربية.

ومن أهم التطورات على صعيد التعاون المغربي الجزائري عرض الملك محمد السادس على الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في رسالة وجهها له بمناسبة أعياد استقلال الجزائر، التعاون بلا حدود في مجال مكافحة الإرهاب. وهو أمر لم يكن متاحا من قبل حيث كانت الجماعات الإرهابية الجزائرية التي تنشط غرب البلاد تحتمي وراء الحدود المغربية حين تداهمها قوات الجيش الجزائري في جبال تلمسان وبشار وغيرها..

حتى أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة صرح شخصيا عام 2000 بأن المغرب لا يتعاون في محاربة الإرهاب في الجزائر وأكد في خطاب علني بأن مجموعة إرهابية قتلت عشرات المدنيين في ولاية بشار هربت إلى المغرب بعد تنفيذ جريمتها. وسبق للجزائر أن طلبت التعاون الأمني مع المغرب لكن الاتفاق لم يحصل. وما يجري هذه الأيام تحول كبير بالقياس إلى ما كان عليه الوضع قبل سنوات. هذه المعطيات كانت كافية لحدوث ليونة في المواقف قد تسمح بعقد قمة مغاربية بعدما غابت مدة 12 عاما.