قبل أيّام عندما رأت لمى (3 سنوات ونصف) سيّارة محطّمة في حادث سير سارعت إلى اتّهام مقاتلة إسرائيلية بأنها تقصف السيّارات. قالت إنها ستضرب «الطيارة» بالعصا، عندما تراها. وتحمل لمى دمية وقد انكسرت يدها. وتسأل أمها «بتعرفي مين كسر إيد دورا (الاسم الذي تطلقه على دميتها)؟».

في الواقع لا تنتظر لمى رداً فالإجابة عندها جاهزة: «إسرائيل قصفت دورا.. وإسرائيل قتلت القطة لوسي، ولن يبقى لنا ورود حول المنزل لأن الطيارة ستقصفها». وتصل لمى أحيانا في لحظة ضيق كبير من تجربتها في الحرب إلى حدّ الإعلان عن أن الناس كلهم سيموتون بالقصف.. ولما تُسأل أي ناس تعنين، تجيب بأن «إسرائيل تريد قتل كل البنات!».

لمى هي ابنة د. فوزي أيّوب الباحث والأستاذ الجامعي في كليّة التربية في الجامعة اللبنانية. اتّخذها مثالاً في مقدّمة دراسة أعدّها تحت عنوان «التأثيرات النفسية والتربوية لحرب يوليو 2006 على الأطفال والتلاميذ في لبنان». وتأتي دراسة أيّوب لتطرح أسئلة حول المشكلات النفسية والتربوية التي يعاني منها أطفال لبنان وحول الوسائل المستخدمة لاحتواء الصدمة النفسية للحرب.

و يوضح فيليب دواميل، منسق عمليات الطوارئ التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة «يونيسف» في لبنان، أن دراسات المنظمة تبيّن أن 5,3 في المئة من أطفال ومراهقي الجنوب يحتاجون إلى علاج طبي نفسي وأن 95 في المئة يحتاجون إلى دعم نفسي للخروج من صدمة الحرب.

المشكلات النفسيّة

في الباب الثاني من دراسته، يقدّم أيّوب «وصفاً للمشكلات النفسية الناجمة عن الحرب عند الأطفال والتلاميذ»، ويوضح أن «العدوان ترك انعكاسات نفسية عميقة عند الأطفال والمراهقين»، لافتاً إلى أن عمليات الدعم والعلاج النفسي بعد الحرب أظهرت أن الأطفال كانوا الفئة الأكثر تضرراً من الناحية النفسية.

وفي مناطق واسعة من لبنان تعرض الصغار لخطر الموت الداهم، وانتابهم الذعر من عمليات القصف الجوي الإسرائيلي، حتى أنه بات يصح الحديث عن ظهور «عقدة الطائرة» عندهم. أما في الباب الثالث من دراسته «وسائل المساعدة النفسية المستخدمة مع الأطفال والمراهقين».

يشرح أيوب أن «الوسائل المستخدمة في مواجهة الآثار النفسية لحرب يوليو الأخيرة تنوّعت بين وسائل نفسية تفريجية قائمة على تفريغ شحنة الحرب من داخل الأطفال وبين وسائل نفسية علاجية ووسائل طبية دوائية بالإضافة إلى تشكيلة من التقنيات المتفرقة.

وتعتمد عملية تفريغ شحنة الحرب من وجدان التلاميذ على تقنيات كثيرة، أهمها: التعبير الحر عن مشاعر الغضب تجاه الحرب وتفريغها من خلال الإجابة عن أسئلة موجهة، الرسم وتحليله، الأشغال اليدوية، لعبة الحرب، السيكودراما وتمثيل أدوار العدو والصديق، الألعاب الرياضية، كتابة نص حول شعور التلميذ تجاه الحرب أو أي موضوع يشعله، مناقشة سلبيات الحرب وإيجابياتها والمواقف منها.

وفي الباب الأخير من دراسته، يعالج أيّوب «التأثيرات التربوية للحرب على التلاميذ» قائلاً إنه «إذا كان الأطفال والمراهقون قد دفعوا فاتورة حرب 2006 من صحتهم النفسية، فإنهم يدفعون فاتورتها أيضاً من تحصيلهم الدراسي لهذا العام وربما لسنوات لاحقة.

وبعد مرور حوالي ثلاثة أشهر على بداية العام الدراسي بدأت تظهر آثار دراسية مباشرة على التلاميذ تمثلت بتراجع في التحصيل العلمي مقارنة مع ما كانوا عليه في الفترة نفسها من العام السابق. وقد ظهرت هذه الآثار حتى على المتفوقين، ويعود ذلك لأسباب متنوعة إما كرها في المدرسة أو عدم الاقتناع بجدوى التعليم وتراجع الدافعية إليه.

أو قلة التركيز والشرود الذهني في الصف. فضلا عن إضراب السلوك المتمثل في تزايد الميل إلى العدوانية والفوضى.ويخلص د. أيّوب إلى أن «حجم التعرض لصدمة الحرب على الأطفال والمراهقين في لبنان كان كبيراً ولكن ومن المتوقع أن تتراجع أعداد المتأثرين نفسياً بها مع مرور الزمن في حال عودة الهدوء والاستقرار إلى لبنان».

ومع أن الجهود التي جرت لاحتواء الصدمة النفسية للحرب كانت كبيرة وفعالة في كثير من الحالات، فإن معظم هذه الجهود توقف مع بداية العام الحالي بينما تزداد الحاجة إلى تفعيل جدي لدور جهاز التوجيه التربوي والإرشاد النفسي في وزارة التربية والتعليم اللبنانية بحيث تتولى عناصره عمليات تدريب المعلمين على اكتشاف الحالات النفسية الصعبة في المدارس تمهيداً لتحويلها إلى مركز العلاج أو معالجتها على يد المرشدين النفسيين أنفسهم.