يلخّص الباحث ومؤلف المرجع القيم: «الشريط اللبناني المحتل» د. منذر جابر أبرز المحطات التاريخية لعلاقة أهل الجنوب بالجيش منذ التفاعل الأول كرفاق سلاح وحتى انقسام العسكر مع بداية الحرب الأهلية ورحيل الجيش النظامي عن المنطقة في منتصف السبعينات بالقول إنه في العام 1948 شارك الجيش اللبناني في القتال إلى جانب «جيش الإنقاذ» ضد العدو الإسرائيلي وكانت معركة المالكية الشهيرة، وامتدت إلى يوشع واستشهد فيها النقيب محمد زغيب (وهو من قرية يونين البقاعية) كما أصيب معروف سعد.
لم يمت زغيب مباشرة، بل نقل من أرض المعركة على الأكتاف، ونسجت حول ذلك اليوم قصص وروايات، فصار كل من عاصر تلك الفترة يفاخر بأنه كان ممن حملوه، أو بأن الشهيد خصّه بكلمة أو نظرة قبل أن يفارق حياته المشرّفة. كان في جيش الإنقاذ أيضاً متطوعون جنوبيون ما أحدث تقارباً آنذاك مع الجيش اللبناني.
في حرب العام 1956، سحبت إسرائيل قواتها كافة حتى قوات حرس الحدود مع الجنوب اللبناني لترسلهم إلى جبهة السويس. يومها تحرك بعض الأهالي في قرى منطقة الشّعب: الزلوطية وأم التوت والبستان والضهيرة ومروحين ويارين ورامية، ممن ينتمون إلى عشيرة عرب العرامشة، وهؤلاء لهم أولاد عم «لزم» في فلسطين المحتلة.
أزالوا الشريط الفاصل بكل بساطة وزاروا بعضهم البعض. لكن ضابطاً لبنانياً برتبة ملازم وكان في نقطة عسكرية في جبل المعتصم أعاد الشريط إلى مكانه وأوقع بالفاعلين عقوبات.. هذا الضابط لم يكن سوى أنطوان لحد الذي انشق لاحقاً عن الجيش النظامي وترأس «جيش لبنان الجنوبي».
استمر التعاطف الجنوبي مع الجيش ورافق قيادته وسياسة فؤاد شهاب لاسيما مع تولي الأخير حكومة مؤقتة إثر الفراغ الرئاسي الذي أنتجته استقالة الرئيس بشارة الخوري، علماً أن شهاب أعطى الانطباع وقتها بزهده في تولي رئاسة الجمهورية.
كانت سياسة فؤاد شهاب بشكل عام قريبة من العروبيين (أي حميد فرنجية، والجبهة الاشتراكية بقيادة كمال جنبلاط وحزب النداء القومي بزعامة تقي الدين الصلح وقبولي الذوق وعلي بزي الذي كان أمين سر مؤتمر دير القمر الذي تنحى على أثره بشارة الخوري عن رئاسة الجمهورية. فقد رفض الجيش اللبناني خلال ثورة العام 1958 ضد الرئيس كميل شمعون الاصطدام بالمقاومة الشعبية ما كرّس النظرة الإيجابية للجيش في الجنوب، خصوصاً أن الزعامة الجنوبية الأساسية المتمثلة بأحمد الأسعد كانت إلى جانب الثورة.
يذكر هنا، أن الجيش ظل يمثل للجنوبيين صورة الأمن والأمان في الفترة ما بين عامي 1969 و1978. إذ كان هناك إحساس بأن الجيش اللبناني ليس في وارد قتال إسرائيل، كما أن إسرائيل ليست في وارد ضرب الجيش اللبناني. لذلك كان وجود نقطة عسكرية في منطقة ما مدعاة لشعور أهلها بأنهم محميون.
نعود إلى الستينات. فمع صعود الرئاسة الشهابية ونمو اليسار بمعنى التنظيم الحزبي بدأت تطرح في «السوق» السياسي اللبناني وبشكل أكثر جدية الاتجاهات الوحدوية لاسيما مع تغنّي بعض الأحزاب اللبنانية مثل: البعث، حركة القوميين العرب بالوحدة بين سوريا ومصر.
لم يعد الاتجاه العروبي مجرد تيار سياسي بل صار منظومة لأحزاب. واستجدت في هذه الفترة الشعبة الثانية، وهي مكتب المخابرات العسكرية الذي بات يتدخل في مفاصل حياة المجتمع المدني والأهلي. وصار ضباط المعلومات في المراكز العسكرية، وحتى رتباء وأنفار المعلومات، أوصياء على اللعبة الإدارية والاجتماعية والانتخابية في قرى الجنوب ومراكز الإدارة الخ.
وأدرك فؤاد شهاب حقيقة أنه إذا كان يريد أن يصعد إلى سدة الرئاسة فعليه أن يجمع حوله توافقاً عربياً خصوصاً في ظل التحولات السياسية التي راقبها بتمعن: حرب 1956، وفشل حلف بغداد، ودخول الاتحاد السوفيتي إلى المنطقة، وثورة 14 يوليو (تموز) في العراق، وإلغاء الاتحاد الهاشمي العراقي الأردني، وثورة 1958 في لبنان. غير أنه عندما أصبح رئيساً كرّس الأجهزة الأمنية صولجاناً لحكمه وفي مقدمتها جهاز الشعبة الثانية الذي كان عليه أن يتعاون مع جهاز آخر قوي على حدوده، وهو جهاز الجمهورية العربية المتحدة بقيادة المقدم (يومها) عبدالحميد السراج.
كان شهاب يرى ضرورة لأن يكون هناك جهاز فوق الكل. لكن هذا الجهاز كان، عملياً، فوق الجو السياسي الذي يمكن أن يشكل خطراً على سياسته وقد رمت فعلاً إلى إنشاء دولة. وكان هذا المزاج قريباً من الجمهورية العربية المتحدة.
في مواجهة السطوة الاستخباراتية العسكرية، كانت الطوائف اللبنانية حامية لنفسها. فالثنائية المارونية السنّية التي بني عليها لبنان 1943، شكلت حماية للسنّة، بل وأوصلت تياراتهم السياسية إلى مجلس النواب (مجلس العام 1958) لذلك لم تجرؤ الشعبة الثانية إذ ذاك على اعتقال سنّي يهتف للعروبة، ولا ننسى الغطاء العربي للسنّة.
لكنها استطاعت أن تستقوي على الحزبيين الآخرين. وهكذا، كانت غالبية ضباط المعلومات فعّالة في الجنوب، وأشهر هؤلاء الضباط الزعيم أنطوان سعد (والزعيم في تلك الأيام كانت رتبة عسكرية، ألغيت في ما بعد وهي تعادل رتبة العميد اليوم) بالإضافة إلى جورج حروق، ونزيه راشد.
إذن، في الستينات بات الجنوب اللبناني منطقة ثقل (بوجود حزب البعث، والناصرية واليسار) قادرة على فرط النظام الحاكم. وقبل ذلك، في 9 يوليو 1955 أعلن الجنوب منطقة عسكرية ومُنع على مَن هم مِن خارج المنطقة (لبنانيين وغير لبنانيين، خصوصاً الفلسطينيين) دخولها إلا بموجب إذن عسكري يستحصل عليه من ثكنة محمد زغيب في صيدا. ثم إن انطلاقة الثورة الفلسطينية في مستهل العام 1965 دفعت بمخابرات الجيش اللبناني إلى تكريس جزء من نشاطها لمراقبة الأحوال السياسية في الجنوب.
كان للثورة الفلسطينية وقع سياسي عام، بالإضافة إلى الوقع السياسي في الجنوب، قومي الهوى. وللعلاقات التاريخية الوطيدة بين الجنوب اللبناني وبين فلسطين، تأثير طبعاً، بحكم الجوار والتعاضد الاقتصادي والاجتماعي، لاسيما بين النازحين الجنوبيين واللاجئين الفلسطينيين.
على هذا النحو بات أي تحرك للجيش في مراقبة قوات الثورة يعادل حصاراً للجنوبيين. وتحول الموقف إلى تحالف بين الفلسطينيين والجنوبيين، غذّاه تبني الأحزاب القومية واليسارية لمنهج وأفكار الثورة الفلسطينية. فتجذرت مشاعر العداء للجيش وقوى الأمن اللبنانيين اللذين لم يقصرا بدورهما في اكتساب هذا العداء بـ «جدارة». ومثل على ذلك هو «حوادث المكلس» عندما حاول الجيش اللبناني إزالة بيوت غير شرعية مبنية على الأملاك العامة ما أدى إلى اشتباك، وقتل مجموعة من المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين الجنوبيين.
بات الدم موحداً في مواجهة الجيش، ناهيك عن الاعتداءات الإسرائيلية التي باتت متكررة على الجنوب من بعد العام 1965. فراحت الناس تهتف علناً ضد الجيش مستنكرة عدم حمايته لهم، إما من خلال عدم تسليحهم للدفاع عن أنفسهم، أو لأن الجيش لا يقوى على الدفاع. وكانت الفكرة اليسارية فلسطينية الهوى قوية يومها بأن التسليح كاف لهزيمة إسرائيل.
ومن الهتافات الشهيرة في تلك الفترة: «بدنا تسليح الجنوب من الناقورة للعرقوب». كل ذلك سهّل على الفلسطينيين إقصاء الجيش بالكامل عن مشهد الفعل السياسي في الجنوب، إذ تم تصويره كقوة نذلة وجبانة وبدت الناس غير آسفة على خروجه من المنطقة في منتصف السبعينات، علماً أن الخروج الرسمي للجيش تم في العام 1976 إثر انقسامه إلى جيوش متعددة:
جيش أنطوان بركات، وجيش لبنان العربي (أحمد الخطيب)، والجيش العربي (إبراهيم شاهين)، بالإضافة إلى الجيش الرسمي. يشار إلى أن أحمد الخطيب سيطر على ثكنات الجنوب، ولاحقاً برز جيش سعد حداد الذي أنشئ بصيغة مشكوك فيها ما بين تحريض رسمي على الوجود في الجنوب وبين مبادرة شخصية من حداد.
وتجلّى الموقف الشيعي المجانب للجيش في ضعف الانتساب إليه. إذ كاد، في بعض القرى أن ينتفي وجود أي عسكري منتسب. وحتى في حال وجوده كان على الأرجح من عائلة هامشية. فأضحى الشيعة من عناصر الجيش على هامش الحياة السياسية في بلداتهم، لأنك إذا كنت منتسباً إلى المؤسسة العسكرية آنذاك فهذا يعني، في عرف المحيط، أنك مخبر. ولا شك في أن الشعبة الثانية ساهمت في تكريس هذا الاعتقاد.
