لمدة تتجاوز 30 عاماً غاب الجيش كحضور رسمي عن الجنوب اللبناني. ينهي عسكر لبنان الشهر المقبل العام الأول على عودتهم إلى الأرض المنتصرة والجريحة.
تقلبت كثيراً صورة الجنود اللبنانيين في عيون الجنوبيين طوال الأعوام التي سبقت انقسام وتقهقر الجيش النظامي إلى خارج القرى والبلدات الجنوبية في منتصف السبعينات. لم تتماسك، على مدى تلك الفترة الطويلة، رؤية جامعة لحامي الاستقلال (على ما يقول النشيد الجمهوري) في تلك العيون. حتى في «العين الواحدة» لم تستقر صورة واحدة.
تباينت علاقات المؤسسة العسكرية بأهالي الجنوب على إيقاع طلعات وسقطات عنيفة وهادرة، تغيّرت وتمّوجت بألوان التحولات السياسية والأمنية العميقة التي عصفت بالبلاد خلال مرحلة ذات دلالات كبرى في تاريخ المنطقة.
بين الأداء السياسي والعسكري الذي صبغ تولّي فؤاد شهاب حكومة انتقالية قبل توليه رئاسة الجمهورية، ثم انقلاب هذه السياسة جذرياً بعد الرئاسة الشهابية للجمهورية. وبين أحداث نهر البارد المستمرة حتى اللحظة، والرامية بظلالها، ولو من بعيد، على نبض الشارع الجنوبي إزاء العسكر اللبناني الرابض في زواياه ووسط بلداته وعلى حدوده مع العدو الإسرائيلي.
تبدو مهمة الإحاطة بالمزاج الجنوبي الراهن في ما يتعلق بالجيش مليئة بالتحدي، على طريقة تركيب «بازل» من آلاف القطع. وفي الوقت نفسه، يسوقك التجوال في بعض القرى الجنوبية اليوم إلى انطباعات عدة ومختلفة، وأحياناً بسيطة: من تعاطف الأهالي مع الجيش وشهدائه في نهر البارد، إلى محبة من القلب وتشكيك من العقل بقدرة هذا الجيش على حماية الجنوب فعلاً بالمقارنة مع «حزب الله» إلى الاحتفاء بعودته ممثلاً للشرعية والدولة بعدما سادت الميليشيات طوال أعوام مصيرية.
انبعاث من رماد
من بيروت إلى الجنوب تتوالى اللوحات الإعلانية المثبتة على جانبي الطريق. ملصق جديد ضخم يقول: «رمادي حياة للبنان»، وفي وسطه رسم لجناحين رماديين وأرفين، يمثلان طائر الفينيق الشهير المنبعث دوماً حياً من رماده، وينبثقان عن دائرة شعار الجيش ذي الكلمات الثلاث: شرف، تضحية، وفاء.
تكسر السلسلة الترويجية العسكرية «إعلانات» تخبر المار بسيارته عن عدد جسور المشاة التي تمول إيران بناءها من بعد حرب الصيف الماضي، وأخرى تعده بأن الصورة الغائمة لموقع الانفجار الذي استهدف الرئيس الشهيد الرفيق الحريري ستتضح الآن وقد أقرت المحكمة الدولية تحت البند السابع.
تعود إلى المزاج العسكري العالي مع ملصق تجاري كبير، موقّع من قبل أبو مرعي جروب يظهر جندياً مموهاً، بكامل عتاده ويصوّب على هدف غير مرئي: «الله معك... كلنا معك».
شحنة أولية من المفارقات التي لا يسبر «فذلكتها» سوى المتابع الحثيث لعقد السياسة اللبنانية الداخلية. في أرنون، يدل المختار علي غزال، إلى الموقع الشهير الذي شغله الجيش اللبناني (بين 1960 و1975) تحت قلعة الشقيف المطلة من تلّتها على القرية. يشير بيده إلى ما تبقى من الدشم الحجرية المميزة والمتينة، والمغروس نصفها في الأرض: «عندما ضرب الطيران الإسرائيلي في أوائل السبعينات خلّف حفراً بعمق أربعة أمتار ولم ينل من هذه الدشم التي اختبأ العسكر خلفها فلم يمت منهم أحد»، مضيفاً أن الموقع كان يضم أيضاً مدفعية ومضاداً للطيران.
بحسب غزال، فإن أرنون (حوالي أربعة آلاف نسمة) ذات التاريخ «الأسعدي»، قدمت حوالي 20 منتسباً إلى الجيش ومنها 15 متقاعداً. ويقول: «طبعاً نحب الجيش، لا أحد يحمي البلد غير الدولة، تماماً كما أنه لا أحد يقاتل الاحتلال كما المقاومة». المعادلة هنا تقول بحماية الجيش لـ «يوميات» القرية فيما تعود الحماية من المعتدي الإسرائيلي إلى المقاومة.
في الربيع الماضي كان الحاجز الموجود الآن في ساحة أرنون يضم نحو 20 عسكرياً وملالتين. لكن الأخيرتين سُحبتا مؤخراً وأرسل جزء كبير من الجنود إلى نهر البارد. مقابل الحاجز نفسه تجلس مجموعة من الشبان على «سطيحة» محل مقفل وقت الظهيرة. يتحادثون ويدخنون.
يقول محمد رمال (23 عاماً) الذي أنهى المرحلة التعليمية المتوسطة ويعمل الآن في العمار: «نعرف الكثير من الجنود الذين يأتون إلى هنا، بعضهم من محيط النبطية، وكنا في الأصل أصحاباً نلعب وإياهم البلياردو، بل نحن من بنى لهم هذا «الغريت»، قاصداً الغرفة الصغيرة المعهودة على الحواجز.
يتضح، بعد دردشة متحفظة، أن محمد منضو ضمن «حزب الله» منذ العام 1997: «قبل فترة قررت التطوع في الجيش لكنهم رفضوني لأني وحيد أهلي. لم أكن أنو ترك الحزب طبعاً، لكني فكرت في تأمين مستقبلي. الجيش أسهل. فربما أتمكن، مع بعض المساعدة، من البقاء قرب أهلي، ويمكنني أن أضع البارودة وأذهب إلى قيلولة بعد الظهر في البيت. انضباط الحزب أقوى بكثير، ولا أحد يعرف أين يصبح، لكن المدخول والتقديمات أفضل من الجيش بكثير».
ثم يستدرك محمد:
«المهم أني غيّرت رأيي، ومنيح أنهم رفضوني في الجيش، فأنا في رأسي ثلاث كلمات لا غير: إيمان، جهاد، شهادة. أفضل الآن أن أموت بعزّة، لا تسأليني عن قصدي، افهميها أنت كما تريدين». أما مهدي عطية (19 عاماً ويدرس الرسم المعماري في مهنية النبطية) فيفهم إيجابية وجود الجيش في صلاحية إيقاف أي سيارة مشتبه بها، «بينما الحزب، ولو أنه لاقط المنطقة، لا يستطيع أن يفعل ذلك لأنه ليس الدولة».
كفرتبنيت قريبة. نتوقف للسؤال عن مختارها، ليتبين أننا نتحدث إليه، وقد لفتته لوحة الإيجار الخضراء على السيارة، فربط لاحقاً بينها وبين تعالي الإحساس بالأمن الذاتي في المنطقة بسبب سلسلة السيارات المفخخة في لبنان: «أتتنا مؤخراً مجموعة تقول إنها تعمل مع جمعية إيطالية غير حكومية وتسعى إلى مساعدة الأهالي بعد حرب يوليو، لكنهم جالوا على المنازل وكانت أسئلتهم من نوع: أين شباب البيت؟ مسافرون؟ إلى أين؟... بلّغنا عنهم».
يقول المختار حسن فقيه إن الجيش كان موجوداً في كفرتبنيت قبل التحرير بحاجزي جيش ومخابرات، وأن هناك من كفرتبنيت حوالي 300 منتسب إلى الجيش وقوى الأمن، مع غالبية في الجيش. بعد التحرير، صارت هناك نقطة واحدة معززة للجيش. خلال الحرب انتقلوا إلى موقع يبعد حوالي 50 متراً عن موقعهم الأول «وكلما مر عناصر حزب الله بالجنود سألوهم إذا كانوا بحاجة إلى شيء، العلاقات طيبة دائماً».
أما في قرية كوكبا فالنظرة مختلفة، حيث كلام الأهالي لا يحيد عن حفاوة عارمة بـ «عودة الدولة»، وإن كان عديد الجيش غير كاف لمحاربة إسرائيل «لكن مجرد وجوده يحمل دلالة معنوية بالنسبة إلينا».
سيجونا بشريط!
في القليعة جارة الخيام، يبدو لمن يجول بين الأهالي أن كل بيت قد أخرج إما مهاجراً أو عسكرياً. كان تعداد القرية بحدود خمسة آلاف مقيم ومنذ العام 2001 تقلّص إلى أقل من النصف ووجهة الراحلين أوروبا في المقام الأول، بالإضافة إلى بضعة عائلات في إسرائيل، بحسب المختار شفيق ونا، الذي يضيف أن واقع الهجرة ازداد حدّة بعد حرب الصيف الماضي إذ بلغ سعر الفيزا الممهدة لتقديم طلب لجوء أربعة آلاف دولار في السوق السوداء.
ويقول المختار إن مداخيل أهل القليعة تتكل تاريخياً على أبنائها المنتسبين إلى الجيش بالإضافة إلى أقلية من معلمي المدارس (قبل العام 1975). ويضيف: «كنا قبل الحرب الأهلية الخزان البشري الثاني للجيش وقوى الأمن، من بعد عكار. لكن من بعد تقاعد معظم هؤلاء أو وفاتهم، ليس من القرية، ومنذ العام 2002 أكثر من 20 عسكرياً بالإضافة إلى 15 دركياً على أساس التعاقد».
ويصادق الكلام مع أهالي القليعة على ما يورده مختارها: «لا شك أن وجود الجيش الآن مريح نفسياً، نرى سيارة درك أو جيش أو حتى سيارة مؤسسة كهرباء لبنان، فنشعر أننا في دولة لا دويلات. لكننا عملياً لا نستفيد». والجميع هنا يناشد الطبقة السياسية: «سووا لنا أوضاعنا كما فعلتم لبعضكم البعض أو سيجونا بشريط! لكن هذا الوضع لم يعد يحتمل».
شبعا وجدت الأمان
يوم وصولنا إلى شبعا كان التالي ليوم حدوث «الإشكال» بين شبان من أنصار تياري الموالاة والمعارضة في مقهى للنراجيل. وهذه البلدة السنّية الذائبة جدران محلاتها ومنازلها بصور الرئيس الشهيد رفيق الحريري تبدو كالواقفة على ساق واحدة. فعالياتها مجتمعة ومنكبّة على عقد الصلح بعدما اعتقلت القوى الأمنية عدداً من المتعاركين.. من يدري ما كان ليحصل لولا تواجد الدولة الآن؟
سؤال يرد على ألسنة الكثيرين: «في كل قرية تحدث تصادمات، حزبية أو عائلية أو شخصية. لكن هذا الإشكال ليس حزبياً كما ورد في الإعلام. شباب متحمسون وحزازيات بسيطة، والأمر انتهى سريعاً بالقبلات المتبادلة»، بحسب المهندس درويش السعدي الذي يضيف أن وجود القوى الأمنية «خفف الاحتقان بلا شك، وإلا ربما كانت الأمور تأزمت أكثر».
يحكى كثيراً في شبعا عن الاستقبال المميز للجيش اللبناني الذي عاد إليها بعد عقود طويلة: «من أيام فتح لاند، خرج الجيش ولم يعد» يقول السعدي، لافتاً إلى أنه «يوم أعاد انتشاره هنا أقيمت الاحتفالات وذبحت الخرفان... منذ السبعينات ونحن محرومون من الدولة وأجهزتها».
تنشر الحلقة بترتيب خاص مع الزميلة «السفير» اللبنانية
الجيش هو الوطن
في كفركلا، قرب بوابة فاطمة الشهيرة. إلى يسارك «كشك» كبير بلافتة: «مركز التبرعات لدعم المقاومة الإسلامية»، وإلى اليمين يتمركز الجيش اللبناني. أنت تنظر إلى فلسطين المحتلة، وخلفك محل بيع ثياب يملكه حسن برو الذي يرى أن «وجود الجيش هنا، مدعّماً بقوات اليونيفل، لم يغير كثيراً من جو الاستنفار والتوتر، خصوصاً بعد الخرق الأمني بانطلاقة صاروخ الكاتيوشا من الجنوب مؤخراً، علماً أن هذا النوع من الخروقات كان يحصل أحياناً حتى على أيام حزب الله، وتصعب السيطرة عليه».
القصة بسيطة بالنسبة إلى محمد فياض ومحمد حاوي ونايف موسى الذين يمضون فترة بعد ظهر هادئة على شرفة منزل مواجه أيضاً لبوابة فاطمة. لهم أبناء موزعون بين الجيش والدرك. يتفق فياض وحاوي على أن «الوضع الأمني قبل انتشار الجيش، وقبل حرب تموز، كان عادياً. فأمن المنطقة أصلاً مرهون بالكبار. لكن خفّ كثيراً الآن احتمال صدام أو إشكاليات تستدعي الرد».
وماذا عما كان يقال عن أن انتشار الجيش على الحدود سيكون لحماية أمن إسرائيل؟ يقول: «هذه أشياء سياسية وقرارات كبيرة لا نريد أن ندخل فيها كي لا نفسّر خطأ. المهم أننا كنا من الأول نتمنى أن يأتي الجيش إلى هنا، فيصبح أولادنا إلى جانبنا». ويضيف قائلاً إن «الجيش هو الوطن، ويا ليته يهبط الدنيا على رؤوس الإرهابيين في نهر البارد».
