يتذكر اللبنانيون حرب الصيف الماضي حيث يجمعون على ضرورة أن «تنذكر وما تنعاد» لكنهم في الوقت نفسه يبدون مشتتين، ومتفرقين حيال ما يجري حولهم من تنازعات سياسية استنزفت البلد على أكثر من جبهة وملف طوال العام الماضي الذي صمتت فيه مدافع العدوان الإسرائيلي.
وإذا كان اللبنانيون يذكرون حرب يوليو (تموز) 2006 بفخر نظراً لصمود المقاومة والشعب اللبناني الذي سطر صفحات ناصعة من التضامن والتكافل، فإنهم يتطلعون اليوم نحو تنفيس الاحتقان السياسي الذي ضغط على الاقتصاد، ونظام الحكم، ووضع لبنان على فوهات براكين عدة تكاد تنفث دخان الاقتتال الطائفي. ووسط استمرار التجاذبات السياسية ينظر اللبنانيون إلى الحوار الذي ستستضيفه باريس خلال الساعات الـ 48 المقبلة، على أمل نزع فتيل مأزق دستوري تلوح أشباحه في الأفق مع قرب انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، ما يوقع لبنان في فراغ دستوري على مستوى الرئاسة. فيما لبنان يعاني مشاكلات مستعصية على جبهتي الحكومة والمجلس النيابي سببت استقطاباً وانقساماً غير مسبوقين منذ توقف الحرب الأهلية في العام 1991.. حتى بات كثيرون من داخل لبنان وخارجه يرون أن البلد بات مقبلاً على كارثة.
«البيان» تنشر، في ذكرى حرب الأيام الـ 34، جردة حساب لما عاشه لبنان من استنزاف على الجبهات العسكرية والسياسية والقانونية وحتى الاقتصادية.. فيما تتعاون مع الزميلة «السفير» اللبنانية في استعادة يوميات الحرب من زوايا متعددة، وتبحث في عمليات إعادة الإعمار، وما تعيشه البلدات الجنوبية التي تعرضت إلى بطش العدو والتخريب الممنهج من ورش عمل لطمس الدمار واستعادة الحياة. كأنه لم يكن ينقص لبنان إلا فتح جبهة عسكرية دامية ينشغل بها الجيش.فالوضع الأمني اهتز بصورة خطيرة في الثلث الأخير من شهر مايو وفجر معه هواجس ومخاوف من تكرار سيناريو حرب المخيمات، فمن دون سابق إنذار تفجرت اشتباكات ضارية بين قوى الجيش والأمن الداخلي اللبناني من جهة، ومسلحين تابعين لتنظيم «فتح الإسلام» الذي وصف في البداية بأنه فلسطيني قبل أن يتبين لاحقاً أنه تنظيم أصولي متعدد الجنسيات يتخذ من مخيم نهر البارد الفلسطيني في شمال لبنان معقلاً له، والأخطر أن له روابط وامتدادات مع تنظيم القاعدة.
ما فجر فتيل الأزمة، التي كادت تمتد إلى مخيم عين الحلوة أكبر مخيمات اللاجئين في لبنان، كذلك اتهام السلطات الأمنية اللبنانية كوادر التنظيم بالقيام بعمليات سلب منظم لبعض فروع المصارف..
في حين توجهت أصابع الاتهام إلى سوريا بالوقوف وراء هذا التفجير الأمني في محاولة «لضرب الاستقرار»، في حين رأى تيار آخر أن هناك من يريد أن يدخل مؤسسة الجيش اللبناني في دوامة من العنف لا تنتهي حتى تتراجع قبضته على مدن وبلدات الجنوب.. فيما ربطها آخرون بالمحكمة الخاصة باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.
والآن وبعد 58 يوماً من القتال الضاري بين الجيش اللبناني ومقاتلي المجموعة الأصولية يبدو مخيم نهر البارد، ثاني أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان، ساحة حرب خاوية من الحياة بعدما انتشر فيها الدمار.
ورغم المساعي التي بذلت على أكثر من صعيد وعبر أكثر من فريق وطرف كان الفشل هو الاتفاق الوحيد، ولكن اللافت في الأمر كان الدعم الذي قدمته منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل إلى الحكومة اللبنانية في ضرورة إنهاء هذه الحالة التي تعرف باسم «فتح الإسلام» واستئصالها لوضع حد لأخذها المخيم وأهله رهائن.
صورة الجيش
ومع ذلك، لا يزال الوضع يراوح مكانه برغم السيطرة الواضحة للجيش اللبناني لكن حالة اللا حسم تضر بصورة الجيش، وتطيل أمد المواجهة التي تستنزف قدراته، وتزيد من حالة الاستقطاب الطائفي والمذهبي في البلد، مع توجيه بعض المنظمات اللبنانية والدولية له اتهامات بالمبالغة في استخدام القوة.
وفيما كان دخول قوة أمنية من الفصائل الفلسطينية لحسم المعركة مع تنظيم شاكر العبسي، واجه الجيش اللبناني عاصفة من الغضب الفلسطيني، وحتى اللبناني، بعد إطلاق عناصره النار على مظاهرة نظمها نازحو مخيم نهر البارد الذين التجأوا إلى مخيم البداوي، حتى أن فصائل فلسطينية،
وكان أقساها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، رأت في ما جرى توظيفاً سياسياً مشبوهاً للوضع الفلسطيني في لبنان، وأن استمرار معاناة الفلسطينيين في مخيمي نهر البارد والبداوي وما تعرضوا له من جرائم تندرج في عداد جرائم الحرب.
وكان اللافت في المواقف أن حركة فتح كانت تدفع بقوة خيار الاستئصال وراحت في الأيام الأخيرة توجه سهام الاتهام نحو أصحاب المبادرات التي سعت وراء سراب الحل السياسي، ومطّت الأزمة التي رأت أن بعض الأطراف حاولت استثمارها لمصالح فئوية.
أما تيار الأكثرية النيابية في لبنان والمعروف باسم «قوى 14 آذار» فوصف تحرك نازحي مخيم نهر البارد بأنه مخطط سوري يعبر عن مستوى الإسفاف والانحدار الأخلاقي والسياسي، وحملت هذا الفريق مسؤولية إيجاد مناخات لتحريض العنصرية ضد الفلسطينيين في لبنان وتبرير استهدافهم واستباحة دمهم.
وكالعادة أصبح ما يدور في المخيم وحوله ملفاً سجالياً ذا نفس طائفي فسعى البعض إلى اتهام تيار المستقبل، وحتى الرئيس الراحل رفيق الحريري بأنه كان من الحاضنين لهذا التنظيم، في مسعى لإشعال الفتيل الطائفي.
في مقابل هذا الشحن السياسي وحتى الديني، تعاملت قيادة الجيش مع الموقف بحس عال، إذ أكدت مراراً تمسكها بحسن العلاقة مع الأخوة الفلسطينيين، والسهر على أمنهم وسلامتهم. كما توجهت القيادة بتعازيها الحارة إلى الشعب الفلسطيني وذوي الشهيدين اللذين سقطا في منطقة البداوي برصاص الجنود
واعتبرتهما كعشرات الشهداء من العسكريين الذين وقعوا ضحايا الحالة الإرهابية. وعاهدت أهالي مخيم نهر البارد أن عودتهم إلى المخيم مضمونة، وأن سرعتها إنما هي مرتبطة بما يبديه عناصر «فتح الإسلام» من حسن نية في تسليم أنفسهم.
ورغم أن الوضع فترت سخونته لبرهة من الزمن أواخر يونيو الماضي ومطلع الشهر الجاري ربما رهاناً من قبل المؤسسة العسكرية اللبنانية على عامل الوقت كي تخور همم وطاقات مسلحي «فتح الإسلام»، عادت المعارك تستعر أواخر الأسبوع الماضي منبئة بأن الحسم العسكري لا مفر عنه.
وأن القضاء على شوكة هذا التنظيم المتطرف باتت وشيكة حفاظاً على صورة المؤسسة العسكرية التي باتت تواجه علامات استفهام كبرى، أقلها: ماذا لو كانت المواجهة مع إسرائيل؟ ومع حراجة الوضع الميداني يواجه الجيش اللبناني ضغطاً سياسياً كبيراً يختزل في الخوف من أن تتسبب أي خسائر بشرية كبيرة تقع في صفوف المدنيين ممن بقوا في المخيم في توسيع رقعة المواجهات بإشعال حرب مخيمات شاملة.
وفيما عبر قائد الجيش العماد ميشال سليمان عن قلق المواطنين من احتمال حصول مواجهة بين الجيش وبعض التنظيمات الفلسطينية في المراحل اللاحقة وأعلن أن موضوع أي سلاح لبناني أو فلسطيني مقاوم يُبحث فيه ويُعالج بالحوار والتوافق ان كان بين اللبنانيين أنفسهم أو بين اللبنانيين والإخوة الفلسطينيين المعنيين بالقضية بما يحفظ المصلحة المشتركة للشعبين..
ألقى صراع الأخوة في فلسطين بظلال قاتمة على جهود الحل، إذ نسفت خلافات حركتي «حماس» و«فتح» جهود صياغة اتفاق فلسطيني فلسطيني حول القوى الأمنية التي كان المفترض بها ان تتسلّم امن المخيم بعد عودة الجيش إلى الوضعية التي كان عليها قبل صبيحة 20 مايو، مع أن هذا الاقتراح كان له خصوم كثيرون من بين أقطاب الطيف السياسي اللبناني.
على كف عفريت
وفي هذه الأجواء المشحونة، حذر رئيس جبهة العمل الإسلامي اللبنانية المعارضة الداعية فتحي يكن الذي كان من أوائل من بذلوا جهود الوساطة بين الجيش و«فتح الإسلام» من أن لبنان على كف عفريت بسبب استفحال عدم إيجاد حل للأزمة السياسية فيه، والفلتان الأمني المستشري في أكثر من منطقة.
واستشعاراً لهذه الحالة، وجه قائد الجيش العماد ميشال سليمان خطابه إلى اللبنانيين، وتحديداً سياسييهم، إلى ضرورة تحقيق الوحدة الوطنية والتوافق الداخلي بعيدا عن ثقافة التصادم والتجاذب السياسي العبثي. وأن التنازل من هنا أو هناك ليس ضعفا بل كبر وترفع وشعور عال بالمسؤولية. سوف ينصف صاحبه التاريخ والأجيال المقبلة.
تقرير نضال حمدان


