وجدت الصناعات التقليدية في اليمن نصيراً أعاد لها بريقها بعد أن كادت أن تندثر في خضم صرعات الموضة وإقبال الكثيرين عليها. ورغم شغف حواء بصورة عامة بهذه الموضة، فإن المرأة اليمنية فضلت العودة لأصولها الشرقية ومدت يدها لتنقذ صناعة الفضيات من الاندثار. وبغض النظر عن دوافع تلك الخطوة، فإن المستفيد الأكبر منها هو الموروث التقليدي في البلد الذي لقب يوماً باليمن السعيد.

وشهدت السنوات القليلة الماضية إقبالاً متزايداً على المصنوعات الفضية نتيجة لجملة من الأسباب التي أعادت لها بريقها اللامع في واجهات المحلات. فبعد أن توارت الحُلي الفضية منسية في الخزائن القديمة أو تخلص منها أصحابها ببيعها أو إهدائها نتيجة مجاراة للموضة العصرية، عادت العقود والخواتم والسلاسل والأقراط الفضية بارزة في واجهات محلات الصاغة التي تزايدت هي الأخرى بشكل لافت.

والمتابع لمحلات بيع الفضيات واعداد صاغتها يرصد اليوم عودة كبيرة وانتشاراً ملحوظاً لتلك المحلات علاوة على تنوع المعروض منها، كما أن هذا النشاط لم يعد محصوراً في نطاق الأسواق التقليدية القديمة وإنما امتد إلى جميع الأحياء والأسواق الحديثة.

ويقول صائغ الفضة إبراهيم الأوصابي إن الحلي المصنوعة من الفضة كانت مفضلة لدى النساء اليمنيات لسببين الأول لأنها تستخدم لأغراض الزينة، والثاني لقيمتها حيث يدخرها الناس للزمن. لكن مع انهيار أسعار الفضة في السوق العالمية مطلع الثمانيات تراجع الإقبال عليها وساد سوقها الكساد وبالتالي لم تعد مغرية لا للمشتريين ولا للصناع، حيث سادت المخاوف من استمرار انهيار سعرها، فتزايد النفور.

والمشتغلون بها من الصاغة هجروها بسبب تراجع الإقبال عليها وتقلص عائداتها. ويضيف الأوصابي قائلاً إنه «في الأربع السنوات الأخيرة ارتفعت أسعار الفضة عالمياً بنسبة وصلت إلى 200 في المئة الأمر الذي أغرى الكثير من الناس خاصة النساء للعودة إلى شراء الفضة».

صاحب محل الفضيات عبدالسلام العزب يضيف أسباباً أخرى لرواج سوق الفضة، مثل: إقبال السياح الأجانب على شراء العقود والأساور القديمة خاصة من قبل النساء الغربيات اللائي يشترين مثل تلك العقود ويرتدينها في الشوارع والأسواق مما يجعل مظهرهن مثيراً لفضول المارة خاصة أعين النساء اليمنيات والعربيات اللائي يحبذن شراء عقود مماثلة».

ويقول العزب ان حفلات الأعراس والزواج والولادة عادت في السنوات الأخيرة إلى تقليد كان منسياً وهو التزين بالحلي الفضية والملابس التقليدية اليمنية في أيام محددة لهذه المناسبات كاليوم الثالث أو الرابع للعروس أو اليوم السابع ويوم الأربعين للوالدة مما ساعد على زيادة الطلب على المصوغات الفضية بشكل كبير».

وأشار العزب إلى ظهور مهارات ووسائل جديدة في تشكيل الخواتم والأساور والعقود الفضية، حيث ابتدع الصاغة قوالب وأنماطاً جمالية تحاكي المشغولات الذهبية في تصميمها وجماليتها مما حفز الرغبات لدى الزبائن.

إلى جانب كل تلك الأسباب ثمة من يضيف عاملاً آخر للعودة إلى المشغولات الفضية اشتغالاً واستعمالا وهو الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها اليمن وانتشار البطالة واتساع مساحة الفقر الأمر الذي حفز الشباب على تعلم هذه الحرفة اما من خلال أهلهم وأقاربهم وإما بتعلمها من الآخرين.

ولا يغيب عن عين المتابع أن الحنين للصورة النمطية التي طبعتها الفضيات على المرأة اليمنية وهي تزدان بهذه العقود الماضية وتلك الصورة تبقى حاضرة بقوة مما يعيد لهذا المعدن وفنون صناعته مجده الغابر وعافيته.